تجارب تفاوضية!
سعادة مصطفى أرشيد*
عقد مؤتمر مدريد للسلام في تشرين الأول 1991، وذلك مكافأة لمن شارك من العرب مع قوات التحالف في حربها مع العراق، وأجبرت إدارة جورج بوش الفلسطينيين المشاركين ضمن الوفد الأردني وهم من اختيار منظمة التحرير المحظور التفاوض معها، ولكن إسحاق شامير رئيس وزراء حكومة الاحتلال في حينه طمأن المعارضين بأن لديه القدرة على مفاوضة الفلسطينيين لعشرين عاماً، الأمر الذي وجد فيه دعماً كبيراً من بوش الأب للحكومة (الإسرائيلية) على المشاركة في المؤتمر برغم معارضة كثير من الساسة في تل أبيب الذين كانوا يعرفون السر المعلن بأن السياسيين يرتكبون مبالغة في التقدير، إلا أن الزمن عاد ليثبت أن تقديرات إسحاق شامير كانت متواضعة فها قد انقضت خمسة وثلاثون عاماً ومفاوضات الحل النهائي لم تبدأ بعد.
ولكن تقديرات شامير هذه لم تأتِ إلا بناء على معرفته بالعقل السياسي للقيادة المتنفذة وتجربة حرب 1982 والتي أدّت إلى خروج منظمة التحرير الفلسطينية ومعها فصائل العمل المسلح من لبنان وتوزيعهم على الأماكن البعيدة عن ميدان الصراع المباشر، فأصبح مقاتلوها يتكدّسون في اليمن والصحراء الجزائرية فيما القيادة الفلسطينية اتخذت لها موقعاً في تونس، وكان خروجها مترافقاً مع خروج أسلحتها الخفيفة التي لم يبق منها شيء لحماية المدنيين الفلسطينيين الذين يعيشون في مخيمات اللجوء، واعتمدت القيادة على وعود وضمانات المبعوث الأميركي في حينه فيليب حبيب. هذه الضمانات التي ثبت سريعاً أنها لا تساوي شيئاً، عندما دهمت ميليشيات انعزالية هامشية مخيمي صبرا وشاتيلا وارتكبت أبشع المذابح في مَن وجدوهم هناك عزلاً من السلاح.
هذا ما عاد وتكرّر مع اتفاق أوسلو الذي دخل بموجبه الثائر الفلسطيني أعزل من السلاح إلا بالنوع والعدد الذي وافقت عليه دولة الاحتلال، وتمّ الترويج الدعائي بأن الاتفاق جاء تتويجاً للجهود والنضالات السياسية والعسكرية لمنظمة التحرير، وأن عيوبه الصغيرة من الممكن تجاوزها. فالاتفاق هو نقطة الارتكاز الذي ستقوم بموجبه الدولة الفلسطينية المستقلة والعتيدة، وصاغ أحد قادة العمل السياسي الفلسطيني نظرية سياسية تقول إن الحياة مفاوضات، والنتيجة هي أن مفاوضات الحل النهائي لم تبدأ ويبدو أنها لن تبدأ (فالإسرائيلي) لم يعد بوارد حتى المفاوضات على عبثتيها، ويرى أن مَن جرّد نفسه من السلاح عليه تنفيذ طلبات القويّ القادر على الضغط عليه بإجراءات إدارية كعدم تحويل أموال المقاصة التي ينصّ الاتفاق على أن تجنيها دولة الاحتلال بالنيابة عن السلطة الفلسطينية وتقتطع منها حصة مقابل الخدمات، وهكذا دخل الفلسطيني في مصيدة لا تفاوض فيها.
في لبنان، بعد يوم واحد من انطلاق طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول 2023 سارعت المقاومة اللبنانية بالدخول في حرب إسناد وإشغال دولة الاحتلال واستطاعت تهجير معظم سكان الجليل وإرباك العدو، ولكن تداعيات الأحداث على ساحة الأمة والإقليم أدت إلى انكفاء المقاومة اللبنانية، وتمّ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً الذي دخل حيّز التنفيذ في تشرين الثاني 2024، التزمت المقاومة اللبنانية بهذا الاتفاق فيما استمرّ (الإسرائيلي) بخرقه يومياً ووصل عدد الخروق (الإسرائيلية) المسجّلة إلى الآلاف، ثم ما لبثت حكومة تل أبيب أن أعلنت عن عدم نيّتها الانسحاب من الأراضي اللبنانية التي احتلّتها ومنعت عودة المواطنين إلى قرى وضيع عديدة في الجنوب اللبناني.
لاحقاً وفي عهد الحكومة اللبنانية الحالية عقدت مفاوضات مدنية لا عسكرية بين لبنان ودولة الاحتلال في الناقورة وبمشاركة ورعاية أميركية، أراد لبنان من هذه المفاوضات تحقيق انسحاب (إسرائيلي) شامل من الأراضي اللبنانية التي احتلتها في حرب الإسناد وتثبيت وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى، فيما أرادت (إسرائيل) تجريد المقاومة اللبنانية من سلاحها من جنوب نهر الليطاني ومن شماله، ويعرف السياسي اللبناني من شتى الخلفيات السياسية والمذهبية تمام المعرفة أن الأطماع (الإسرائيلية) في لبنان قديمة قدم المشروع الصهيونيّ الذي رأى مبكراً أن السيطرة على منابع نهر الليطاني ومياهه أمر بالغ الحيوية لمشروعه. وأن ما كان يردع (إسرائيل) عن السيطرة على هذه المياه وتلك المنابع هو المقاومة وسلاحها، ويعرف أيضاً وإن لم يعترف أن نزع سلاح المقاومة سيودي بلبنان ويحوّله إلى ما يشبه الضفة الغربية التي تحكمها “إسرائيل” بمظلة فلسطينية واهية. وبالتالي فإن على أنصار “إسرائيل” في الداخل اللبناني أن يعرفوا هذا المصير وأن يضطربوا من هذه التجربة وأن يضيفوا إليها المثل الحيّ من تجربة أنطوان لحد.
سلاح المقاومة هو ورقة القوة الوحيدة التي يمتلكها كل لبنان لا بعضه، أما الركون إلى الضمانات الأميركية والفرنسية وحتى العربية البترودولارية، فلن يكون مصيرها إلا كمصير ضمانات فيليب حبيب عام 1982 لقيادة منظمة التحرير والتي قادت إلى مجازر صبر وشاتيلا.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2026-02-04