إن رسم مسارات التقدم مهمة مركزية لتحرير الشعب الأردني من الخوف من المستقبل الذي لا يمكن أن يصبح معلوماً إلا بالتقدم نحوه. فالمستقبل لمن يصنعه ويتقدم نحوه، وسوف يخسره كل من سينتظر أن يأتيه محمولاً على أكتاف غيره، فما يبدد عدم اليقين حول المستقبل هو العمل على صناعته، وتحرير الشعب من الخوف لا يتحقق إلا بجعله شريكاً في صناعة مستقبله.
تخسر الشعوب حاضرها حين تخاف من المضي قدماً لصناعة مستقبلها. والمستقبل مَسير مستمر بثقة واقتدار وليس محطة نهائية، فلكل جيل مستقبله، الذي سيتحول إلى ماضي بالنسبة لورثته، ولكن العار كل العار ألا نجد ما نورثه إلا ماضينا وخوفنا وأغلالنا. والتعالي على الخوف من غموض المستقبل وعدم يقينه والبدء بصناعته هو الخطوة الأولى لاستعادة السيطرة على الحاضر.
يلجأ الملك وعائلته إلى تخويف الأردنيين من مسارات التغيير ونتائجه وما يمكن أن يؤول إليه. ويسعون لتكريس الخوف بإضعاف وتفكيك الحركة الديمقراطية، ومنعها من تقديم برنامج تحول ديمقراطي يوضح مسارات التغيير ومآلاته. وهذا يحدد هدف المعركة المرحلية مع المستبد الفاسد وعائلته، وعنوان النصر فيها هو صياغة خارطة طريق لاسترداد الدولة سلطة وموارد.
فكما أن الظلمة غياب للنور، فإن الخوف هو غياب لإرادة التصدي والمواجهة. إذ يسعى المستبد الفاسد لتوظيف بقاء الحراك الشعبي في المرحلة الاحتجاجية على مدار سنوات، وعدم تحوله إلى مرحلة التصدي والمواجهة، لنشر وتكريس ثقافة الخوف وتأبيدها. والحقيقة المتواترة التي يمكن استخلاصها من تجارب الشعوب، هي أن ثقافة الخوف تتغذى على غياب مشروع التصدي والمواجهة، حيث تقرأ الشعوب هذا الغياب باعتباره دليل ضعف بنيوي وعدم قدرة على التطور نحوهما.
إن انتشار ثقافة الخوف والخنوع وخطاب التبرير والاستجداء، يترافق دائماً مع غياب خطاب التصدي والمواجهة. وتعزيز ثقافة الخوف وتحولها إلى خطاب عادي لا يشعر مرددوه بذل الخضوع والخنوع، أحد أهم عوامل استمرار المستبد الفاسد، الذي يستثمر أولاً بنشر خطاب الخوف وتعويد الناس عليه، وثانياً بتضخيم المساحات المعتمة في مسارات التغيير، ويستثمر عدم اليقين المتعلق بمرحلة ما بعد النظام بطرح سؤال قبل أوانه؛ من سيحكم الأردن بعد رحيل المستبد الفساد وعائلته؟
ولا بد من الإشارة هنا أن الزعيم الذي يلجأ لنشر الخوف لتدعيم سلطته هو فاقد للشرعية “ويعلم بأن الشعب يعلم” بانه فاسد ويقوم بأعمال وانشطة ضد القانون وضد الشعب. إذ ان إصرار الملك على التمسك بأدوات الخوف والترويع لإسكات الناس، دليل حاسم على أنه فقد ركني شرعيته وهما ثقة الشعب به، وثقته هو بنفسه وبصحة حكمه.
ولجوء الملك وعائلته لترويع المواطنين لتعزيز خطاب الخوف، مبرر كافي لاعتماد خطاب التصدي والمواجهة، الضروري لحماية كبرياء الشعب والدفاع عن كرامة المواطنين أفراداً وجماعات. فكما النور يبدد الظلمة فإن خطاب التصدي والمواجهة يبدد الخوف، ويفتح النوافذ ليرى المواطنون معالم المستقبل مرسومة بألوان الورد والفرح.
النظام لم يعد حريص على صورته، ما دامت وسائل نشر الخوف مجدية. الملك الذي يتبنى خطاباً مهيناً للشعب ويصفه بأنه متخلف عاجز عن التمييز بين اليمين واليسار، لم يعد يراهن على ستر عورته وستر فساده وفساد عائلته. والحقيقة المرة أنه ما دام الشعب خائف، والمعارضة لا تتصدى لخطاب الخوف، لماذا يقوم المستبد الفاسد وعائلته بالحفاظ على صورته؟ وما الذي يضيره لو عرف كل العالم بأن أخته غير الشقية التي ترأس منظمة الرفق بالحيوان، تسرق الأموال وتشتري فللاً وقصوراً في أمريكا؟
ولا بد هنا من الإشارة إلى أن خطاب التصدي والمواجهة ليس أرعناً. فهو خطاب ثقة واقتدار يشير بوضوح إلى أن الملك وعائلته مستبدون فاسدون، ولصوصاً يسرقون المساعدات الخارجية التي تأتي لتمويل برامج التنمية، وينهبون موارد الدولة. وخطاب التصدي والمواجهة يوضح مسيرة استرداد الدولة سلطة وموارد “ببرنامج الخطوات القصيرة المتتابعة”، ليس تجنباً للدعوة إلى تغيير النظام، بل من أجل ألا تتحول هذه الدعوة إلى مطيّة لمستبد فاسد جديد، ولتكون الطريق نحو المستقبل واسعة وواثقة ومتاحة لكل من شاء المسير بها.
أخيراً، إن خطاب التصدي والمواجهة الذي سيحرر الشعب الأردني من الخوف ويمكنه من استرداد كبرياءه، ليس خطاب مواعظ وتشجيع، ولكنه خطاب يعيد الثقة بالذات، ويجعل المسير نحو المستقبل واضحاً. وهو خطاب يبدد منطق التلاوم لتبرير الحال الراهنة، بالتداعي للعمل لتسريع الوصول نحو المستقبل المنشود.