تباين المواقف على جانبي الأطلسي حول حرب ترامب/ناتنياهو على إيران!
تفرض الهجمات الأمريكية الإسرائيلية ضد طهران تباعداً واضحاً بين جانبي الأطلسي. ومع اختيار برلين التهدئة لحفظ اقتصادها، تواجه مدريد ولندن انتقادات حادة من واشنطن، لتتزايد تعقيدات المشهد السياسي والأمني في أوروبا
سعيد محمد*
أظهرت محادثات مكثفة أجراها المستشار الألماني فريدريش ميرتس مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المكتب البيضاوي تبايناً ما لبث يتسع بين جانبي الأطلسي تجاه العدوان الأمريكي /الإسرائيلي على إيران. وفيما اختار ميرتس تجنب المواجهة العلنية مع ترامب في النقاشات بشأن العمليات العسكرية المستمرة في الشرق الأوسط وانعكاساتها على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، وجه الرئيس الأمريكي انتقادات حادة لكل من رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لتمنعهما عن الانخراط في الجهد الحربي المباشر مع واشنطن وتل أبيب، ما ضاعف من حجم التحديات الهيكلية والسياسية التي تواجه الاتحاد الأوروبي في الحفاظ على موقف موحد تجاه الأزمة المتدحرجة في الشرق الأوسط.
والتزم المستشار الألماني خلال جلوسه بجوار ترامب الصمت كاستراتيجية لاستيعاب هيجان الرئيس الأمريكي، واستمع كتلميذ نجيب إلى تهديداته بفرض حظر تجاري على إسبانيا وانتقاداته اللاذعة لبريطانيا، واحتفظ بهدوئه التام أمام عدسات الكاميرا. وقال مطلعون على كواليس اللقاء أن ميرتس حاول من خلال زيارته التركيز على إقناع الرئيس الأمريكي بتعديل سياساته المتعلقة بالرسوم الجمركية المفروضة على القارة الأوروبية، ودفعه لتكثيف الضغوط الاقتصادية والسياسية على روسيا لوقف عملياتها العسكرية في أوكرانيا، بدلاً من معاندته بشأن الحرب على إيران.
ويتعرض ميرتس إلى ضغوط داخلية متقاطعة. إذ يدرك حساسية الموقف الشعبي تجاه النزاعات المسلحة، حيث تفضل شريحة واسعة من الألمان الابتعاد عن التدخلات العسكرية المباشرة التزاماً بالتوجهات السلمية التاريخية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، فيما تبذل الحكومة الألمانية الحالية جهوداً مكثفة لإعادة صياغة دورها القيادي في القارة الأوروبية عبر تعزيز الميزانيات الدفاعية وتسريع عجلة الإنتاج العسكري لتعويض أي انسحاب أمريكي محتمل من حلف شمال الأطلسي، مع سعي المستشار الحثيث لطمأنة قطاع الأعمال الألماني القلق من سياسات الحماية الجمركية الأمريكية، خصوصاً في قطاعات صناعة السيارات والآلات الثقيلة التي تشكل عصب الاقتصاد الألماني وتعتمد بشكل أساسي على أسواق التصدير العالمية.
وبحسب خبراء، فإن استراتيجية إبقاء النقاشات خارج دائرة الضوء الإعلامي أتاحت للمستشار الألماني مجالاً أوسع للمناورة والتفاوض بشأن المصالح الاقتصادية والأمنية الألمانية، بدلالة إشادة الرئيس الأمريكي بأدائه ضيفه القيادي، وتثمينه الدعم الخطابي الألماني للعمليات الأمريكية ضد إيران.
إسبانيا في المقابل عززت من تبينها لموقف معارض للعمليات العسكرية الأمريكية / الإسرائيلية المستمرة، حيث وصف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز الهجمات بالخطيرة والمخالفة للقانون الدولي. وكانت مدريد أصدرت قرارات سيادية بمنع القوات الأمريكية من استخدام قاعدتي “مورون دي لا فرونتيرا” و”روتا” العسكريتين لشن هجمات، وقصرت استخدامها على الأغراض الإنسانية والدفاعية البحتة. وغادرت إثر ذلك عدة طائرات أمريكية، منها طائرات تزويد بالوقود من طراز بوينغ كيه سي-135 القواعد الإسبانية متجهة إلى قاعدة رامشتاين في ألمانيا، ما أثار حفيظة ترامب، فهدد بقطع العلاقات التجارية تماماً مع إسبانيا، وفرض حظر اقتصادي شامل عليها.
ورد سانشيز عبر خطاب متلفز للأمة الإسبانية، أكد فيه التزام بلاده التام بمبادئها وقيمها بمعزل عن الخوف من أي أعمال انتقامية، مقارناً العدوان العسكري الحالي على إيران بالغزو الذي قادته الولايات المتحدة ضد العراق عام 2003، مشيراً إلى نتائجه الكارثية على الاستقرار العالمي، ووجه انتقادات مباشرة للقيادة الأمريكية، معتبراً تحريك نيران الحرب محاولة للتغطية على الإخفاقات في إدارة الاقتصاد المحلي ومسعى لملء جيوب فئة قليلة مستفيدة من النزاعات.
كما حذر رئيس الوزراء الإسباني في خطابه من التبعات المستقبلية لإسقاط النظام في طهران، مؤكداً أن النتيجة الحتمية ستتجلى في مزيد من عدم اليقين الاقتصادي وارتفاع أسعار المحروقات.
الحكومة الإسبانية ردت بدورها على تهديدات ترامب عبر تصريحات وزير الاقتصاد كارلوس كويربو، الذي أكد على متابعة الوضع بهدوء تام، مشيراً إلى قوة الروابط وعمق التداخل بين الشركات الإسبانية والأمريكية. ودعمت نائبة رئيس المفوضية الأوروبية تيريزا ريبيرا الموقف الإسباني بتأكيدها أن الاتحاد الأوروبي يتفاوض ككتلة واحدة تتكون من 27 دولة عضو، ويستحيل تجزئة العلاقات التجارية، واصفة التهديدات الأمريكية بمحاولة مقلقة لتقسيم أوروبا.
ويبلغ حجم التجارة المباشرة السنوية بين الولايات المتحدة وإسبانيا حوالي 30 مليار يورو تشكل 4 بالمائة من مجمل صادرات المملكة، مع ميل الميزان التجاري لمصلحة الولايات المتحدة ب 16 مليار يورو.
وبغير هجومه الشديد على إسبانيا، امتدت انتقادات ترامب لتشمل بريطانيا، فصرح أمام ضيفه الألماني بأن رئيس الوزراء كير ستارمر يفتقر إلى صفات القيادة التي تحلى بها وينستون تشرشل – رئيس وزراء بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية -. وجاء ذلك على خلفية امتناع ستارمر عن الموافقة الفورية على مشاركة بلاده في الضربات الهجومية، واشتراطه وجود خطة قانونية واضحة ومدروسة. ووصف الرئيس الأمريكي العلاقات بين البلدين بأنها تراجعت كثيراً مقارنة بوضعها السابق. وزاد التوتر بين الطرفين بسبب النزاع حول أرخبيل تشاغوس وجزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، حيث وصف ترامب تسليم السيادة على الجزر لموريشيوس بالخطأ الفادح والضعف التام من جهة لندن.
ستارمر وقف أمام البرلمان البريطاني مدافعاً عن قراراته، مشدداً على التزامه المطلق بتقدير المصلحة الوطنية لبريطانيا أولاً. وتراهن لندن التي تشهد معارضة شعبية واسعة ضد الحرب في تعاملها مع هذا الخلاف على عمق العلاقات التاريخية والمؤسسية مع واشنطن، متوقعة عودة الأمور إلى مسارها الطبيعي خارج دائرة التهريج الإعلامي للرئيس الأمريكي.
وتواجه حكومة حزب العمل ضغوطات داخلية مكثفة من مختلف التوجهات السياسية في البلاد بشأن الموقف من العدوان على إيران. وفيما تطالب قيادات المعارضة اليمينية، أمثال كيمي بادينوك (المحافظون / يمين) ونايجل فاراج (الإصلاح / أقصى اليمين)، بضرورة وقوف بريطانيا بحزم بجانب الحليف الأمريكي ودعم عملياته العسكرية، أظهرت استطلاعات الرأي معارضة أكثر من نصف البريطانيين للضربات الأمريكية.
وكان ستارمر قد وافق لاحقاً على استخدام الجيش الأمريكي للقواعد البريطانية لأغراض دفاعية بحتة وذلك بعدما تعرضت قاعدة أكروتيري البريطانية في قبرص لهجوم بطائرة مسيرة أسفر الهجوم عن أضرار مادية في مدرج الطيران. واستدعى هذا التطور قيام وزير الدفاع البريطاني جون هيلي بعقد اجتماعات مكثفة مع كبار المسؤولين العسكريين، وتقرر إرسال المدمرة “إتش إم إس دنكان” بالإضافة إلى السفينة الحربية “إتش إم إس دراغون” إلى شرق البحر الأبيض المتوسط لحماية القاعدة في قبرص، وتعزيز الإجراءات الأمنية هناك باستخدام أنظمة الرادار وطائرات إف-35.
ألقت هذه الخلافات بظلالها الكثيفة على القارة الأوروبية، وكشفت عمق التباين في الرؤى بين قادتها. إذ تبنت الدول الكبرى الثلاث فرنسا وألمانيا وبريطانيا – مواقف متفاوتة جذرياً. واستغلت القيادة الفرنسية هذه الاضطرابات لتأكيد ريادتها القارية والمطالبة بدور أوروبي يتمتع باستقلالية تامة. وأعلن الرئيس إيمانويل ماكرون تعديل العقيدة النووية الفرنسية وزيادة عدد الرؤوس النووية استجابة للتغيرات العالمية المتمثلة في التطورات العسكرية الروسية والصينية وتقلبات الحليف الأمريكي، وأكد على بقاء قوات بلاده في حالة تأهب قصوى بعد تعرض قاعدة فرنسية في الإمارات لهجوم. وتوجهت دول مثل السويد وألمانيا وبولندا بطلبات مباشرة إلى فرنسا لتوفير مظلة حماية نووية أوروبية أوسع.
وتعاني القارة العجوز من تحديات هيكلية في قطاع الدفاع، إذ تمتلك أوروبا 178 نظاماً تسليحياً مختلفاً، يقابلها 30 نظاماً فقط في الولايات المتحدة، ونتيجة لذلك يصبح التنسيق المشترك مكلفاً وبطيئاً جداً، وفقاً لتقييم رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا. وتحاول دول حلف شمال الأطلسي البالغ عددها 32 دولة معالجة هذا الخلل عبر زيادة الميزانيات الدفاعية بشكل ملحوظ، فيما تخطط ألمانيا لإنفاق مبالغ تتجاوز ميزانيتي فرنسا وبريطانيا مجتمعتين بحلول عام 2029 لبناء أكبر جيش تقليدي في أوروبا.
وأرخى العدوان الأمريكي / الإسرائيلي بظلال ثقيلة على الأسواق الأوروبية، فسجلت أسعار وقود الديزل في إيطاليا زيادة قدرها 10 سنتات يورو للتر الواحد، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 18 بالمئة، وقفزت أسعار العقود الآجلة للغاز الهولندي تزامناً مع تراجع مستويات التخزين إلى مستويات تاريخية متدنية. كما وحولت شركات الشحن مسارات سفنها نحو رأس الرجاء الصالح، ونتيجة لذلك ارتفعت تكاليف التأمين والنقل بنسبة تصل إلى 50 بالمئة للرحلة الواحدة، فيما توقعت مؤسسات مالية زيادة على فواتير الطاقة المنزلية في بريطانيا بمقدار 500 جنيه إسترليني سنوياً ابتداءً من شهر يوليو بسبب صدمة أسعار النفط وتجدد التهديدات بتأجيج التضخم المالي في بريطانيا وعموم القارة.
هذا وأطلقت وكالة اللجوء التابعة للاتحاد الأوروبي تحذيرات شديدة بشأن التداعيات الاجتماعية والإنسانية للأزمة، مشيرة أشارت الوكالة إلى احتمالية تدفق موجات هجرة جماعية بأحجام هائلة من إيران التي يتجاوز عدد سكانها 90 مليون نسمة، مروراً بتركيا ودول البلقان وصولاً إلى الحدود الأوروبية. وعبر رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان عن قلقه العميق إزاء هذه التطورات.
تبرهن هذه الأحداث المتلاحقة على دخول العلاقات عبر الأطلسي مرحلة تتسم بمزيد من التعقيد الشديد والتقلبات المستمرة ضاعفت منها انعكاسات الحرب في الشرق الأوسط. ويواجه القادة الأوروبيون ضرورة ملحة لصياغة استراتيجيات بديلة تضمن حماية مصالحهم الاقتصادية والأمنية بعيداً عن الحماية الأمريكية وسط بيئة دولية مضطربة، لكن تضارب المصالح الوطنية واختلاف التوجهات الاستراتيجية بين العواصم يتسبب بإبطاء عملية اتخاذ القرار داخل الاتحاد الأوروبي – حيث تتخذ القرارات بالإجماع -، ما يدفع بعض الدول لتشكيل تحالفات مصغرة من خارج مظلة بروكسيل مخصصة للتعامل مع أزمات محددة.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2026-03-06