تأثير التكنولوجيا في التجسس ، وكيف حصل العدو على داتا الاتصالات اللبنانية!

رنا علوان
في السنوات الأولى من الحرب الباردة ، بذلت حكومة الولايات المتحدة جهودًا لاستخدام وسائل الإعلام للتأثير على الرأي العام على الصعيد الدولي ، فعملت منظمة [CIA]على برنامج اسمته الطائر الساخر او المُحاكي ، وجندت ابرز الاشخاص في مجال الصحافة ، والهدف منه تمييع الخبر ، فلا يُعرف بعدها ، اهو صحيح ام كذب ، وبذلك تقوم بدراسة الاشخاص ، فضلاً عن جمع المعلومات
بعد ذلك بسنوات ، ومع تقدم التكنولوجيا اصبحت هذه الحروب اسهل ، وبات المجال السيبراني ميدانًا لها ، وجزءًا مهمًّا من منظومة أمن الدول ، حيث اصبحت تستهدف الحروب السيبرانية جميع مجالات الأمن القومي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والعسكرية
وغالبًا ما يكون الفضاء السيبراني خارج أقاليم الدولة (البرية والبحرية والجوية) المتعارف عليها ، كما من المتوقع ان تكون السمة الغالبة أيضًا للحروب المستقبلية ، وبات يطلق عليها اسم “الحروب الهجينة “
هذه الحروب الهجينة تكمن خطورتها في [المزج بين الذكاء الاصطناعي والحروب السيبرانية]
فالأسلحة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي ليست مُحصّنة ضد الأخطاء والبرامج الضارة والتحيز والتلاعب ، وبالتالي ستكون معرضة لتهديدات الأمن السيبراني واختراق نُظم التشفير
كما أن الحروب بين تطبيقات الذكاء الاصطناعي المختلفة ستفرز تحديات وتهديدات هائلة في مجال الأمن السيبراني (مما قد يُصعِّب سيطرة البشر عليها ، خاصة مع انتشار الأسلحة ذات التحكم الذاتي)
وسيعمل ذلك على تداخل الأمن السيبراني مع الأمن الإنساني ويتجاوز النطاق الجغرافي لأي دولة ، ومن المتوقّع أن يغير الذكاء الاصطناعي مفهوم سباق التسلح، ومفاهيم الردع، خاصة أن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي أقل تكلفة من الردع النووي
في الحرب الروسية الاوكرانية السيبرانية فازت اوكرانيا ، حيث نقل بيشيراي عن تقرير كتبه ستيفان سويسانتو، كبير الباحثين في الأمن السيبراني بمركز الدراسات الأمنية في زيورخ، (CSS) وصف فيه جيش تكنولوجيا المعلومات في أوكرانيا بأنه “بنية فريدة وذكية”
وبإمكان هيكلها التنظيمي وتأثيرها التشغيلي قيادة فن الحرب السيبرانية وحرب المعلومات في الصراعات المستقبلية
وهذا ما دفع بالرئيس بوتن الى احتضان ومنح المتعاقد السابق مع أجهزة الاستخبارات الأميركية ، إدوارد سنودن ، اللاجئ في روسيا، الجنسية الروسية ، للإستفادة منه
اما في حرب طوفان الأقصى فالوضع مُختلف نوعًا ما ، حيث كان لهذه الحرب دور كبير ورئيسي منذ اليوم الاول ، كما ان الاطراف متساوية في قوتها ، لا بل تميل الى كفة المقاومة الفلسطينية لعدة اسباب
على الرغم ان داتا الهواتف في فلسطين المُحتلة ، بيد العدو
اما في لبنان فالحكاية مُختلفة نوعًا ما ، فبعد ان تعاقدت شركة أوجيرو مع شركة “أميركية متخصصة” في شبكات الخدمات الرقمية ، اصبح بإمكان الأخيرة ، إجراء تدقيق تقني ميداني في البنية التحتية لشبكة الإنترنت اللبنانية وتحليل تقني على كل تجهيزاتها ، “من دون الرجوع الى الحكومة ومجلس النواب” ، ما جعل لبنان أمام خرق أمني كبير يبيح المحظورات ويتسلل الى أسرار كل لبناني ، دون إقامة اي اعتبار لخصوصية اللبنانيين ، بشكل ينذر بخطورة وصول العدو الصهيوني إلى داتا الاتصالات ، وهذا فعلا ما حدث
الغريب في الأمر أنه حينها ، كان وزير الاتصالات جمال الجرّاح ومستشاره نبيل يموت ومدير عام هيئة أوجيرو عماد كريدية يعرفون مدى خطورة ما أقدموا عليه وتأثيره على الأمن اللبناني
فوضع الشبكة وأسرارها ومفاتيحها أمام شركة أجنبية ، يعني انكشاف البلد على العدو الخارجي ، وهذا الأمر ينتيج عنه عواقب وخيمة
كما ان هذا الامر يكشف شبكة الإنترنت اللبنانية وأسرارها ومفاتيحها أمام شركة أميركية تريد نقل جميع هذه المعلومات إلى خارج لبنان ما يهدّد أمن وسلامة الشبكة ويعرضها للخطر ، فدخول الشركة على هذا النحو إلى أنظمة المعلوماتية التشغيلية ، يسمح لها بالدخول إلى نظام البريد الإلكتروني الداخلي ، ومعرفة عناوين ومفاتيح السر لجميع العلب الهاتفية البريدية الإلكترونية للعاملين في الهيئة ، وإمكانية التلاعب بها واستخدامها
وبالتالي فإن ما أقدمت عليه وزارة الإتصالات هو جريمة بحق اللبنانيين ، في حينها رغم احتمال حسن نيتها
ومعها بدأت المُعضلة ، وهذا ربما ما كشف لبنان أمام العدو الصهيوني الذي يعمل في الليل والنهار على التجسس على أمن كل لبناني داخله
ومن البديهي أن “غالبية شركات شبكات الخدمات الرقمية تدار من أجهزة الإستخبارات الصهيونية ومؤسسوها هم ضباط كبار في جهاز الموساد ، وهناك تنسيق بين معظم هذه الشركات الأميركية والكيان الصهيوني”
ومن مخاطر هذا الأمر ، امكانية تَسلُّل هذا الكيان الى البّنوك ، وكشف السّرية المصرفيّة لكل مواطن، واللعب بماليته ومالية البلد ككل ، عبر إجراءات وأطر معلوماتية وحسابية يعمد من خلالها الى تغيير كل المعلومات المصرفية للزبائن”وهذا الموضوع في غاية الخطورة ، اذا تحقق يومًا ما ، حيث أن “هذه الشركات تستطيع وبكل بساطة عبر دخولها الى داتا الاتصالات في أوجيرو أن تخرق الأجهزة الأمنية اللبنانية ويذهب تعبها هباءً، عبر تضليلها للتحقيقات والمعلومات الأمنية التي تكون قد حصلت عليها هذه الأجهزة عن كل مواطن أو إرهابي أو عميل، وفي هكذا حالة تستطيع هذه الشركات أن تؤثر على مجريات التحقيق التي تعتمد عليها المحاكم اللبنانية في كثير من الأحيان لدى محاكمتها الموقوفين، وبالتالي تستطيع بهكذا خروقات أن تنقذ أكبر الإرهابيين من السجن، ناهيك عن زرع الفتن هنا وهناك، وتفكيك أوصال المجتمع اللبناني والنيل من بيئة الجيش والشعب المقاومة”، وأن “ما عجز عنه العدو الصهيوني بالحرب يستطيع أن ينال منه بهكذا أساليب”
وهذا التعاقد ليس حالة استثناىية ، فبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري ، سُمح للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي شُكلت عام 2007 ، من قبل الحكومة في الإطلاع على داتا المعلومات لكل اللبنانيين ، وبما فيها معلومات عن الطلاب الجامعيين ، وأخذت تتدخل في شؤون العديد من المواطنين واتهمت بعضهم زورًا “بعلاقتهم بالإغتيال” ، وتم زجهم في السجن ، في الوقت الذي اخفت فيه حقيقة الإغتيال وضللت المجتمع عبر شهود زور مأجورين”، وبذلك ، منذ ذلك الحين اصبحت “كل الأجهزة الأمنية اللبنانية مكشوفة أمام المحكمة الدولية ، وبالتالي أصبح أمن بلدنا مرهون للخارج ”
هذا ما استفاد منه العدو اليوم ، وظهرت عُقبى افعالنا وعدم حرص البعض منا ، فالعدو اليوم يستطيع ان يخترق اي هاتف ان كان محمول او غير محمول ومكان تواجده ومع من ويشاهد جميع محتوياته ويراقب الاتصالات والرسائل (حرفيًا ) بات كطرف ثالث يرى ويستمع لكل شيء
ونريد هنا ان نقرب الصورة كي تتبلور خطورة ما يجري ، ونضرب مثلاً ، [ عندما يقوم العدو بضرب مكان ما ، يُسارع الاقارب والاهل والاصدقاء ، الى مُهاتفة من هم يسكنون في محيط القصف ، هنا العدو يكون اول من يستمع ويطمئن لنجاح جرمه ، وماذا حدث بالتفصيل ] واي معلومة ولو كانت صغيرة ستُفيده حتمًا ، والا لما استمامت لبلوغ هذه المرحلة من التجسس
هنا نحن نكون بمثابة ” أُذن العدو ” وبتوثيق ما جرى نصبح “عينه” ايضًا
مثلنا كمثل اي عميل دون ان نقصد أو نشعر ، ولأن المقاومة تُدرك جيدًا محبة اهلها وشعبها ، وكيف انهم يُقدرون ما تبذله في سبيل الله اولاً ، والوطن ثانيًا ، ولا تُريد جزاءً ولا شكورًا ، فهي منا ونحن منها ، كقطع الليل المتكاملة ، وشهدائنا هم الاقمار والنجوم ،لذلك حفاظًا على تضحياتهم وكي لا يتمكن منا عدونا ، يجب ان نعلم خطورة انه بات موجود بيننا لذلك ، اقله نختصر الاجابة ، ولا نوّثق شيء او ننطق ببنت شفه لبرهة من الوقت ، كي لا نكون عينه واذنه على الارض
وكذلك جميع مواقع التواصل الاجتماعي ، فلدى العدو اكثر من وحدة متخصصة لجمع المعلومات ونشر الفتن واهمها الوحدة 8200
وقد لعبت الوحدة 8200 دورًا حاسمًا ، في الحرب الإلكترونية ضد برنامج إيران النووي ، وساهمت في تطوير فيروس “ستوكسنت” الذي استُخدم عام 2009 لاستهداف الأنظمة المحوسبة التي تتحكم في أجهزة التخصيب النووي في المنشآت الإيرانية ، ما أدى إلى تعطيلها
كما كشفت وثائق من مخزن الأرشيف الرسمي للعدو الإسرائيلي ، ايضًا عن علاقتها بحرب عام 1973 ، فهي كانت مسؤولة عن ما يُعرف بـ “الوسائل الخاصة”، وتتضمن زرع أجهزة تنصت في مكاتب ومرافق حيوية داخل البلدان العربية ، بخاصة تلك الدول التي تعاني من عداء معها
وتعمل الوحدة 8200 بشكل وثيق مع وحدة سييرت متكال، وهي وحدة خاصة تعدّ الأكثر تميزًا في جيش العدو الإسرائيلي وتخضع مباشرةً ، لرئيس شعبة الاستخبارات العسكرية
بالإضافة إلى تنفيذها عمليات الاغتيال في مناطق العالم العربي ، تلعب “سييرت متكال” دورًا مركزيًا في جمع المعلومات الاستخبارية من خلال زرع أجهزة تنصت وتصوير، وذلك بالتنسيق المسبق مع الوحدة 8200
وفي عام 2011 ، نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية تقريراً يفيد بأن الوحدة 8200 تدير شبكة تجسس ضخمة ، وتعد واحدة من أكبر قواعد التجسس في العالم
[ حيث تُمكّنها من مراقبة الهواتف المحمولة ، والبريد الإلكتروني ، ووسائل الاتصال الأخرى عبر مناطق الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا وإفريقيا]
كما تتمتع بالقدرة على تعقب السفن ، ناهيك عن وجود مراكز تجسس سرية تابعة لوحدة 8200 في السفارات الإسرائيلية في الخارج ، بالإضافة إلى وجود كابلات تجسس تحت البحر ، ووحدات تجسس سرية في الأراضي الفلسطينية ، وتمتلك الوحدة أيضاً طائرات “كلفستريم” المجهزة بأجهزة تجسس إلكترونية
وهذا الاسبوع استعانت بمنطاد “سكاي ديو” تعويضًا عن الضربة المُباركة للمقاومة على قاعدة “ميرون ” ، كما أوضحت القناة 12 الإسرائيلية ، أن هذا المنطاد الضخم “هو أحد أكبر أنظمة مناطيد المراقبة في العالم ، والذي يعمل على الكشف والإنذار بعيد المدى وهو جزء من نظام الكشف والدفاع المتعدد للكيان الؤقت”
ختامًا هذا غيض من فيض ولو اردنا الغوص لتوسعنا فيه بشكل كبير ، وجل همنا لفت النظر ، الذي يُقصد منه زيادة الحس الامني في هذه المرحلة الحرجة ، وان الالتزام هو عمل مقاوم ايضًا والوعي سلاح لا يُستهان به
2024-01-10