بين حبر السيادة ودم الوصاية: اليمن وسوريا!
غيداء شمسان*
تتجلى الفوارق بوضوحٍ صارخ، وتتباين الأهداف بشكلٍ جليّ لا لبس فيه، عندما نمعن النظر في المقارنة بين ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر في اليمن، وبين ما حدث في سوريا تحت مُسمى “ثورة”. فالأولى انبثقت من صميم إرادة الشعب اليمني الأبيّ، وانطلقت بقرارٍ ذاتي نابع من أعماق الوجدان الوطني، بينما الأخرى كانت مُحَرَّكة بأيدٍ خفية، ومُسيّرة بأجندات خارجية، وأضحت في نهاية المطاف منفذًا للوصاية الأجنبية التي لطالما كَبَلت الأمة.
في اليمن، كانت ثورة 21 سبتمبر صرخة مدوية زلزلت أركان الظلم والاستبداد، وتعبيرًا صادقًا عن تطلّع الشعب إلى الحرية المنشودة والاستقلال الناجز لقد كانت ثورة شعبية بامتياز، تجسّدت فيها إرادة اليمنيين الأحرار في استعادة سيادتهم المسلوبة، وقرارهم المُصادر، من براثن الوصاية الأجنبية التي طال أمدها، وأثقلت كاهل الوطن كانت ثورةً تُجسد رغبة الشعب العارمة في التحرر من التبعية المقيتة، والانعتاق من الاستعمار الحديث الذي كبّل الوطن سنوات طويلة، وأحكم قبضته على مقدراته وخيراته كانت ثورة تعكس حلم اليمنيين الأصيل في بناء دولة قوية ومستقلة، تحترم إرادة شعبها وتصون كرامته وعزته، دولة تحافظ على تاريخها العريق وتستلهم من حضارتها الأصيلة.
شتان بين ثورةٍ تنادي بالحرية والاستقلال الحقيقيين، وبين “ثورةٍ” مُزيفة تُمَهِّد الطريق للاحتلال والتبعية، وتفتح الأبواب أمام قوى الاستكبار لتعبث بالوطن وتنهب ثرواته. شتان بين ثورة تنبع من صميم الشعب، ومن جوهر هويته وقيمه ومبادئه، وبين “ثورةٍ” تُحَرَّك بأيدٍ أجنبية خفية، وتُدار بخيوطٍ خبيثة من وراء الستار، وتخدم مصالح قوى لا تريد الخير للأمة. إن الفرق بين ما حدث في اليمن وما حدث في سوريا، ليس مجرد فرق في التفاصيل والجزئيات، بل هو فرق جوهري في المنطلقات والأهداف، والمبادئ والغايات. فثورتنا هي ثورة السيادة الحقيقية، التي تسعى إلى تحرير الوطن وبناء الدولة المستقلة، بينما “ثورتهم” هي ثورة الوصاية المُقنَّعة، التي تسعى إلى تفتيت الأوطان و إضعاف الأمم، وإخضاعها لقوى الهيمنة والاستكبار.
أما في سوريا، فقد كان ما حدث “ثورة” مُزوَّرة، مُلَفَّقة، ومُصطنعة، لم تنبع من صميم الشعب السوري العظيم، بل كانت مُحَرَّكة بأجندات خارجية مشبوهة، ومُوَجَّهة بأيدٍ غادرة تسعى إلى تدمير البلاد وتمزيق وحدتها. لقد تمّ توظيف الأحداث المؤسفة، واستغلال معاناة الشعب، لخدمة مطامع أجنبية خبيثة، ولتمكين قوى الاستكبار من السيطرة على البلاد، ونهب خيراتها وثرواتها. لقد كانت “ثورة” استدعت الوصاية الأجنبية، وفتحت أبواب سوريا مشرعة أمام الاحتلال الأمريكي والإسرائيلي، وشَرَّعَت لهم الوجود على أرض الوطن، وجعلت من سوريا ساحة للصراع والتناحر بين القوى المتنافسة بل الأدهى من ذلك، أن هذه “الثورة” المُزيفة تطالب اليوم بكل وقاحة بالتطبيع مع كيان العدو الصهيوني الغاصب، ذلك الكيان الذي يغتصب أرض فلسطين الطاهرة، ويقتل أبناء الأمة ويشرد أهلها، ويهدد أمن المنطقة واستقرارها.
إن الحقيقةَ الدامغة تكشف زيف المدعين، وتبيّن مكر الخائنين، وتُعرِّي المؤامرات الخبيثة التي تُحاك في الخفاء ،وإن اليمن اليوم، بقيادته الحكيمة وشعبه الأبيّ، يواصل مسيرته الظافرة نحو الحرية والاستقلال، ويرفض كل أشكال الوصاية والتبعية، ويُقاوم قوى الاستكبار التي تسعى إلى النيل من سيادته وكرامته، بينما سوريا ما زالت تعاني من ويلات “الثورة” المُزوَّرة، وتدفع ثمنًا باهظًا لِخيانة أبنائها وتآمر الأعداء عليها، وتنزف دماءها في صراعات عبثية لا نهاية لها. فلتكن القصة اليمنية درسًا بليغًا لكل أمة تسعى إلى الحرية الحقيقية، ولتكن المأساة السورية عبرةً لكل من يسمح للخارج بأن يعبث بمُقدرات الوطن، وأن يُدمر نسيجه الاجتماعي، وأن يُشعل نار الفتنة بين أبنائه.
اتحادكاتبات اليمن
2025-01-10