حصر السلاح بيد الدولة من عسر الخلاف إلى يسر الإختلاف!
أ. د. عامر حسن فياض
إن طرح أفكار ووضع برامج والدعوة لحوار سلمي يتصل بمستقبل العراق واستكمال بناء دولته الآمنة المستقرة والمزدهرة مشروع وطني كبير ومتشعب لا يحسم بقرار ولا يتحقق برغبة عابرة ولا بأمنية لحظوية بقدر ما يتحقق على وفق صيرورة تاريخية ومسارات عملياتية تستلزم استحضار مقومات وامتلاك إرادة وطنية حريصة بالأفعال لا بالأقوال على استكمال بناء دولة عراق آمن ومستقر ومزدهر.
بيد أن هذا المشروع سيكون متعثراً دون ضمان البعد الأمني والعسكري في المقوم السياسي لبناء الدولة الذي ينبغي أن تكون المحتكر الأول للقوة المشروعة قانونياً وأن تكون الدولة المحق الوحيد لاستخدام القوة وأدواتها في البلاد. ومن هنا يتم العروج على قضية حصر السلاح بيد الدولة بوصفها القضية / الجزء الأساس من مستلزمات بناء الدولة من جهة بوصفها قضية سياسات رسالتها والهدف منها تنظيم وتقوية وتعظيم القدرات العسكرية والأمنية للدولة..
بمعنى أدق أن الهدف من حصر السلاح بيد الدولة ينبغي أن يحصل للانتقال به من موضوع خلاف وطني إلى موضوع لا يمنع الاختلاف في تحديد توقيته وأليات تحقيقه لكي نغادر وننهي الإبقاء عليه موضوع خلاف عراقي-عراقي. وكيما يكون الأمر كذلك فلا سبيل غير الحوار الوطني العراقي-العراقي بامتياز.
ولأجل ذلك علينا الانتباه أولاً إلى أن هذا الأمر والتعامل معه بالشكل السليم ينبغي أن يكون انحيازاً فقط لمصلحة العراق (الدولة والوطن والمواطن) وهذا الانحياز سيجعلنا غير محايدين عندما تتطلب مصلحة العراق في مواجهة التدخل الأجنبي والإرهاب والفساد والأمراض المجتمعية كافة. وهنا فإن حصر السلاح بيد الدولة ينبغي أن يدرج في خانة السياسات والتي نريد منها وبها تنظم وتقوية وتعظيم قدرات المنظومة العسكرية والأمنية لدولة العراق دون أبعاد أو أقصاء أو تجاهل حقوق العراقي الذي حمل السلاح وقدم الدماء في مواجهة أعداء العراق من محتلين وإرهابيين تلبية لواجب وطني نبيل واستجابة لنداء شرعي وأخلاقي وإنساني.
إن حصر السلاح بيد الدولة لا يتم إلا عبر حوار عراقي بامتياز يخص مطلب عراقي بامتياز، وهذا المطلب لم يكن ابن اليوم وينبغي ألا نطالب به اليوم لرغبة أي براني يشترطه ويشترط توقيتاته. ولما كان هذا المطلب عراقياً بامتياز فالقائم بالتنفيذ لا بد أن يكون عراقياً بامتياز أيضاً دون استعانة بأي أجنبي براني. وإذا كان يراد للحوار أن يكون عراقياً بامتياز لا بد أن تكون آليات الحصر سلمية ترضي حامل السلاح ضد أعداء العراق وترضي كل من يطالب بهذا الحصر من الأطراف العراقية فقط. كما أن توقيتات البدء بعملية الحصر وحلوله المباشرة هي توقيتات يضعها معاً أصحاب الشأن (أطراف الحوار العراقي-العراقي) ولا تفرض على أصحاب هذا الشأن من الخارج.
كما أن آليات الحصر إذا أريد لها أن تكون مقبولة وناجحة ولصالح العراق ينبغي ألا تؤذي أي عراقي.. وأن عدم الأذى لا يعني تحقق الحصر بوعد بل بتثبيت حقوق. فالذي حمل السلاح في وجه من أراد للعراق سوءاً من محتلين وإرهابيين يستحق بجدارة حقوقاً ينبغي عدم تجاهلها.. ومن بين حقوقه وأولها هي استمراره في تلبية نداء حماية الوطن في أعداء الداخل والخارج على غرار حمايته للعراق من الاحتلال والإرهاب.
بمعنى آخر أن من يسلم السلاح الذي حمله لتلبية نداء الوطن ضد أعدائه يستحق ضمانات وأول هذه الضمانات هي ضمان مشاركته في تنظيم وتقوية وتعزيز قدرات المنظومة العسكرية والأمنية الوطنية لدولة العراق بأنخراطهم أفراداً وليس (جماعات) مسلحة في مؤسسات هذه المنظومة بحسب مهاراتهم واختصاصاتهم وصنوفهم. وهذا الأمر ينطبق على ضرورت انخراط عناصر هذه الجماعات كأفراد من كل الفصائل والتشكيلات العسكرية وشبه العسكرية من أنحاء العراق كافة لينخرطوا كأفراد في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية أو المدنية.
نخلص مما تقدم أن الحوار الوطني لحصر السلاح بيد الدولة سيكون موضع تحقق ملموس حين يكون بأطرافه ومقر إقامته وجدوله وتوقيتاته عراقياً بامتياز وحين تكون مرجعيته عراقية دستورية بعيداً عن (الشرعيات) التوافقية والشعبوية والترامبية ! وهنا ستكون النتيجة على وفق هذه المقدمات والأليات نتيجة تحمل مواصفات الفرادة العراقية غير الشبيهة بتجربة طالبان في أفغانستان ولا بتجربة النصرة في سوريا لأن حاملي السلاح المقاوم للمحتل والإرهاب في العراق لا لاينشدون بحكم أو تحكم ولا سلطة أو تسلط بل سيهمهم أن يكونوا أفراداً مواطنين يستحقون المشاركة وتنظيم وتقوية وتعزيز قدرات المنظومة العسكرية والأمنية وحتى المدنية. كما أن الحوار الوطني السلمي (العراقي-العراقي) حول حصر السلاح بيد الدولة بهذه المواصفات يجنب العراق عسر الخلاف ليرفل في يسر الاختلاف التنافسي لأجل بناء دولة العراق الحقة.
2026 /9 / 3