قبل أن نبني الحامل السياسي: كيف نبدأ؟
غانية ملحيس *
ملخص تنفيذي
ينطلق هذا المقال من الحوار الذي أثاره المقال السابق «إيلان بابيه يرى أزمة إسرائيل… فماذا نرى نحن في أزمة فلسطين؟» حول سؤال الحامل السياسي الفلسطيني، وما تبعه من قراءات نقدية وتعليقات وأسئلة دفعت إلى إعادة النظر في الفكرة من زوايا متعددة. فبدلا من الاكتفاء بالسؤال: هل نحتاج إلى إعادة بناء الحامل السياسي الفلسطيني؟ انتقل النقاش تدريجيا إلى سؤال أسبق وأكثر إلحاحا: كيف نبدأ؟ ومن أين؟
فالنقاش الذي تلا المقال كشف أن أزمة السياسة الفلسطينية لا تختزل في غياب مؤسسة تمثيلية أو في ضعف بنية تنظيمية يمكن إصلاحها بإعادة توزيع المواقع. المشكلة أعمق: في العلاقة بين الشعب والمشروع والتمثيل والقرار، وفي قدرة الفلسطينيين على تحويل ما يزال حيا في وعيهم الوطني من ذاكرة وانتماء وصمود إلى قدرة سياسية منظمة على الفعل.
ومن هنا يقترح المقال تغيير نقطة البداية: لا نبدأ بالمؤسسة، بل بالمسار الذي يمكن أن ينتج القوة السياسية والمؤسسات التي تحتاجها. فالمؤسسة لا تستطيع أن تكون بديلا عن المشروع، والشرعية لا تأتي من وجودها وحده، بل من علاقتها بالمجتمع، ووظيفتها، وقدرتها على التعبير عن مصالحه ومساءلة نفسها أمامه. وقد لا يكون الحامل السياسي، في صيغته القادمة، مؤسسة واحدة تحتكر التمثيل والقرار، بل شبكة من المؤسسات والمجالات والمستويات تتكامل وظائفها ضمن مرجعية وطنية وقواعد شراكة وإدارة اختلاف واضحة. لذلك يسبق بناء الحامل السياسي سؤالٌ عن فلسطين التي نريد حملها، والمشروع الذي نريد تجسيده، والعلاقة بين الشعب والتمثيل والقرار.
ويعني ذلك أيضا إعادة التفكير في مفهوم الوحدة. فالفلسطينيون موزعون على جغرافيات وتجارب وشروط سياسية وقانونية واجتماعية مختلفة، لكن تعددهم لا يعني تعدد مصيرهم. المطلوب ليس توحيد الأشكال بقدر ما هو وحدة المشروع والمرجعية وقواعد الشراكة وإدارة الاختلاف؛ بحيث يصبح ممكنا تعدد الرؤى والأدوات والمراكز من دون أن يتحول الاختلاف إلى انقسام في المصير أو احتكار لحق تعريف المصلحة الوطنية.
ولا يشترط هذا المسار إجماعا سياسيا شاملا قبل البدء. بل يمكن البدء بما نستطيع الاتفاق عليه، ثم اختبار قواعد الشراكة من خلال العمل المشترك، وبناء الثقة والمساءلة. ولهذا يقترح المقال «مسارا تأسيسيا» تراكميا يبدأ بالحوار وتحديد المبادئ، ويمر ببلورة المشروع والوظائف واختبار العمل المشترك، ثم تطوير أشكال التمثيل والمؤسسات.
وفي قلب هذا المسار يأتي المجتمع الفلسطيني، لا بوصفه جمهورا ينتظر أن يُمثَّل، بل شريكا في إنتاج المشروع والشرعية. فالانتخابات مهمة، لكنها أداة داخل مشروع وليست بديلا عنه، كما أن المؤسسات القائمة لا ينبغي هدمها ولا تقديسها، بل إخضاعها لسؤال الوظيفة وإمكان الإصلاح وإعادة التركيب.
ولا يقترح المقال مؤسسة جديدة ولا قيادة جاهزة. إنه يقترح استعادة حق الفلسطينيين في المشاركة في كتابة الورقة نفسها: تحديد ما يريدون، وكيف يختلفون، وما الذي يمكن أن يعملوا عليه معا. ومن هذا المسار، لا من قرار فوقي مسبق، يمكن أن يتولد الحامل السياسي القادر على استعادة القدرة الفلسطينية على الفعل وصناعة المستقبل.
المقال الكامل: قبل أن نبني الحامل السياسي: كيف نبدأ؟
لم أكن أتوقع، حين كتبت «إيلان بابيه يرى أزمة إسرائيل… فماذا نرى نحن في أزمة فلسطين؟»، أن يفتح المقال هذا القدر من الحوار والأسئلة المتتابعة حول ما أسميته «الحامل السياسي الفلسطيني». كان قصدي آنذاك أن أنقل النظر من أزمة الآخر إلى أزمتنا نحن، ومن انتظار ما قد يحدث لإسرائيل إلى مساءلة قدرتنا على الفعل إذا تحرك التاريخ في اتجاهات جديدة.
لكن ما تلا المقال من قراءات نقدية وتعليقات وحوارات كشف أن السؤال لم يعد يقف عند حدود: هل نحتاج إلى إعادة بناء الحامل السياسي؟ بل انتقل، وهذا هو الأهم، إلى السؤال الذي يسبق ذلك كله: كيف نبدأ؟ ومن أين؟
كتب خالد عطية عن العلاقة بين «الحامل الوطني» و«الحامل السياسي»، ونبّه إلى مفارقة تستحق التوقف: قد يكون الحامل الوطني الفلسطيني، بما يتضمنه من ذاكرة وانتماء وإرادة وصمود، أكثر حيوية من البنية السياسية التي يفترض أن تترجم هذه الطاقة إلى فعل تاريخي منظم.
ودفع يحيى بركات السؤال إلى منطقة أخرى حين تحدث عن الانتقال من «وحدة الهيكل» إلى «وحدة المشروع»، وعن إمكان أن نكون شعبا سياسيا واحدا من دون أن نحتاج بالضرورة إلى أن نكون بنية سياسية واحدة، مستحضرا واقع الشعب الفلسطيني الذي توزع على جغرافيات وشروط سياسية وقانونية واجتماعية شديدة الاختلاف، من دون أن يفقد وحدة انتمائه ومصيره.
أما عبد الرحمن بسيسو، فقد أخذ النقاش إلى ما بعد التأسيس الفكري، نحو الاستراتيجية وشروط التنفيذ، وسأل بصورة ضمنية: كيف تتحول الرؤية إلى استراتيجية، والاستراتيجية إلى خطط، والخطط إلى فعل؟
ثم جاء محمد قاروط أبو رحمة ليقلب السؤال على وجهه: قبل أن نعيد بناء الحامل السياسي… من يبدأ؟
ومن يبدأ، في الحقيقة، ليس سؤالا إجرائيا بسيطا. فمن سيملك حق الدعوة؟ ومن يمثل غزة والضفة والقدس والداخل والشتات؟ ومن يحدد المدعوين، وعلى أي أساس، وتحت أي مرجعية؟ وكيف نتفق على شكل الحامل إذا كان اتفاقنا نفسه يحتاج إلى حامل؟
ثم جاءت فاتن جرار لتضع إصبعها على العقدة الأعمق: ماذا لو كان الخلاف الفلسطيني لا يتعلق بتوزيع المقاعد والمناصب، وإنما بالمشروع السياسي نفسه، وأدوات النضال، والعلاقة مع إسرائيل، وشكل الدولة، وحدود الممكن والمقبول؟ وعلى ماذا نتفق أصلا حتى يصبح ممكنا لإطار واحد أن يدير اختلافاتنا من دون أن تتحول إلى انقسام في المصير؟
هذه الأسئلة لا تقدم لنا إجابة جاهزة، لكنها، في تقديري، فعلت شيئا أهم: غيّرت السؤال نفسه. لم نعد نسأل فقط: ما الحامل السياسي الذي نحتاجه؟ بل أصبح علينا أن نسأل: ما الشروط التي تجعل بناء هذا الحامل ممكنا؟
وهنا أظن أن علينا أن نتوقف قليلا عن البحث عن المؤسسة التي ستخرجنا من الأزمة، وأن نفكر في المسار الذي يمكن أن ينتج المؤسسة التي نحتاجها.
الحامل السياسي ليس نقطة البداية
ربما كان أحد أخطاء تفكيرنا السياسي أننا نتعامل مع المؤسسة باعتبارها نقطة البداية، ثم نفترض أن المجتمع والمشروع والشرعية والوظيفة ستأتي بعدها. نبحث عن منظمة التحرير التي نريد إصلاحها، أو عن سلطة نريد تغييرها، أو عن انتخابات نريد إجراؤها، أو عن صيغة جديدة للفصائل، ثم نفترض أن المشكلة ستجد طريقها إلى الحل بمجرد أن نعيد ترتيب هذه البنية.
لكن التجربة تقول إن العكس قد يكون أقرب إلى الحقيقة: المؤسسة لا تنتج المشروع بالضرورة، بل ينبغي أن ينتج المشروع المؤسسة. والشرعية لا تُستخرج من وجود المؤسسة، بل تتولد من علاقتها الحية بالشعب، ومن الوظيفة التي تؤديها، ومن قدرتها على التعبير عن مصالحه وتحقيق أهدافه ومساءلة نفسها أمامه.
لهذا فإن السؤال عن الحامل السياسي لا يمكن أن يسبق السؤال عما نريده من السياسة الفلسطينية نفسها.
أي فلسطين نريد أن نحملها؟
أي مشروع نريد أن تجسده السياسة؟
أي علاقة نريدها بين الشعب والتمثيل والقرار؟
ما موقع الأرض في هذا المشروع؟ وما موقع الشتات؟ وما علاقة المقاومة بالسياسة؟ وما حدود التعدد؟ وكيف يتحول الاختلاف من مصدر انقسام إلى مصدر قوة؟
هذه ليست أسئلة تكميلية يمكن تركها إلى ما بعد تشكيل المؤسسة. إنها الأسئلة التي يفترض أن تحدد لماذا نحتاج إلى المؤسسة أصلا. ومن هنا أجد أن العبارة التي بدأت تتكرر في هذا الحوار تستحق أن تصبح قاعدة منهجية: التأسيس قبل المؤسسة.
من الحامل الوطني إلى الفعل السياسي
لكن التأسيس لا يبدأ من فراغ. وهنا كان تمييز خالد عطية بين الحامل الوطني والحامل السياسي بالغ الأهمية.
الفلسطينيون لم يفقدوا شعبهم، ولا ذاكرتهم، ولا انتماءهم، ولم تتوقف قدرتهم على إنتاج المعنى الوطني. بل إن عقود الاقتلاع والاحتلال والحصار والتهجير لم تستطع محو فلسطين من الوعي الجمعي.
لكن بقاء الحامل الوطني لا يعني تلقائيا قدرته على إنتاج فعل سياسي منظم. وهنا تكمن إحدى أخطر فجواتنا الراهنة:
كيف تتحول الطاقة الوطنية إلى قوة سياسية؟
كيف تتحول الذاكرة إلى مشروع، والانتماء إلى مشاركة، والصمود إلى مبادرة، والتضحيات إلى قدرة على صناعة المستقبل؟
كيف تتحول المقاومة، بتعدد أشكالها، إلى تكامل استراتيجي؟
وكيف يتحول التضامن العالمي إلى قوة سياسية فلسطينية تستطيع مخاطبته واستثماره؟
هذه النقلة لا تستطيع مؤسسة منفصلة عن المجتمع أن تنجزها نيابة عنه. ولهذا لا ينبغي أن يكون هدفنا مجرد إنشاء «حامل» جديد، بل إعادة وصل السياسة بمصادر القوة الحقيقية في المجتمع الفلسطيني.
وحدة الشعب لا تعني إلغاء تعدده
وهنا نصل إلى سؤال يحيى بركات حول «وحدة الهيكل» و«وحدة المشروع».
ربما اعتدنا طويلا أن نتصور وحدة الشعب من خلال مركزية المؤسسة ومركزية القرار. لكن الواقع الفلسطيني نفسه تجاوز هذه الصيغة. الفلسطينيون اليوم موزعون بين غزة والضفة والقدس وفلسطينيي الداخل واللاجئين والشتات، ولكل تجمع شروطه وتجربته وقيوده وأدواته ومجاله السياسي والاجتماعي.
ولا يمكن بناء وحدة حقيقية بإنكار هذا التعدد. لكن الاعتراف بالتعدد لا يعني القبول بتعدد فلسطين أو بتعدد المصير.
لذلك ربما يكون المطلوب هو الانتقال من محاولة توحيد الأشكال إلى تنظيم العلاقة بينها داخل مشروع واحد. قد لا نحتاج إلى أن يكون لكل الفلسطينيين الشكل السياسي نفسه، بقدر حاجتنا إلى أن يكون لهم أفق وطني مشترك، ومرجعية مشتركة، وقواعد شراكة مشتركة، ومساحة مشتركة لصناعة القرار في القضايا التي تخص المصير العام.
ومن هنا أعود إلى إجابتي على سؤال فاتن جرار حول «وحدة القرار». ربما كان علينا أن نكون أكثر دقة في استخدام هذا المفهوم. لا أعتقد أن وحدة القرار تعني التطابق في الرؤية أو الأدوات أو البرامج؛ فهذا غير واقعي، وربما ليس مطلوبا أصلا.
ما نحتاجه هو شيء مختلف: وحدة المرجعية وقواعد إدارة الاختلاف؛ أن نختلف حول الوسائل من دون أن يتحول اختلافنا إلى انقسام في المصير، وأن تتعدد الاجتهادات السياسية من دون أن يحتكر طرف حق تعريف المصلحة الوطنية، وأن تتعدد أدوات النضال من دون أن تتحول التعددية إلى تنازع على تمثيل الشعب. وأن تكون هناك قواعد تحدد ما يمكن أن يقرره طرف بمفرده، وما لا يجوز أن يُتخذ نيابة عن الشعب كله.
بهذا المعنى، لا تكون وظيفة الحامل السياسي إلغاء الاختلاف، بل حماية الوحدة الوطنية من أن يتحول الاختلاف إلى اقتتال أو قطيعة أو انفصال في المصير.
للمزيد أضغط على الرابط
https://alantologia.com/blogs/96757
1/9/2026