( يُستَنبَشُ الماضي كحِكَّم ، لِبناء المُستقبل الحُلُم.)
—— مايُشبه البَحث في بقايا الأقوال العالِقة بالذاكرة /٢٥–
— بين امتداد التراث والسطور الشُجاعة نَموذجاً —
رشدي رمضاني.
~~~~~~~~
المَنشور يتناول نموذج لمرحة قَبْلُ الاسلام الباهيّة بالمعلقات وغيرها،
كتماضر وعشرات النساء الشاعرات، ومن عنترا نموذجاً الى عُروة
بن الورد، وو.. حيث يظهر جلياً، ألق البوادي وقيَّم البادية، الممتدة
عبر العصور، مروراً بالمتنبي، كنَموذج لمرحلة زاهرة، فِيهَا أبا تمام،
الشريف الرضي والمرضتى، البحتري، الحطيئة، النواسي، وو..
ممتدة لنهاية القرن الماضي وفيها نزار، بدوي الجبل، السياب،
الجواهري، عبد الرزاق، لميعة، مظفر، نازك، أمير الشعراء، ووو،
الأسماء للتوضيح والعدد كبير، ولابدَّ من الاعتذار، لقصور الحيلة..
-١- “هلا سألتِ الخيلَ يا ابنةَ مالكِ، إن كُنْتِ جاهلةً بما لم تَعلمِ.
يخبركِ مَن شهدَّ الوَقيعَة أنني، أغشى الوغى وأعفُ عندَّ المَغنَمِ.
ولقد ذكرتُكِ والرماحُ نواهلٌ، مني وبيضُ الهندِ تّقطر من دَمِ.
فوددتُ تقبيلَ السيوفِ لأنها، لَمعت كبارقِ ثغركِ المُتَبسمِ.
ومدجَجٍ كره الكُماة نِزاله، لا مُمعِناً هرباً ولامُستسلم.ِ
جادت له كفي بعاجل طعنةٍ، بمثقفٍ صدق الكعوبِ مقومِ.
و: ” مازلت أرميهم بثغرةِ نحره، ولُبانه حتّى تَسربَل بالدمِ.
فأزورَ من وقع القَنا بلُبانه، وشكى إليَّ بعبرةٍ وتَحَمحمِ.
لو كانَّ يدري ما المُحاورة اشتكى، ولكانَ لَو عَرفَ الكلامَ مِكلمي.
ولقدّْ شَفى نَفسي وأبرأ سُقمها، قيّلُ الفوارس ويْكَّ عنترَ أقدمِ.”
و: ” خُلقتُ من الحَديدِ أشدُّ قلباً، وقَدّ بَلى الحَديدُ وما بُليتُ.
وفِي الحَربِ العُوان ولدّتُ طفلاً، ومن لَبنِ المَعامعِ قَدّْ سُقيتُ.”
العبسي عنترا بن شداد، يصف شجاعته ومروئته التي كانت
تقليداً في ساحات الوغى، من قيم البَداوة ونهجها الراقِ السائِد
وقتها.. وينهيها مشفقًا على حِصانهِ، ويحاوره ويفهم همهمته..
هكذا يخوض المعارك ولا يتخلى عن شجاعة الكرام..
~ ٢~ أبا مُحسد أحمد الحسين المتنبي، فشأنه عالمٌ ساحر. مايزال
المتابع مدهوشاً باسلوبه وحكمته، وتمسكه بالنهج العراقي/العُروبي ،
رغم ما لاقاه من ظلم وتجني وباطل الأقوال، واغتربَ قَسراً :
” يَقولُ الطَبيبُ أكّلتَ شيئاً،. وداؤكَ في شَرابكَ والطَعامِ.
وما في طْبِّهِ أني جوادٌ، أظرَّ بجسمِهِ طُولَ الجُمامِ.
تَعَودَّ أن يُغَبِرَّ في السرايا، ويدخلُ في قتامٍ من قِتامِ.”
حاورَ طبيبه، وكثير من شعره فيه الحوار والنقاش، ووصل لحدود
أن سمع حصانه يخاطب الناس عاتبًا. يوم وصل أطراف العراق،
من شرقها، ورأى العشب والزرع والنخيل، تأمل حصانه بوصفه
الدقيق للمكان، عاد ليقول بأن حصانه يخاطب الناس، ويعاتبهم
من ابونا آدم وأنت نازل، وبذا خالف عنترا، وأنطَقَ حصانه:
” يقول بشعب بوان حصاني، أعن هذا يسارُ الى طعانِ.
أبوكم آدمٌ سَنَّ المعاصي، وعلمكم مفارقة الجنانِ.”
” مَغَاني الشِّعْبِ طِيباً في المَغَاني بمَنْزِلَةِ الرَّبيعِ منَ الزَمَانِ.
وَلَكِنَّ الفَتى العربي فِيهَا، غَرِيبُ الوَجْهِ وَاليَدِ وَالّسَانِ.”
ويذهب بعيداً في عشقه للعراق/ بغداد، وتجاوز تولُهُّهُ حدود كُلْ
ما عرفناه من عشق الوطن وأهله، أوليس أبا محسد المُعَلِم الحكيم ؟:
” أرجو لقاك فما كان الهوى سهلاً، أرجو لقاءً خفيف الظلِ والألمِ.
فالموتُ أفضل لي والصبر أهلكِ بي، من بعد ماجرى بي منكِ ومن سقمي.
قبلتها ودموعي مَزجُ أدمعها، وقَبَلَتني على خوفٍ فَماً لفمِ.
من أسكن الشاعر الولهان مَوطِنَه، بغداد أنتَ نجوم الليل والظُلمِ.
بغداد أنتِ شفاء العَين من رمدٍ، بغدادأنتِ لقاء الله بالأممِ.
بغداد أنتِ دواءُ القَلبِ مَن عجزٍ، بغداد أنتِ هلال الأشهرِ الحُرمِ.
بغداد أنتِ هوى العصفور مهجته، كالريحِ تعزفُ ألواناً من الحُلمِ.
بغداد كوني للحوادث ضيغماً، للموتِ بعد حياةٍ فيهِ منتقمِ.
يا رُوحَ دجلَةَ للأرواح مالكةٌ، تبكي عليكِ عيونٌ قلَّ ما تَنمِ.
تبكي عليكِ عيونٌ ذبن من أرقٍ، وبي عذابٌ بريح الغدرِ من دَلَمِ.”
~٣~ المعارك الاخرى، يخوضها القباني نزار، بلُغَتِه المسكونة
بالحب، وبمشهد عشق الولادة وابن زيدون. ولم يَنسى مآسينا:
” في مدخل الحمراء كان لقاؤنا، ما أطيبَ اللُقيا بلا ميعادِ.
عينان سوداوان في حجريهما، تَتَوالد الأبعادُ من أبعادِ.
هل أنتِ إسبانية ؟ سأءلتهاً، قالتْ وفِي غرناطة ميلادي.
غرناطة ؟ وصحت قرون سبعة، في تينكِ العينين بعدَّ رُقادِ.
ما اغرب التاريخ كيف أعادني، لحفيدةٍ سمراء من أجدادي.
وجهٌ دمشقيٌّ رأيتُ جلاله، أجفان بلقيس وجيد سعادِ.
و: ” ومشيتُ مثل الطفل خلفَ دَليلَتي، وورائي التاريخ كوم رمادِ.
قالت: هنا – الحمراء – زهو جدودنا، فأقرأ على جدرانها أمجادي.
أمجادها ؟ ومسحتُ جرحاً نازفاً، ومسحتُ جرحاً ثانياً بفؤادي.
ياليتَ وارثتي الجَميلة أدرَكت، أن الّذين عَنتهُمُ أجدادي.
عانقتُ فيها عندما ودَعتُها، رَجلاً يُسمى – طارق أبن زيادِ -.”
~ تفاعل مع الحدث وتداعي تاريخنا الحافل بكل الأشياء، وحاورها
كأنها كانَتْ تحدثه، وامرؤ القيس كان حاظراً في الحوار:
” وأوّلُ ما قادَ المَودّةَ بيننا، بوادي بَغِيضٍ – يا بُثين – سِبابُ.
وقلنا لها قولاً فجاءتْ بمثلهِ، لكلّ كلامٍ – يا بثينَ – جوابُ.”
~~ وتُختم بشيء من السياب بدر شاكر، المُتابع لخطى أبا محسد:
” يا نخلُ أنتِ غريبة مثلي، في الغربِ نائية عن الأصلِ.
فابكي وهل تبكي مكبَّسةٌ، عجماءُ لم تُطْبَعْ على خبْلِ.
لوأنها تبكي لبكَتْ ماء الفراتِ ومنْبَت النخْلِ.”
~ مرحى ومحبة لكل عشاق العراق / بغداد، وللجَميع سلام واحترام. رشدي.
2020-03-15