بين الاتفاقيات الوهمية والاستقلال الحقيقي للدول!
بقلم / عنان بدر
في عالم الدول لا تُقاس قوة الدولة بحجم اقتصادها وقدراتها الصناعية والزراعية والعسكرية وحسب بل تقاس ايضًا بمدى استقلال قراراتها الاستراتيجية. ولا شك بأن استقلال أي دولة يعتمد على استقلالها في ملف الطاقة والموارد الأساسية مثل الماء والغاز والبترول. كل ذلك أكثر تبادر الى ذهني وأنا أقرأ خبر وقف دولة الإحتلال المفاجئ لإمداد الأردن بالغاز الطبيعي المنهوب من أرضنا المحتلة والمستعمل في إنتاج الطاقة الكهربائية. وعاد لذهني سؤال كنت قد سألته لنفسي مراراً ولم اجد له جواب، كيف تدخل دولة في اتفاقية سلام مع دولة تُكنّ لها عداءً أيديولوجيًا عميقًا، بل أن عصابات المؤسسين كانوا يتداولون خريطة ما يسمى اسرائيل بما فيها أراضي الأردن ولا زال دعاة هذا الفكر موجودين وعلى رأسهم بن غفير وسمو ترتيش الذي لم يتردد في ان يقف على منصة تظهر الاردن كجزء من أرض ما يسمى اسرائيل. رغم ذلك، تقبل أن تعتمد عليه في موارد حيوية تمس حياة مواطنيها اليومية. وهنا يجب أن نسأل، لماذا يتم تمرير هكذا معاهدات مع انها تمس في صلب استقرار الأردن ومن المسؤول عن تمريرها وأين هو البرلمان الأردني من كل هذا، بل أين هم المثقفون والإعلاميون؟
قدمت الاتفاقيات للشعب الأردني على أنها إنجاز دبلوماسي، ورغم الحراك الواسع في الشارع الأردني إلا أن رغبة الشعب وضعت جانباً دون أي احترام لمشاعره. طبعاً لم يتأخر منظري السياسة الواقعية والسحيجة بأن يذكرونا بأن الأردن يتصرف حسب معاهدة السلام. سلام الضحية مع السارق، سلام من لا عهد ولا وعد معهم.
ليس سراً بأن الدول عندما تشتري الغاز أو الماء من خصم استراتيجي، فهي لا تقوم بصفقة اقتصادية فحسب، بل تخلق علاقة اعتماد طويلة الأمد. وليس سراً على الإطلاق بأن هذا الاعتماد قد يتحول في أي لحظة إلى أداة ضغط سياسي أو اقتصادي. فالطرف الذي يملك الصنبور، يملك القدرة على إغلاقه متى شاء وبالتالي التأثير في القرار “السيادي” للطرف الآخر.
الأخطر من ذلك كله هو حين يصبح هذا الاعتماد جزءًا من منظومة أوسع من التبعية فها قد انضمت سوريا الى القافلة واصبحت تشتري الغاز من الاردن الذي يشتريه بدوره من الإحتلال الإسرائيلي. بعض الدول، قد تفعل ذلك بدافع البحث عن حماية أو استقرار سريع، إلا أننا في حالتنا في الشرق الأوسط لا يمكن تفسير ما جرى ويجري إلا بعمليات تقييد مدروسة للدول العربية سواءً بالإعتماد على المصادر الطبيعية من الإحتلال الإسرائيلي او بالسماح بإقامة قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها تحت مسميات كاذبة من باب التعاون والدفاع المشترك، وكما في الخليج العربي فقد ربطت هذه الدول أمنها واقتصاداتها بقرارات قوى خارجية. ورغم أن العملية برمتها تسوق على انها ضمانة للأمن، إلا أن ما نعيشه اليوم من قصف لدول الخليج يثبت العكس ناهيك عن تقلّص مساحة القرار الوطني المستقل الى حجم يصعب حتى رؤيته او ملاحظته فيه.
برأيي المتواضع جداً فإنه عندما تجتمع القواعد الأجنبية في بلد ما مع الاعتماد على مصادر طاقة ومياه لا تخضع للسيطرة المحلية، فإن الدولة تكون قد وضعت مفاتيح استقرارها في أيدي الآخرين.
الدول التي تحترم نفسها، وفق منطق السيادة الحقيقية وليس سيادة الدعاية الكاذبة القائمة على الإعلام والبروباغندا، فإنها تسعى إلى تقليل نقاط ضعفها، والتعاون الدولي ضروري ولكن ليس مع من يحمل أيديولوجيا توسعية ترى في أرضي حقاً لها، ويجب علينا التفريق بين التعاون المتوازن والارتهان. التعاون المتوازن يعني تنويع مصادر الطاقة من خلال الاستثمار في الإنتاج المحلي، وبناء بنية تحتية تضمن وقف ضياع مياه الأمطار واستمرار الإمدادات حتى في حالات التوتر السياسي. كما أنه من المفترض ان تكون الاتفاقيات مبنية على مصالح متبادلة حقيقية، ففي الوقت الذي تقوم فيه القوات المسلحة الأردنية بإسقاط الصواريخ والمسيرات الإيرانية فوق رؤوس الشعب الأردني كي تمنعها من اكمال طريقها لدولة الإحتلال، يقوم الكيان الغاصب بقطع الغاز. وهنا أسأل، هل هناك إهانة وإذلال أكبر من هذه؟ ولماذا لم ترد الأردن بوقف إعتراض المسيرات والصواريخ الإيرانية؟
إن الإعتماد على خصم أيديولوجي في موارد حيوية، فإنه من الطبيعي ان تجد نفسك في موقف صعب عند أي أزمة. وأنا لا أستبعد هنا بأن أداء الأردن في إعتراض المقذوفات الأردنية لم يرتقي الى المستوى الذي يريده الإحتلال الإسرائيلي فبدأ بإلغاز ليحوله إلى ورقة ضغط. الآن، نقاشنا يجب ان لا يكون حول الاقتصاد فقط، بل حول الكرامة الوطنية والقدرة على اتخاذ قرار مستقل بعيداً عن أي ضغوط.
التاريخ السياسي أثبت أن الاستقلال الحقيقي للدول لا يتحقق بالشعارات ولا بالحملات الإعلامية وكثرة المطبلين، ولا بإقتصادات قائمة على الشحدة والمساعدات. ولا بحكام يتم تقديسهم حتى يصلوا الى مستوى انصاف الآلهة دون ان يخضعوا لأي نظام للمسائلة او المحاسبة. ولا بإنشاء برلمانات تباع وتشترى الأصوات فيها ويكون المحفز الاكبر للدخول فيها هو المنصب الإجتماعي.
بل يكون ببناء منظومة سيادية متكاملة: اقتصاد متنوع، أمن يعتمد أساسًا على القدرات الوطنية وليس على القواعد الأجنبية والمساعدات ، العسكرية، وموارد استراتيجية تحت سيطرة محلية أو على الأقل موزعة بين عدة شركاء بحيث لا يحتكرها طرف واحد. الدول التي تفكر بهذه الطريقة تضع خطوط واضحة تمنع تحول التعاون إلى تبعية.
في النهاية، احترام الدولة لنفسها يظهر في قدرتها على العمل الدؤوب والتخطيط بعيد المدى والإعداد الذي أمرنا به في كتابنا. لأن الإسقرار الحقيقي لا يقوم على الاعتماد القسري أو على صفقات قد تتحول إلى قيود، بل على توازن المصالح والقدرة على حماية القرار الوطني. وعندما تمتلك الدولة مواردها الأساسية أو تتحكم في مصادرها، فإنها لا تحمي اقتصادها وإستقرارها فقط، بل تحمي سيادتها ومستقبلها.
2026-03-03