بعقليَّة العصور الوسطى.. لكن مِنْ دون فروسيَّتها..!
سعود قبيلات
في العصور الوسطى، عندما كان يتقابل جيشان للنِّزال، كان من المألوف قبل بدء المعركة أن يطلب قائد أحد الجيشين، الَّذي قد يكون ملكاً أو إمبراطوراً أو سلطاناً، من نظيره في الجيش المقابل، أنْ يلاقيه في منازلةٍ فردية، حقناً لدماء الجنود من الطَّرفين.
ولم يكن أمام القائد الآخر – آنذاك – مِنْ خيارٍ سوى قبول الدَّعوة، وإلَّا وُصِمَ بالجُبن، ليس في عيون أعدائه فقط، بل وفي عيون ضبَّاطه وجنوده أيضاً. فإذا حُسم النِّزال وسقط أحدُ القائدين صريعاً، تهاوى جيشُ هذا الأخير وتفرَّق جنودُه في كلِّ اتِّجاه.
فهل كان ترامب ونتنياهو يفكِّران بهذه الذهنيَّة، حين استهدفا قائد الجمهوريَّة الإيرانيَّة السيِّد عليّ خامنئي؟
لكن، بالطَّبع، مِنْ دون أن يتحلَّيا بفروسيَّة القرون الوسطى، فيتقدَّما إلى المواجهة بنفسيهما.
إيران، منذ بواكير انتصار ثورتها، واجهت أحداثاً لا تقلُّ خطورةً، ومِنْ أبرزها:
1. التَّفجير الَّذي وقع في تاريخ 28 حزيران 1981 (بعد حوالي سنتين فقط مِنْ سقوط الشَّاه وانتصار الثَّورة)، واستهدف مقرّ «الحزب الجمهوريّ الإسلاميّ»، الَّذي كان يضمّ أكبر كُتلة برلمانيَّة وصُنَّاع القرار الأساسيين في البلاد آنذاك. وقد قضى في ذلك الانفجار 74 مسؤولاً رفيعاً، مِنْ بينهم: محمَّد بهشتي (رئيس السُّلطة القضائيَّة وأمين عامّ الحزب)، و4 وزراء، و27 عضواً في مجلس الشُّورى (البرلمان).
2. بعد حوالي شهرين، وتحديداً في 30 آب 1981، قُتِلَ رئيس الجمهوريَّة محمَّد عليّ رجائيّ، ورئيس الوزراء محمَّد جواد باهنر، بانفجارٍ وقع في مكتب رئيس الوزراء، أثناء اجتماعٍ لمجلس الدِّفاع الأعلى. كما قُتل، في الانفجار، قائد الشُّرطة هوشنج وحيد دستجردي، ومسؤولون إيرانيّون آخرون.
السَّيِّد الخامنئي استُشهِدَ وهو في الميدان..
استُشهِدَ وهو يرفض خضوع بلاده للإملاءات الإمبرياليَّة والصّهيونيَّة..
استُشهِدَ وهو يذود عن كرامة شعبه وعنفوان وطنه..
استُشهِدَ وهو يدافع عن استقلال بلاده وحقَّها في امتلاك زمام التَّقدُّم العلميّ وامتلاك أسباب القوَّة اللازمة لصون وجودها.
وإذا كان حضوره الجسديّ قد غاب، فإنَّه تحوَّل – منذ الآن وإلى الأبد – في نظر مريديه وجميع المرابطين في خندق مناهضة الإمبرياليَّة والصّهيونيَّة، إلى رمز للشَّجاعة والصّمود والتَّضحية.
لقد تمكَّنوا من الرَّجل، بأسلوب عصابات المافيا؛ لكنَّني أعتقد أنَّهم سيدفعون ثمناً غالياً لهذه الفعلة النَّكراء.
2026-03-04