بعض مفاهيم الإقتصاد السياسي!
الطاهر المعز
الإقتصاد الأمريكي كنموذج لتحول اقتصاد الدّول الإمبريالية من الإقتصاد المبني على الصّناعة إلى اقتصاد ريعي
يتصدّر الإقتصاد الأمريكي ترتيب الدّول من حيث الناتج المحلي الإجمالي مما يجعل الإمبريالية الأمريكية تفرض إرادتها على العالم، غير إن هذا الإقتصاد يعتمد على بعض القطاعات الإستراتيجية (كالإتصالات والتكنولوجيا المتقدّمة والصناعات العسكرية) وعلى المُضارَبة التي عَمَّقَت الفجْوَة الطّبَقِية المتزايدة وزادت من تركيز السُّلْطة المالية ( وبالتالي السياسية) في أيدي عدد أقل من الناس، وأصبح اقتصاداً منفصلاً بشكل متزايد عن الواقع…
تم بناء الاقتصاد الأمريكي لخدمة الأثرياء الذين جمعوا ثرواتهم من نمو الأصول في سوق الأوراق المالية، أي لم تَنْمُ هذه الثروات في الاقتصاد الحقيقي، وقد تُسجّل سوق الأوراق المالية أرقاما قياسية مُرتفعة في حين يعجز الملايين من الأميركيين عن تلبية احتياجاتهم الأساسية، ويُواجهون أزمة الدّيُون الإستهلاكية، بينما يُنفق أغنى الأميركيين أموالهم على السلع والخدمات الفاخرة، حيث تشكل نسبة العشرة في المائة الأعلى دخلاً حوالي نصف الإنفاق الاستهلاكي، وهو استهلاك نخبوي يَعكس تركيز الثروة لدى أقلية تُهدّد الإستقرار الاقتصادي، لأن هذه الثروة ناتجة عن اقتصاد ريعي مبني على تضخم الأصول بفضل المكاسب التي حققتها سوق الأسهم والعقارات، وليس مَبْنِيًّا على خَلْق الثروات من خلال الإستثمار في الإنتاج، ونما دخل أعلى 10% من أصحاب الدخول ليشكل ما يقرب من نصف إنفاق المستهلك الأميركي ــ بزيادة نحو أربعة عشر نقطة مائوية على مدى السنوات الثلاثين الماضية، وتتمتع هذه الأسر بدخول سنوية تبلغ 250 ألف دولار أو أكثر، وهي قادرة على التّأثير في الإقتصاد من خلال خفض الإنفاق وإلحاق الضّرَر بحياة نسبة 80% من السّكّان، وفق موقع صحيفة وول ستريت جورنال ( 23 شباط/فبراير 2025).
يتمثل اندماج التام بين أثرى الأثرياء ومؤسّسات الدّولة الرأسمالية عمومًا والأمريكية خصوصًا في إلغاء السّلطات التشريعية والتنفيذية القُيُود التّنظيمية، وإقرار قوانين التخفيضات الضّريبية للأثرياء، والأموال الرخيصة التي يمنحها لهم المصرف المركزي – خصوصًا خلال فترات الأزمة التي يُسبّبها هؤلاء الأثرياء المُضارِبُون – مما يُغذّي التّفاوت المُتزايد في الثّروة، فقد تمكّن الأثرياء، خلال السنوات التي أعقبت الأزمة المالية ( 2008/2009) من زيادة عائداتهم بفعل استثمار الأموال التي حصلوا عليها بسعر فائدة منخفض جدًّا، بينما لجأ الكادحون والفقراء إلى الدّيون الإستهلاكية التي زادت قيمتها بنحو تريليون دولارا، وارتفعت قيمة هذه الدّيون عندما قرّر الإحتياطي الأمريكي زيادة أسعار الفائدة واستفاد الأثرياء من خفض سعر الفائدة فحصلوا على مبالغ طائلة استثمروها في شراء الأُصُول ( لأن الإقتصاد الأمريكي أصبح مبنيا على القطاع المالي وليس على القطاع الصناعي) ثم استفادو من ارتفاع أسعار الفائدة حيث حققوا عوائد على استثمار الأموال الرّخيصة في اقتصاد الرّيع، لأن سُرعة نمو الثروة لم تعد تحصل من خلال الإقتصاد الحقيقي، بل من خلال امتلاك واستغلال الأصول.
يُمثّل دونالد ترامب فئة العشرة بالمائة الأكثر ثراءً في الولايات المتحدة بفضل الإقتصاد الرّيعي، ويمثّل فئة المُضاربين في قطاع العقارات والأصول والأوراق المالية، وتُشكل تهديداته برفع الرسوم الجمركية بارتفاع الأسعار وفقدان الوظائف وضُعْف شبكة الأمان الإقتصادي والإجتماعي، مما يجعل العاملين والفُقراء يتحمّلون العبء الأكبر لنتائج هذه السياسات التي يدّعي دونالد ترامب إنها تُمكّن من “تصنيع السلع داخل الأراضي الأمريكية وتأمين سلاسل التوريد وتعزيز أجور العمال والازدهار” لكن الحرب التجارية تُشكّل نقيضًا للإقتصاد الليبرالي الكلاسيكي وإذا ما حَصَل انتعاش فإنه سوف يكون تحت سيطرة الأوليغارشيين الذين اعتادوا انتهاك حقوق العمال وخفض الأُجُور والإعتماد على العمالة الهشة، وقد بدأت إدارة دونالد ترامب قَضْم ما تَبقّى من حقوق العمال – وهي أصلاً مُهتَرئة في الولايات المتحدة – من خلال قرارات تقويض مجلس العلاقات العمالية وإلغاء حقوق النقابات، والتّضحية بمصالح العُمّال مقابل انتعاش افتراضي…
2025-03-05