بعد إحداث صندوق استثماري ثقافي وسياحي.. ما الذي سيتغير بالسعودية؟
د. أعلية العلاني. جامعة منوبة تونس
بعد الاستثمار في الاقتصاد المتنوع بما في ذلك الطاقات البديلة والاقتصاد الأخضر تتجه السعودية اليوم إلى الاستثمار أكثر في الثقافة والترفيه والسياحة والرياضة عَبْر صندوق استثماري جديد أُحْدث لهذا الغرض باستثمارات تبلغ سبعة فاصل أربعة مليار دولار. هذا الاستثمار الجديد خاصة في الثقافة يعطي انطباعا أنّ السعودية، بدَفْع من وليّ العهد رئيس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، مُقْبلة على تغيير جذري تدريجي في الانفتاح على المقاربات الفكرية والرؤى الثقافية الإنسانية. فما هي تداعيات ذلك على مستقبل المملكة كوجهة ثقافية وسياحية ورياضية واعدة؟ وماهي تأثيراتها المحلية والإقليمية؟
1) كيف تنجح السعودية كوجهة ثقافية بامتياز؟
في البداية نُذَكّر بأنّ السعودية منذ حوالي السنتين إلى اليوم اتّخذتْ إجراءات هامة في اتجاه عَقْلَنَة الفكر والخطاب الديني. ونزعَتْ عن بعض الجمعيات فَرْضَ بعض الاجتهادات الدينية المتشددة، وسمحَتْ بإنشاء لجنة لتنقية الحديث النبوي الشريف من الروايات الراديكالية، وأشركَتْ المرأة في الدورة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بجُرْعات أكبر، وألْغَت القيود التي تمنع المرأة من سياقة السيارات. وانخرطت المملكة في الحملة العالمية لمكافحة الإرهاب والتطرف عَبْر التحالف الإسلامي العالمي لمكافحة الإرهاب، وأنشَأتْ مراكز علمية لفهم ظاهرة التشدد الديني وأسبابه، ومراكز لتأهيل مساجين الإرهاب، كل هذه الإجراءات تندرج في إطار نَحْت نموذج ثقافي جديد قوامُه العقلانية والوسطية والانفتاح على الآخر الإنساني. كما نشير أيضا إلى أنّ الترفيه الذي يندرج الاستثمار فيه ضمن الصندوق الاستثماري الجديد هام جدا للشعوب، لأن الترفيه أحد المُحفّزات للإبداع الثقافي والاستقرار النفسي والأُسري، فعندما يجد المواطن السعودي حركية كبيرة في مجال السينما والمسرح والفنون الجميلة وفي النوادي الفكرية التي تُقدَّم فيها منتوجات ثقافية ثرية ومتنوعة فإنه يصبح مُقْبلا أكثر على الحياة لا على الموت كما يفعل المتطرفون، ويصبح متلهّفا على الاستزادة من المعرفة الإنسانية في مختلف الاختصاصات وهو ما يُمَكّنه من توسيع آفاقه الفكرية والعلمية، ويجعله يمزج بين المتعة الترفيهية والاستفادة الثقافية.
أما السياحة فسيكون الاستثمار فيها فرصة هامة لتثمين القطاع الأثري والطبيعي والمناخي بالسعودية، علما وأنّ السياحة عامل هام في تقارب الحضارات. وبخصوص الرياضة فإنّ المملكة تعمل منذ مدة، وبخطى حثيثة، على إنشاء بُنْية تحتية كبيرة في مختلف الاختصاصات الرياضية وهو ما مكّنها من تقديم وجه مُشرّف في كرة القدم في كأس العالم الأخير بقطر.
كل الإجراءات المذكورة أعلاه ستجعل من السعودية وجهة ثقافية بامتياز تَزامُنا مع النهضة الاقتصادية الكبرى التي تخطط لها المملكة في مشروع 2030. ولكيْ تنجح السعودية في إثراء البُعد الثقافي والترفيهي والسياحي والرياضي بالبلاد فإنّه بإمكانها التركيز على ثلاثة أشياء: أولا، التخطيط الجيد مُسْبَقا لكل قطاع بالاستعانة ببعض مكاتب الدراسات، ثانيا، المتابعة الدورية لكل الأنشطة مع التحيين المستمر إذا اقتضى الأمر، وحبذا لو تكون هذه المتابعة تحت إشراف مجلس أعلى للثقافة والترفيه والسياحة والرياضة تتمّ الاستعانة فيه بكفاءات من داخل المملكة ومن خارجها، ثالثا، السماح بمساحة أكبر ولو تدريجيا في مجال حرية الإبداع والتعبير بعيدا عن الابتذال والاستفزاز وهو ما سيجعل القطاع الثقافي بالمملكة جذّابا للشباب والنُّخَب وعامة الناس.
2) تطور القطاع الثقافي في السعودية وتأثيراته محليا وإقليميا
لا شك أنّ المملكة بحجمها الاقتصادي والعسكري الهام، وبخطواتها الجديدة في المجال الثقافي والترفيهي والسياحي والرياضي ستُصبح وجهة مُفَضّلة لعدد كبير من البلدان في مقدمتها منطقة الخليج التي قطعت فيها مثلا دولة الإمارات العربية المتحدة خطوات هامة في المجال الثقافي والترفيهي. كما أنّ السعودية يمكن أنْ تصبح أيضا قبلة هامة لسياح ورجال أعمال عرب وأجانب يمكنهم أنْ يجمعوا أثناء زيارتهم للمملكة بين متعة الأعمال والترفيه والسياحة الثقافية.
ولا نُخطئ القول إذا قلنا أنّ المشروع الثقافي هو البَصْمة التي تُعطي للبلدان الديمومة والريادة. فالثورةُ الفرنسية لم تكن لتنجح ويبقى ذكرُها إلى اليوم لولا ثقافة الحداثة عَبْر فلاسفة الأنوار، لذلك أعتقد أنّ وليّ العهد الشاب الطموح محمد بن سلمان يعرف أنه من خلال الاستثمار في الثقافة سيطبع المملكة بطابع الحداثة وسيُشجّع على التألق الفكري والثقافي في كل المجالات.
خطوات مثل هذه ستجعله أحد الرواد الكبار في تاريخ المملكة العربية السعودية التي ستُحلّق عاليا في مجال الاقتصاد والرقمنة والثقافة وتجعل منه أيضا أحد الزعماء البارزين القادر على لعب أدوار هامة عربيا وإقليميا.