برلمان فرنسا اختار الفوضى وأسقط بايرو
أزمة “الوسط” في الغرب إلى اتساع
فرنسا في خضم أزمة سياسية خانقة بعدما رفضت المعارضة تمرير ميزانية تقشف لمواجهة العجز المزمن. ومع خيارات ماكرون المحدودة تنتقل المواجهة الطبقية من قبة البرلمان إلى الشارع
سعيد محمد*
بسقوط حكومة فرانسوا بايرو بعد تصويت بالثقة مساء الإثنين (364 صوتاً حجبت مقابل 194)، دخلت فرنسا طوراً جديداً من أزمة اقتصادية–سياسية خانقة، وسيجد الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون نفسه أمام خيارات محدودة أحلاها مرّ: إما تعيين رئيس وزراء ثالث خلال عام — سيرث حتماً مصير بايرو — أو حلّ البرلمان مجدداً والمغامرة بانتخابات مبكرة قد تمنح أقصى اليمين انتصاراً كاسحاً.
إنها لحظة حرجة قد تدفع نظام الجمهورية الخامسة (الذي أسسه ديغول عام 1958) برمته إلى حافة الانهيار، وهي في ذات الوقت، مرآة عاكسة لتيار أوسع يجتاح الغرب خارج الولايات المتحدة: سحق الوسط النيوليبرالي بين يمين شعوبي ويسار اجتماعي متجدد، على خلفية تضخم تغذيه اختناقات إنتاجية وديموغرافية وأزمات طاقة وتراكم ديون.
حاول بايرو تمرير حزمة تقشّف وزيادات ضريبية تقارب 45 مليار يورو، تضمنت إلغاء يومين من العطل المدفوعة وتجميد بعض بنود الإنفاق الاجتماعي. لكن كتل المعارضة، من اليسار إلى اليمين، التقت ضده وتوحّدت على حجب الثقة عنه بعد تسعة أشهر فقط من توليه الحكم. لم يسقط بايرو لأنه سياسي فاشل، بل لأنه كان صريحاً إلى حدّ الوقاحة في خدمة الطبقة التي يمثلها. لقد جاء مبعوثاً مخلصاً لرأس المال الفرنسي/الأوروبي، حاملاً رسالة وحيدة وواضحة للفرنسيين: على الطبقة العاملة أن تدفع فاتورة الأزمة، وأن تتقبل نهاية دولة الرعاية في ثاني أكبر اقتصاد بالقارة العجوز.
معالم هذه الأزمة ليست مستجدة: فالدَّين العام تراكم ليلامس 115% من الناتج المحليّ وهو يزداد بنحو 5,000 يورو في الثانية، وتكاليف خدمته مرشّحة لبلوغ 75 مليار يورو العام المقبل، والعجز يراوح قرابة ضعف سقف الاتحاد الأوروبي (المحدد ب 3%)، وعوائد السندات السياديّة باتت ضمن الأعلى في منطقة اليورو، فيما تراجع مؤشر سوق الأسهم الفرنسية منذ صدمة حلّ البرلمان في 2024 مقارنة بمؤشرات أوروبية أخرى. وتعكس هذه الأرقام بمجموعها مأزقاً بنيوياً لا تُغيّره أسماء رؤساء الحكومات.
لقد كان نهج السلطة الماكرونيّة هو السعي لتحميل كلفة “الإصلاح” لمن لم يصنعوا الأزمة (الطبقات العاملة والوسطى)، وهو ما فجّر التحالف البرلماني الهشّ الذي استندت إليه الحكومة. على أن جوهر الصراع يظل طبقيّاً كما دائماً: من يدفع فاتورة سنوات من إنقاذ المصارف، والتخفيضات الضريبية للشركات الكبرى، ونفقات جائحة كوفيد، وانعكاسات أزمة الطاقة بعد مقاطعة روسيا؟ لقد كانت ميزانية بايرو محاولة سطو صريحة على مكتسبات تاريخية انتزعتها الطبقات العاملة الفرنسية عبر عقود ما بعد الحرب العالمية الثانية، والمتمثلة في شبكة الأمان الاجتماعي، والرعاية الصحية، ونظام التقاعد، وحتى العطلات مدفوعة الأجر؛ وذلك كله لتسديد الفاتورة المتراكمة عن “منجزات” الطبقة البرجوازية.
وحّد هذا الهجوم الطبقي الصريح جبهتين متناقضتين: اليسار (الجبهة الشعبية الجديدة) وأقصى اليمين (التجمع الوطني). كلاهما، من منطلقات مختلفة، رفض تحميل الأكثرية تكلفة الأزمة. اليسار دافع موضوعياً عن مصالح قاعدته العمالية والنقابية؛ وأقصى اليمين لعب تكتيكياً ورقة حماية “المواطن الفرنسي العادي” كجزء من استراتيجيته الطويلة للوصول إلى السلطة. لقد كانت مقامرة بايرو بالدعوة إلى التصويت على الثقة محاولة لتخويف البرلمان من “الواقع” الصعب: فإما الخضوع لإملاءات رأس المال، أو الفوضى. فاختار البرلمان الفوضى.
أمام هذا الانسداد، يواجه ماكرون مسارات محددة تتراوح بين تضييع الوقت بتعيين رئيس وزراء جديد، أو حل البرلمان واستفتاء الفرنسيين على سياسة التقشف، أو الخضوع لضغوط اليسار والتقدم باستقالة مبكرة قبل نهاية ولايته في 2027.
إن تشكيل حكومة تكنوقراط جديدة قد يكون أسرع الاستجابات، لكنها مضيعة تامة للوقت في مواجهة نفس البرلمان – المنقسم إلى ثلاث كتل لا تملك أيّ منها أغلبية -، ونفس القيود: تمرير موازنة 2026 قبل نهاية العام تحت رقابة المفوضية الأوروبية ومتطلبات خفض العجز المفرط، دون معالجة سؤال الشرعية الاجتماعية لتوزيع الكلفة.
أما حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة، فقد يكون الاستجابة الأكثر منطقية كونه يعيد الأمر للشعب، لكن الاستطلاعات الأخيرة تُظهر تقدّم تيار أقصى اليمين (التجمّع الوطني وحلفاؤه) بنحو ثلث الأصوات في الجولة الأولى. ورغم ذلك، فإن نظام الدوائر/الجولتين يجعل ترجمة الأصوات إلى مقاعد مغامرة لا تضمن كسر التعادل، بل قد تُعمّق الاستقطاب القائم وتعيد إنتاج برلمان معلق مجدداً.
أما خيار استقالة الرئيس، فيظل احتمالاً ضعيفاً سياسياً ودستورياً، لكنه مطلب يُلوَّح به من أقصى اليسار، فيما لا يزال اليمين المتطرف يفضل خيار حل البرلمان لتعزيز مواقعه التشريعية.
أياً تكن خطوة الرئيس التالية، فالأزمة في فرنسا باتت أكبر من الأسماء: إنها عجز الدولة عن إدارة تراكم ديونٍ وعجزٍ دون اللجوء إلى تفكيك عقدها الاجتماعي.
لقد تحققت النبوءة: فرنسا اليوم هي “إيطاليا الجديدة”؛ دولة مركزية في المشروع الرأسمالي الأوروبي تصاب بشلل سياسي مزمن، وفقدان تام للقدرة على تشكيل “كتلة تاريخية” حاكمة ومستقرة.
ويتحمل إيمانويل ماكرون، بوصفه “رئيس الأثرياء”، المسؤولية التاريخية عن هذا الانهيار. لقد نجح مشروعه في 2017 بتدمير الأدوات السياسية التقليدية التي استخدمتها البرجوازية الفرنسية لإدارة الدولة بالتبادل الشكلي (الاشتراكيون والجمهوريون)، ليقيم “وسطاً” متطرفاً لا يمثل سوى مصالح العولمة ورأس المال المالي. وعندما فشلت مقامرته المتعجرفة في الانتخابات المبكرة (صيف 2024)، انكشف هذا “الوسط” على حقيقته: قشرة رقيقة تفتقر إلى أي قاعدة اجتماعية حقيقية.
كان البرلمان المعلق الذي نتج عن تلك الانتخابات تعبيراً دقيقاً عن ميزان القوى الطبقي: كتلة نيوليبرالية (ماكرون) فقدت الأغلبية والقدرة على الحكم، وكتلتان (اليسار واليمين المتطرف) تتقاطعان على رفض أجندتها، وإن بدوافع متباينة. لقد فقدت النخبة البرجوازية قدرتها على “الإقناع”، وعندما حاولت استخدام “الاستبداد” الدستوري (كالمادة 49.3)، وجدت أن أدوات الاستبداد نفسها قد تآكلت. لقد تعطلت آلة الجمهورية الخامسة التي صممها ديغول لضمان سلطة تنفيذية مطلقة.
في هذا الفراغ الذي خلفه انهيار الوسط، تتسابق الكتل على إدارة الأزمة، ولكن لصالح رأس المال.
على جهة أقصى اليمين، تلعب مارين لوبان وتلميذها بارديلا اللعبة بذكاء تكتيكي فائق. لم يكن تصويت “التجمع الوطني” ضد ميزانية بايرو موقفاً ضد “التقشف” من حيث المبدأ، فاليمين المتطرف ليس معادياً للرأسمالية. لوبان لا تقترح بديلاً اقتصادياً حقيقياً، بل تريد فقط تغيير “كبش الفداء”: فبدلاً من خفض الإنفاق الاجتماعي (الذي يستفيد منه “الفرنسيون الأصليون”)، تقترح خفض الإنفاق على المهاجرين. إنها توجّه الغضب الطبقي المشروع ضد النيوليبرالية نحو عدو متخيّل (المهاجر) لحماية العدو الحقيقي (النظام الرأسمالي). وهي عندما تدفع لحل البرلمان، فهي تطلب تفويضاً لإدارة الدولة البرجوازية بيد من حديد، وتقدم نفسها كـ “ضامن للاستقرار” لقطاعات رأس المال التي سئمت من فوضى الماكرونية، وتحتاج إلى نظام سلطوي قادر على قمع الحركة العمالية وفرض النظام.
على اليسار، يبدو الموقف أكثر تعقيداً. إن تصويت الجبهة الشعبية الجديدة (تحالف تلوينات اليسار) كان دفاعاً طبقياً ضرورياً وموضوعياً عن مصالح العمال والقطاع العام. لكن دعوتها لماكرون لـ “يأتي ويبحث عنهم” لتشكيل حكومة يسارية، تكشف عن السقف الإصلاحي لهذا التحالف. إنهم يعرضون إدارة الأزمة بشكل “أكثر إنسانية”، لكنهم سيصطدمون بنفس “الواقع” الذي تحدث عنه بايرو: واقع البنك المركزي الأوروبي، وسوق السندات، وقواعد الاتحاد الأوروبي. أي حكومة يسارية ضمن هذا الإطار النيوليبرالي القائم ستضطر، عاجلاً أم آجلاً، إلى تطبيق نسخة مخففة من التقشف، مما سيؤدي حتماً إلى خيانة قاعدتها وتفككها، ممهدة الطريق لأقصى اليمين.
يثبت سقوط بايرو أن الصراع في فرنسا قد تجاوز السياسة ليدخل حقل الاقتصاد السياسي المحض، وبما هو أبعد من مساحة تأثير السلطة في باريس. إنها أزمة وجودية للمشروع الليبرالي الغربي برمته. فليست فرنسا وحدها التي يمسك بخناقها الشلل السياسي؛ فهذه ألمانيا غارقة في ركودها وتناقضات ائتلافها الحاكم في وقت تتصاعد فيه شعبيّة أطراف الطيف السياسي، وفي بريطانيا، تجد حكومة العمال (رغم أغلبيتها البرلمانية الكاسحة) نفسها عاجزة عن وقف تآكل شرعيتها الشعبية لصالح استقطاب متزايد نحو اليمين المتطرف واليسار، فيما استقال رئيس وزراء اليابان بالأمس القريب تحت وطأة الغضب الشعبي من عجز الحكومة عن مواجهة التضخم.
إن سقوط بايرو هو إعلان رمزي عن موت “الوسط” النيوليبرالي الذي حكم فرنسا وأوروبا لعقود. والفراغ الذي تركه لن يملأه في النهاية التكنوقراط، بل سيُحسم إما عبر البديل القومي السلطوي الذي تمثله قوى أقصى اليمين، أو عبر مواجهة طبقية مفتوحة في الشوارع، والتي تبدو الآن الخيار الوحيد المتبقي أمام الطبقة العاملة الفرنسية للدفاع عن مكتسباتها.
– لندن
https://open.substack.com/pub/counterculture1968/p/d06?r=5tnlar&utm_campaign=post&utm_medium=web&showWelcomeOnShare=false
2025-09-10