بانتظار جيل مابعد “فهد”والجادرجي والركابي (5)!
عبدالاميرالركابي*
ـ يكرس الغرب اكذوبة كبرى باسم “العقلانيه” و “العلم”، تصل حد الابتذال مفاده اطلاقية النموذجية ” الوطنية/ القومية” و” الدولة الامه” و بصيغتها “المدنيه” و “الليبراليه” على انها المقصد النهائي المتصل بالانقلابيه الاليه، الاهم فيها انها تلحق ظاهرة توافقت ولادتها مع الظاهرة الغربية الحديثة، واتخذت من نشوء كيانيه قارية مستحدثة تابعه، او هي صيغة تكرارية لما بدا تشكله في الغرب الاوربي، وهنا تقع اخطر سردية توهميه تضليله لامثيل لها يختلط في صناعتها وتعميمها الجهل النكوصي العقلي، بالميل لتكريس الذاتيه خارج اعتبارات الحقيقة، فلا ينظر اطلاقا الى احتمالية التحرر من النموذجية الغربية أواحتمال مخالفتها، ويسقط من الحساب كون الكيانيه الامريكيه المنبثقة اليوم هي ظاهرة منفصلة عن التاريخ المجتمعي، لاعلاقة لها به، وتتاسس على نفيه بالابادة، فبقوة الاله ازال المهاجرون الاوربيون الاستيطانيون الاباديون من الوجود، اكثر من ستين مليونا من سكان القارة الامريكيه ومجتمعيتها مجتمعية “احادية اللادولة” التاريخيه، المرهونه لمسار التشكلية المجتمعية اليدوية والتي احد انماطها المجتمعية، الازدواجية الطبقية الاوربية المتحولة الى الاله.
ـ عجز الاوربيون الى اللحظة الراهنه عن قراءة الظاهرة الامريكيه كما هي لانها تتعدى نطاق ادراكيتهم، بغض النظر عن الادعاءات المغالية بهذا الخصوص، فاول سفر تحليلي ضخم وضعه الفرنسي “توكفيل” في القرن التاسع عشر بالف صفحه وتزيد، ذهب الى اعلاء شان الديمقراطية الامريكيه باعتبارها مايحقق الحرية والسعادة للبشر بلا عنف من نوع ذلك الذي عرفته الثورات الاوربية، والفرنسية منها بالذات ( ذهب ضحية الثورة الفرنسية خلال عشر سنوات ثمانمائة الف مواطن فرنسي من اصل 27 مليون عدد نفوس فرنسا وقتها) غير ان توكفيل(1) لم يكن عقلي في وضع يؤهله لاحتساب الستين مليونا الذين ابيدوا، ولا كون مايتحدث عنه مجتمعية بلا تاريخ مجتمعي، ومع هذا تصبح فجاة ماهي عليه ككيانيه تعرف على انها “ديمقراطية”. علما بان تساؤلات الاوربيين عن الظاهرة الامريكيه لم تتوقف .. ماهي وماتكون؟(2)
ـ بالمقابل وفي السياق التوهمي الاعم، وضمن اشتراطات القطبيه والتناحرية المرافقه للطور الالي عموما، كانت “الامبريالية” قد اعتبرت ملازمه للتطور البرجوازي الراسمالي لتشمل امريكا هي الاخرى به، من دون انتباه لنوع العلاقة الناشيء، بين الكيانيه المفقسه خارج الرحم التاريخي والعالم المولود منذ الاف السنين قبلها، انطلاقا من عملية الابادة الاساس للسكان الاصليين، واجمالي ماهو ضرورة وجود واستمرار “مجتمعية فكرة” محركها وعامل تعرفها على ذاتها، امحاء ماقبلها “رساليا” تضليليا، لا مجرد استعماره واستغلاله كما كان الحال بالنسبة لاوربا وراسماليتها. مايعني كون الظاهرة الالية امريكيا، هي ظاهرة آلة توجد مجتمعا خارج المجتمعية وتحل مبدا افناء ماقبل من المجتمعات البشرية باسم ” سنبني مدينه على جبل”اللاارضوية”، الشعار اللاارضوي النازع الى الخروج من النموذجيه المجتمعية القائمه، وبالاخص تلك “الليبرالية الديمقراطية” التي بفعل وطاتها حصلت الهجرة من اوربا(3).
وليس من قبيل غير الممكن استيعابه فعلا لولا اسباب لحظوية قاهرة، ملاحظة خاصيات البدء والانتهاء الراهن كمطمح من “سنبني مدينه على جبل” و ” ارشليم الجديده” على ضفاف القارة الجاري غزوها، ودعوى الابراهيمه الراهنه “الترامبو صهيونيه” المؤطرة بفعل الابادة المتاخر، والصيغة “الابراهيمه الصهيونيه” الاستعمارية الاوربيه. وقد تحول النزوع للخروج من ربقة الارضوية الى مازق وجودي، والى فشل متكرر تدميري، من فيتنام الى افغانستان واخيرا الى العراق موضع اللاارضوية الابراهيمي الاصل، كمحاولة بلا افق، تريد التعكز على مفهوم تاريخي خارج ممكنات التحقق كما وجد بصيغته التعبيرية الاولى اللاارضوية الحدسية النبوية المنتهية بالختام حين كان التعبير يتوقف عند حدود تاكيد الذاتيه، بانتظار توفر اشتراطات التحقق النهائي المادية والرؤيوية.
وكل هذا يندرج متراصفا ضمن اجمالي عملية الانقال الالي التكنولوجي من المجتمعية الارضوية، وبالذات منها الازدواجية الطبقية، وصولا الى الانبثاق اللاارضوي الاخير الراهن التحققي، مع النطقية اللاارضوية الثانيه “العليّيه” الراهنه، مع بدء انبثاق الوسيلة المادية التكنولوجيه الانتقالية المنتظرة على مر التاريخ المجتمعي، ماينقل الانقلاب الالي موقعا وحقيقة من اوربا مكان الانبثاق الاول المصنعي، الى ارض التعبيرية الاولى اللاارضوية الابراهيمه، الباقية تنتظر اشتراطات النطقية العظمى، حيث البشرية وعموم مجتمعاتها امام خيار، اما الخروج من نطاق الفعالية الحيوية بحكم التفارق الحاصل بين وسيلة الانتاج العقلية وبين نمط المجتمعية ونوعه الابتدائي الجسدي اليدوي الذي انتهت صلاحيته او اتباع الخيار اللاارضوي بصيغته النهائية.
وجدت كيانيه الفكرة الامريكيه بقوة الالة واعادت انتاجها باحداث التحوير الاول التكنولوجي الانتاجوي الراهن المتفق مع كينونتها غير الطبقية ولا اليدوية، وعاشت على انها الموضع الرسالي الموجود لتغيير المجتمعية البشرية، والمكلف بمثل هذه المهمه تشبها بما هو واقع تاريخي مجتمعي قائم، لاتملك مقومات وجوده التاريخي ولا مقومات استمراره التاريخي المغفل قصورا، لتغدو مجتمعية لاارضوية نتاج الاله من دون فعل اليدوية اصلا اي مايمكن ان يطلق عليه حالة مقاربة للاارضوية بدون مقومات لاارضوية، فامريكا لاتنتمي لاوربا التي خرجت من تحت اهابها، وهي واجالي صيرورتها مابعد اليدوية، الوحيده التي لم تعرف اليدوية وفعلها، الارضي واللاارضوي، مع انها ظلت تنسب الى الغرب الالي، والى نمطيته ونموذجه من ضمن اجمالي عملية القصور والعجز الادراكي الشامل المهيمن على الرؤية والعقل البشريان.
وفي هذا الحيز تكمن ظاهرة هامة اخرى، دلالات وجودها وفعاليتها تلغي الطابع والرؤية الاوربية للانقلاب الالي المترسخ ابتداء، ماينبغي ولابد من تذكيرنا بقوة بموضع التشكل الانبعاثي الحديث في ارض مابين النهرين منذ القرن السادس عشر، بتدرجاته ومساره الواصل الى الالتقاء بالتوهمية الغربيه مع بدايات القرن العشرين، وماتمخض عنها، وصولا الى الحضور الامريكي لكيانيه الفكرة الباحثة عن ” هوية”، لتمارس كما هي عادتها التي ارسيت عليها عملية الافناء والسحق الكياني، وتثير بناء عليه اكمالا لاجمالي عملية التمخض التعبيري المؤجل منذ الاف السنين، ساعة تصير وكما هو حاصل اليوم، الانتقالية التحولية الكبرى الاعظم لزوم وجود انبعاثي تحققي راهن، هو المهمه الموكولة لجيل آخر مختلف يتبلور الان تحت وطاة اشتراطات استثنائية، باختلاف نوعي عن ذلك الذي واكب وتماهى مع التوهمية الغربيه، وصار اليوم من قبيل الماضي وقد عم متبقياته الاهتراء.
ومن هنا تولد اخيرا الرؤية المطابقه للحقيقة الانقلابيه التحولية الاليه، باعتبارها مابعد يدوية ذاهبة الى انتهاء صلاحية المجتمعية الارضوية، وحلول زمن اللاارضوية والانتقال من الجسدية الى العقلية البشرية، الامر المنوط كما هو متوقع وطبيعي باصل اللاارضوية التي من شانها ان تهيء المطلوب لاكتساب ” مجتمعية الفكرة” كيوننتها المطابقة لحقيقتها، ولتتحول هذه الى ركيزة تحوليه مادية، اللاارضوية الراهنه تاخذ بيدها ابتداء، وتتفاعل معها منقذة اياها من ماضي انتسابها الوهمي للغرب الذي خرجت من بين تضاعيفه، فما معنى ذلك؟ وهل نحن نلمح لما هو اقرب للجنون بحسب القصورية العقلية الارضوية، بالقول ان مستقبل امريكا عراقي لااوربي ولا ترامبي تازمي كابتداء عالمي منتظر، وكلزوم ضد الاحتمالية الفنائية المتوقعه !!!!!!!!.
ـ يتبع ـ
2026-02-04