الخيار الوحيد المتاح هو الانسحاب!
بقلم أحمد الحباسى*
قررت أن أرفع الراية البيضاء و أن ألقى القلم و أتنازل عن كل أفكاري بدون مقابل و عن طواعية ، لم أعد قادرا على تحمل توسلات أم العيال و لا تلك النظرات المرتعشة التي تخفى خوفها و نرفزتها بسبب شعورها بأني أهملت نصائحها و اخترت المخاطرة بمصيري و بمصير عائلة كاملة من أجل الركض وراء نزوات قلم غاضب يرفض الانصياع و وراء مشاعر تتعلق بالتمسك بحرية التعبير و بالوفاء للشهداء. في الحقيقة لقد مللت الكتابة في السياسة أو بالأحرى الحرث في البحر و لم أعد مهتما تماما لا بمصير الوطن و لا بالتنقيب عن حرية التعبير و لا بنظم المقالات السياسية طمعا في استجابة السلطة بناء على المثل التونسي الشهير ” الدوام ينقب الرخام ” فلا المقالات نفعت و لا السلطة التفتت و لا المتابع تحركت فيه شعرة معاوية لينتفض ضد الاستبداد و غلق المنافذ أمام القضاء العادل و بيروقراطية أرجع غدوة أو مسّنى و نمسّك . ينتابني شعور بالفشل مثل الدوش البارد و تلاحقني وخزات ضمير لا يزال يصر على أن أتراجع عن قراري بالاعتزال و تعليق الصبّاط و لكن من الواضح أن الخوف و الجبن قد فعل فعله و بتّ مجرد كاتب سياسي من الماضي .
في الحقيقة لم أعد أرغب في الكتابة و لا في النقاش و لا في التأثير في الرأي العام و لا تحريك المياه السياسية الآسنة و انتابني شعور يصل إلى القناعة بأن ما تم اختلاقه من قوانين و مراسيم لتدجين القلم و الرأي المخالف قد سجل انتصارا ساحقا و تمكن من إشعار كل صاحب رأى أو قلم بأن المواطن المطلوب اليوم هو المواطن الفاقد للكرامة القابل بالإذلال و الخائف من ظل الحائط الذي يمشى بجانبه و أن العقوبات ” القانونية ” المسخرة لإخضاعه و تكسير أنفته و قناعاته كافية لان تشعره بتفاهة وجوده. ليس مطلوبا اليوم إلا أن تخضع للغة و منطق القوة كما أنه ليس مطلوبا منك إلا أن تكون مجرد عبد في بلاط الأسياد و مجرد إبداء تذمر أو رمرمة أو تردد كفيلة بأن تجد نفسك وراء الشمس و أعذر من أنذر و لذلك فلا مجال مطلقا أن تتفاءل أو تطالب أو تعبّر أو تنتقد أو تنادى فهذه النزوات تعتبرها السلطة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضالّ مكانه الطبيعى فى نظر السلطة هو السجن. لقد أصبحت أم العيال على أعصابها كلما شاهدت مطالعتي للصحف و لعلها تتمنى أن اكتفى بمطالعة صفحة الوفيات و عناوين الأخبار الرياضية و بالكاد صفحة أخبار أهل الفن من باب مقولة ابعد على الشر و غنّى له .
انتهى عهد ” البذخ ” و حرية التعبير و حلّت السنوات العجاف و بات الصمت المدقع سيد الموقف فلن تجد بعد اليوم من يتنفس أو يصرخ أو ينتقد أو يناضل بالقلم . تونس اليوم سجن كبير و فضاء موبوء مغلق و شعب مقهور مطعون و مستقبل مظلم ، لا شيء يتحرك أو ينتفض لان السوط يلعلع و بطش الباطشين مؤلم و المواطن تحول إلى مجرد قربان يقدم إلى الذبح دون ذنب ، لم يعد هناك من يفكر فى غد أفضل أو يؤمن بغد مختلف ، الصورة مظلمة كاسدة كالحة بلا معنى و الجلاّد واقف بين زبانيته ينادى بأن ألقوا سلاح القلم و ارفعوا رايات الاستسلام البيضاء . انتهت الفسحة و لم يعد هناك خيار متاح سوى الاستسلام و إبرام معاهدة لا كلام لا اعتراض لا صوت . لقد بات جرائم الرأي كما تصفها السلطة لا تختلف عن جرائم الإرهاب فكل من هذه الجرائم عقوبتها الإعدام أو الشدة القصوى فى العقوبة ، أنت تعارض إذن أنت إرهابي هكذا بمنتهى البساطة و عليك أن تنسى قرينة البراءة و قاعدة أن المتهم برىء حتى تثبت إدانته و قاعدة أن الإنسان قد خلق طليقا حرا فى التعبير دون المسّ بالأعراض أو بالثوابت و مبدأ أن من نتائج الثورات هي حرية التعبير و التفكير . إنس كل شيء تعلمته أو آمنت به و أدخل في قافلة الخاضعين المذلولين المحبطين و تحول إلى مجرد عبد مقيّد بالأغلال .
منذ أيام و إلى حد الآن نشر عشرات الناشطين في المجتمع المدني الذين يراهم النظام بمثابة الخوارج عريضة دفاعا عن حرية التعبير و مطالبة باحترامها ، بطبيعة الحال ولدت المبادرة ميتة لأنها تواجه نظاما لا يؤمن بحرية التعبير و لا يواجهها إلا بصدى خطبه المتشنجة بل يعتبر كل من أمضى هذه العريضة زنديقا يستحق الرجم حتى الموت فى الساحات العامة ، النظام أيها السادة لا يؤمن بالحوار حتى مع نفسه و النظام أيها السادة أغلق باب الحوار بالضبة و المفتاح فلا سبيل إذن لانتظار فتح أبواب موصدة . ماذا تبقى للقلم و لحرية التعبير سوى الاستقالة و رفع الراية البيضاء . نعم لم يعد هناك أمل و انقطع الرجاء و بحّ الصوت و صار مطلوبا أن ينسحب القلم من الساحة تاركا أهل البلاء في البلاء و يا روح ما بعدك روح و ” الهروب هو كل الجدعنة ” على رأى الفنان الراحل فريد شوقي في الفيلم إياه . صحيح هذا انسحاب الجبناء و صحيح أنى بتّ جبانا لكن الضرورات تبيح المحظورات كما يقال و أم العيال تعبت و لم تعد تتحمل أن تراني محروما من الحرية التي دافعت عنها كل هذه السنين .
كاتب و ناشط سياسي .
2026-02-04