بإيجاز: حَدَثَ ذات 11 أيلول/سبتمبر!
الطاهر المعز
تم انتخاب سلفادور أليندي ديمقراطيًا لرئاسة تشيلي يوم الرابع من أيلول/سبتمبر 1970، وقام الجيش بمحاولة انقلابية أولى يوم 29 حزيران/يونيو 1973، للإطاحة بالرئيس أليندي والتجربة “الإشتراكية الدّيمقراطية”، ونجحت المحاولة الثانية يوم الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 1973 وقصف الجيش القصر الرئاسي الذي يعود تاريخ بنائه إلى 1806 وقُتِل ( أو انتحر) الرئيس سلفادور أليندي ( 65 عاما) وأعلن “المجلس العسكري” حالة الحصار في جميع أنحاء البلاد، وحَظْر الأحزاب والنقابات والعمل السياسي، وتم اعتقال حوالي 45 ألف شخص “يُشتبه في تعاطفهم مع الماركسية”، وحُشِروا في ملعب مدينة سنتاغو عاصمة البلاد، وقُتِل منهم نحو ثلاثة آلاف في المُعْتَقَلات العسكرية، وتعرض العديد منهم للتعذيب قبل إعدامهم بطرق مختلفة، مثل إلقائهم من طائرة في المحيط، واتّجه نحو 200 ألف تشيلي إلى المنفى، ودامت الدّكتاتورية العسكرية حتى سنة 1990، وتلاها نظام ديمقراطي شكلا ولكنه استمر في تنفيذ سياسة الدّكتاتورية العسكرية وبرامج صندوق النقد الدّولي…
ما كان الإنقلاب الذي قاده الجنرال أوغوستو بينوشيه ليحدث لولا مناورات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والمساعدات المالية، وزعزعة الاستقرار الاقتصادي، لا سيما من خلال انخفاض سعر النحاس، واستخدام الأساليب الاقتصادية الكلاسيكية لزعزعة الاستقرار – كما هي الحال الآن في فنزويلا – من حَجْب البَضَائِع والأصول التشيلية في الولايات المتحدة، واختفاء الآلات وقطع الغيار للمناجم، والمناورات الدولية والضغط على سعر النحاس، ومصادرة صادرات هذا المعدن إلى أوروبا…
ازداد الاستهلاك الشعبي بشكل ملحوظ، سنة 1972، نتيجةً للتدابير الاجتماعية وزيادة القدرة الشرائية، لكن الشركات الخاصة، تعمّدت تعليق بيع مخزوناتها، وحجب سلعها، وتسببت عمدًا في مشاكل في الإمدادات – بدعم وتحريض وتمويل أمريكي مباشر أعلنه الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون – وبدأت تتشكل طوابير طويلة عند مداخل المتاجر، في محاولة للحصول على الضروريات الأساسية التي اختفت من المتاجر وأصبحت متوفرة في الأسواق الموازية فحسب، وأظْهرت وثائق ويكيليكس إن الإستخبارات الأمريكية ضخّت ما لا يقل عن مليونَيْ دولار لتنظيم وتنفيذ إضراب يوم 25 تموز/يوليو 1973، حيث تجمّع آلاف المعارضين، ومن المواطنين الذي ضاقوا ذرعًا بندرة السلع الأساسية، في الشوارع حاملين أواني فارغة، كما موّلت وكالة المخابرات المركزية الإضراب المفتوح الذي أعلنه اتحاد سائقي الشاحنات، وجمّد أسطوله من شاحنات نقل البضائع الثقيلة لمنع وصول الغذاء إلى السكان، وكان أوغوستو بينوشيه وزيرًا للدفاع، وأعلن ” التدخل لإنهاء كارثة الاقتصاد الاشتراكي”، بدعم أمريكي مُباشر، لأن الولايات المتحدة ترفض وتحارب وجود حكومة غير موالية لها في أمريكا الوسطى والجنوبية…
يتعمّد الإعلام السائد طَمْسَ أجزاء من التاريخ، مثل الإنقلاب الدّموي في تشيلي ضد رئيس وبرلمان منتَخبين ديمقراطيا، بتخطيط ودعم وكالة الإستخبارات الأمريكية والشركات الأمريكية العابرة للقارات التي تستغل المعادن ( أهمّها النّحاس) والبنية التحتية والطاقة والإتصالات…بالمقابل، لا تذكر وسائل الإعلام – عند الحديث عن وقائع شهر أيلول، عبر التّاريخ – لا تشيلي ولا مذابح مُخَيَّمَيْ صبرا وشاتيلا (من 16 إلى 18 أيلول/سبتمبر 1982 ) حيث تم قتل حوالي 3500 لاجئ فلسطيني من النساء والأطفال، ولا مجازر أيلول الأسود 1970، التي نفذها الجيش الأردني بدعم رسمي عربي وإمبريالي وصهيوني وأودت بحياة حوالي 35 ألف بين فلسطينيين وأردنيين، وفي المقابل تركّز وسائل الإعلام السّائد على تغطية ما وقع في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، بشكل متكرر ومُمِلّ وغير موضوعي، تشوبه المبالغة وترديد الدّعاية الإيديولوجية الإمبريالية…
2025-09-15