انتهت المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية: من هو المنتصر؟
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
تمهيد
في مشهد شرق أوسطي متقلب، تتداخل فيه الجغرافيا مع العقيدة، والمصالح مع الولاءات، اندلعت المواجهة المباشرة غير المسبوقة بين إيران وإسرائيل، بعد عقود من الصراع غير المتكافئ وغير المعلن. هذه المواجهة، وإن لم تُسمَّ “حربًا”، إلا أنها حملت كل معالمها: ضربات عسكرية، واشتباك سيبراني، ورسائل دبلوماسية مشفّرة، وبيئة إقليمية مشحونة.
لكن السؤال الكبير الذي يفرض نفسه اليوم: من هو المنتصر الحقيقي؟ وهل انتهت المواجهة أم دخلنا في مرحلة أكثر تعقيدًا؟
⸻
أولاً: الخلفية الاستراتيجية للمواجهة
لم تكن المواجهة وليدة لحظة، بل تتويجًا لصراع طويل عمره أكثر من أربعة عقود. فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، تبنّت إيران خطابًا عدائيًا صريحًا ضد إسرائيل، تُرجم لاحقًا في دعم مباشر وغير مباشر لحركات مقاومة أبرزها حزب الله في لبنان، وحماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، وفصائل شيعية في العراق وسوريا واليمن. في المقابل، تبنّت إسرائيل استراتيجية الضربات الوقائية والاغتيالات الذكية، وتحريض المجتمع الدولي لعزل إيران سياسيًا واقتصاديًا.
وقد شهد العقد الأخير تراكماً في التوتر، بلغ ذروته خلال المواجهة الأخيرة التي كادت تفتح أبواب حرب إقليمية مفتوحة، لولا تدخل أطراف دولية، أبرزها واشنطن وموسكو، لاحتواء الأزمة.
⸻
ثانيًا: تحليل النتائج العسكرية والأمنية
• الضربات الجوية الإسرائيلية حققت إصابات دقيقة في مواقع يُعتقد أنها مراكز تصنيع وتخزين صواريخ إيرانية في سوريا، ومراكز قيادة إلكترونية لطهران وحزب الله.
• الرد الإيراني تمثل بإطلاق عدد من المسيّرات والصواريخ بعيدة المدى باتجاه إسرائيل، بعضها اخترق أنظمة الدفاع الجوي ووصل إلى أهداف حساسة، وهو تطور استراتيجي مهم.
• الحرب السيبرانية سجلت نقطة تحول نوعي، حيث ترددت تقارير عن اختراق إيراني لمراكز بنية تحتية إسرائيلية، قابله هجوم إسرائيلي شل بعض شبكات الاتصال العسكرية الإيرانية.
بحسب تقرير لمركز الدراسات الأمنية القومي في تل أبيب (INSS, 2025)، فإن المواجهة أظهرت “قدرة إيران على المفاجأة”، لكنها في الوقت ذاته أبرزت هشاشة بعض بنيتها العسكرية في سوريا.
⸻
ثالثًا: الانعكاسات الإقليمية والدولية
1. دول الخليج العربي:
وقعت في الحرج بين تحالفها الأمني مع واشنطن ورفضها العلني لتصعيد الحرب، خاصة في ظل مؤشرات تطبيع مع إسرائيل من جهة، وخشية من اتساع رقعة الحرب لتشملها من جهة أخرى.
2. الولايات المتحدة:
خرجت منتصرة تكتيكيًا، إذ حافظت على مصالحها دون التورط المباشر في النزاع، معززة حضورها الأمني عبر قواعدها في المنطقة. كما استخدمت المواجهة كورقة ضغط في المفاوضات النووية الجارية مع إيران.
3. روسيا والصين:
راقبتا المواجهة عن كثب. موسكو حاولت لعب دور الوسيط في سوريا، بينما وظّفت بكين الصراع كورقة تفاوض مع واشنطن في إطار الصراع الدولي الأكبر.
⸻
رابعًا: من هو المنتصر؟
لا يمكن تحديد منتصر مطلق، لكن يمكن تفكيك ما تحقق لكل طرف:
• إسرائيل:
• ربحت عسكريًا من حيث دقة الاستهداف.
• خسرت سياسيًا بانكشاف ثغرات أمنية داخلية، وتزايد الانتقادات حول فاعلية القبة الحديدية.
• كسبت دعمًا دوليًا أوسع خاصة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
• إيران:
• أظهرت جرأة ميدانية في الرد، ما عزز خطابها الشعبي في بعض الأوساط.
• تكبّدت خسائر في قواعدها خارج الحدود، خاصة في سوريا والعراق.
• حافظت على وحدة جبهات المقاومة، وهو عنصر حيوي في استراتيجيتها بعيدة المدى.
• الشعوب العربية:
• لا منتصر لها. ظلت رهينة بين الخطابين المتصارعين، بينما يتعمق الانقسام الداخلي بين من يرى في إيران محرِّرًا، ومن يعتبرها قوة احتلال طائفية بلبوس مقاوم.
⸻
خامسًا: إلى أين تتجه الأمور؟
ما بعد المواجهة يحمل احتمالات خطيرة، خاصة إذا:
• انهارت المفاوضات النووية مع إيران.
• استمرت الضربات الإسرائيلية في الأراضي السورية.
• توسعت رقعة الاشتباك لتشمل لبنان أو العراق أو البحر الأحمر.
التصعيد المقبل – إن وقع – لن يكون مشابهًا لما مضى، بل سيتخذ طابعًا أكثر حدة وشمولية، وقد تتقلص فيه المسافات بين الميدان والمجتمع المدني.
⸻
خاتمة: نصر مؤجل وهزيمة مؤقتة
في سياق الصراعات الاستراتيجية، لا تحسم المعارك بالصواريخ فقط، بل بالأهداف التي تحققها. في المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية الأخيرة، خرج الطرفان بمكاسب تكتيكية وخسائر استراتيجية. ولكن المؤكد أن لا طرف يملك رفاهية النصر الكامل، ولا طرف يستطيع إعلان الهزيمة.
المنتصر الحقيقي هو من يعيد ترتيب أوراقه للمرحلة القادمة، ويستثمر في أدوات الحرب الناعمة: الاقتصاد، الإعلام، والتحالفات المتغيرة.
مصادر ومراجع:
1. مركز الدراسات الأمنية القومي (INSS)، تقرير التهديدات الإيرانية 2025.
2. معهد بروكينغز – ملف إيران والشرق الأوسط (2025).
3. تقارير تحليلية – وكالة رويترز والـ BBC حول المواجهة الإيرانية – الإسرائيلية (أبريل – مايو 2025).
4. مجلة Foreign Affairs، عدد مايو 2025: “The New Shadow War in the Middle East”.
5. مقابلات خاصة لقادة ميدانيين بثتها قناة الجزيرة والـ BBC الفارسية
أستاذ الاقتصاد السياسي والتحليل الاستراتيجي
2025-06-27
