الناصرية تعود إلى الواجهة والمواجهة، تدافع عنا وعنها وعن الوطن والناس والشوارع.
احمد الناصري
انها قيامة مدينة وقيام وطن، ضد التخريب والتدمير المنظم والعزل والتشويه… الناصرية تعدو نحو الوطن، تحمل جراحه وتمسحها بالحب والأمل وتغسلها بمياه الفرات…
بمناسبة التحرك الوطني اعيد نشر كتابات عن الناصرية. المدينة والبيت والشارع والأهل والأصحاب وأحلام الطفولة البعيدة…
– 2
وردتني ردود كثيرة وجميلة ومؤثرة، على القسم الأول المنشور يوم أمس، وأجمل هذه الردود ما يصل من الوطن، ومن الناصرية تحديدا، الشجرة الطيبة، ومن بغداد المقتولة عند كل صباح، من صباحات بغداد الملوثة بالشظايا العمياء. من وجه بغداد المحاصر والمجلود بسياط الاحتلال الآثم، من الأسماء الجميلة والجليلة، التي تغيب عند كل منعطف أو كاتم صوت ونفس متربص بها. لماذا كل هذا العنت يا بغداد؟ ألم يعرفوا أن لا حبيبة مثل الأم ولا مدينة مثل بغداد؟ لكن تبا لهم، من أين لهم أن يعرفوا، وهم لم ولن يقرءوا تاريخك، ولم يحلوا ألغازك وأسرارك الشفافة، سر بعد سر، مثل أسرار كل النساء وكل المدن. أنهم ضد الحياة، ضد ألأمل، ضد الكلمة، ضد الضوء. كما لا أنسى أصدقائي القدماء والجدد على هذه المتابعة الجادة والاهتمام الجميل.
أعود الى الكتابة عن الناصرية، باعتبارها مدينة من غبار، وربما هو غبار الطلع والجمار، أو غبار العصور السحيقة يأتي يتفقد الحاضر، أو ربما غبار الحروب القديمة والحديثة، وغبار اليورانيوم القادم مع الأيام والحروب، أو هو غبار العواصف المناخية، التي تلوث سماء وجلد المدينة يوميا من الصباح الى المساء، وتحول عيش الناس الى تراب في تراب. وهذه ظاهرة مناخية أو كونية عانت منها المدينة في السبعينات بسبب أتساع مساحات التصحر وتراجع وانعدام الحزام الأخضر، بسبب إهمال السلطة الأخيرة، باعتبار أن أهل الناصرية لا يستحقون المناخ اللطيف والمعتدل. وربما هو بشير وإنذار من الطبيعة لما سيحل وقد حل بالناصرية من حروب وكوارث واستباحات قادها البداة أصحاب القرية الخاطئة، كان وقودها المشتعل عرفاء الناصرية وطلابها وفلاحيها. لا أدري، لكن الذي أعرفه، إن الناصرية ستظل منسية، ولكنها عصية أيضا، لأنها تنتج وعيها المعرفي الخاص بمدينة مهددة.
الناصرية مدينة مثل كل المدن العشوائية في العالم الثالث المتخلف والعشوائي، ومثل مدن الوطن العربي العشوائية والفقيرة والمنسية، وهي ليست مدن بالمقاييس والمواصفات الجديدة والأساسية للمدينة الحديثة، من حيث التصميم والتخطيط والخدمات والتطور، و يمكن تسميتها بالقرى المنتفخة أو المتورمة، وهي مدن للهامشيين والمهمشين وجماعات وموجات الهجرة المتوالية بسبب الخراب والقحط وزحف الريف المدمر وأغراء المدن، وهي ليست مدن حقيقية كتلك التي تكونت ونشأت بعد عصر النهضة في أوربا، ودخول العصر الصناعي الذي تحول إلى وضع اجتماعي ونمط حياة، حيث بنيت المدن أو أعيد بناء أغلبها على أساس التطور الاقتصادي والاجتماعي والأدوار الجديدة لها في الحياة المعاصرة .
الناصرية مدينة عربية تحمل كل مواصفات التخلف بامتياز شديد، فقد تركت لتتكون وتتمدد، دون تخطيط أو مراقبة، وربما نسي وضاع المخطط ألأول الذي وضعة المهندس البلجيكي، تديرها بلدية فقيرة وبسيطة في كادرها ومعداتها وإمكانياتها، ولولا رئاسة بن الناصرية الشهم المحامي شاكر الغرباوي لضاع كل شئ.
الآن لا أملك إحصائيات رسمية، عن عدد المنشئات والمرافق الخدمية والمؤسسات في المدينة، لكنني أستطيع متابعتها وإحصاءها، وخاصة المعالم البارزة التي تكشف محنة المدينة من التأسيس الى حالة تشبه التلاشي أو التعرض الى الدمار الشامل الذي حل بها على أيدي أصحاب القرية العقيمة المتخلفة، ممن يكرهون المدن والشوارع المبلطة، والأشجار وحدائق الأطفال والنوادي الاجتماعية وخدمات النقل المريحة ورياض الأطفال والكتب والمصارف الحديثة والمستشفيات المتطورة، وهذه أشياء ومؤسسات لا يحتاجها البداة لأن الأطباء يأتون إليهم زحفا من كل أرجاء العالم، حتى من أمريكا أيام الحصار الجائر، إذا تعرض أحد أفراد قبيلة السلطة الى رشح بسيط.
وضع العمران والبناء في مدينة الناصرية مؤسف ومضحك، فلا يوجد فيها بناء عمودي شاهق، بل لا يوجد فيها بناء أو عمارة تتألف من أربعة أو خمس طوابق، ربما توجد بناية واحدة عالية، لا أدري، كما لا توجد فيها واجهات معمارية متميزة وجميلة تنتمي الى أي طراز في التاريخ، وأغلب البيوت تتكون من طابق واحد أو طابقين في أحسن ألأحوال، وهي بلا شرفات أو أفاريز أو حركات تشكيلية وفنية، يعني واجهات عادية، مطلية ب (الجص) أو الإسمنت الكابي. وقد عبر عن ذلك صديق عندما زار الناصرية بعد ربع قرن، بانه لاحظ إن الناصرية منخفضة و( نازلة وناصية)، قال لي (كل شي منخفض حتى بيتنا منخفض وناصي، فقلت له، المدينة لم تنخفض لكنك تقيسها على عمارات وبنايات المدن الأوربية وهذا ظلم للناصرية المسكينة طبعا).
الوضع التعليمي في المدينة غير طبيعي أيضا، وهو يكشف تعمد السلطات في هذا الإهمال، فالمدينة كانت بلا جامعات أو كليات أو معاهد، عدا معهد لإعداد المعلمين، يدخله الطلبة بعد الدراسة المتوسطة. كما توجد مدرستان إعداديتان، إعدادية الناصرية للفرع العلمي، وثانوية الجمهورية للفرع الأدبي، الى جانب ثانوية الجمهورية المسائية، التي يتكون طلابها من الموظفين وشرطة أمن الناصرية، وهناك عدد قليل من المدارس المتوسطة، ربما أربع مدارس متوسطة فقط. ولم تفتح حتى أواسط السبعينات مدارس مهنية في عموم المحافظة عدا إعدادية زراعة الشطرة. هل هذه خارطة تعليمية لبلد نفطي، كان قد دخل وعاش الفورة النفطية وتفاصيلها منذ عام 73؟
ورغم هذه الصورة القاتمة والمحزنة للمؤسسات التعليمية في المدينة وعموم المحافظة، فقد كانت جماهير إتحاد الطلبة العام تفوق وتتفوق على أعداد إتحاد السلطة الإرهابي المدعوم من السلطة ودائرة الأمن مباشرة والمشكل من زمرة قذرة وفاشلة دراسياً واجتماعياً. ولا أعتقد اليوم بأن أحد منهم يعتز أو يفتخر بتلك التجربة وتلك المجموعة وارتكاباتها المخزية وتاريخها المشين.
لقد استطعنا في إتحادنا الطلابي، أن نجمع في بداية السبعينات أكثر من 3500 توقيع للتضامن مع الشعب الشيلى، بعد انقلاب بينوشيت الفاشي في أيلول عام 73. وأنا هنا لست بصدد تقييم هذا العمل وأهميته وقيمته، أو غيره من النشاطات التي قمنا بها آنئذ، لكنني أورده كمثال على جماهيرية الاتحاد وإمكانيات توجيه وتطوير عمله. كذلك يؤشر الى مزاج الطلاب اليساري والثقافي في الناصرية. وقد زار أحد قادة الحزب الشيوعي الناصرية وأطلع على هذه الأرقام، ودهش وصرح بأن هذا جيش جرار نستطيع أن نقود به ثورة. ولكن بدل الثورة المزعومة، أو البقاء في المعارضة على الأقل، عقدوا تحالفاً ذيلياً مع البعث، وأقاموا جبهة كسيحة كان شرطها الأول، منع العمل بين الجماهير وحل المنظمات المهنية وفي مقدمتها طبعا إتحاد الطلبة وجيشه الجرار، والإقرار للبعث بقيادة المجتمع والدولة، أكرر قيادة المجتمع والدولة، حسب ما جاء في نصوص ميثاق الجبهة المنهارة، والتي ألتزم بها طرف واحد، وقد رفضت مجموعة من الطلبة الاتحاديين قرار قيادة الحزب الخاطئ والجائر بحل إتحادهم وقرروا الاستمرار بالعمل والنشاط السري، لكن أوامر وتوجيهات وتهديدات قيادة الحزب لهم كانت واضحة وصارمة وجدية. كما قرر عدد آخر من الطلبة الهجرة الى يوغسلافيا للدراسة بسبب رفض قبولهم في الجامعات العراقية، وأعادوا تشكيل إتحاد الطلبة هناك من جديد.
في بداية السبعينات شكلت مجموعة من المثقفين والفنانين والأدباء اليساريين جمعية الفنون والآداب، واتخذت مقرا لها مقابل سينما البطحاء الشتوي، وقامت بأمسيات ونشاطات مسرحية وثقافية عديدة وهامة ومنتظمة قدمها المخرج البارز صالح البدري، مع الفنانين عزيز عبد الصاحب و عدنان ملا عمران وكاظم العبودي وداود أمين ومهدي السماوي وإيمان خضر وبلقيس نعمة العزيز ورملة الجاسم وعبداللة الرجب وكاظم إبراهيم وصباح مصاول، وعدد كبير من الفنانين والممثلين، وقدموا مسرحيات سيرة أس وأشلون وألمن ولويش، على مسرح بهو مدينة الناصرية، كما قدم عدد من الاوبريتات ساهم فيها الفنان صالح البدري حازم ناجي والموسيقي الشهير حسن الشكرجي وعدد من طلاب وطالبات المدارس الابتدائية والمتوسطة والإعدادية.
وتشكلت أيضا فرقة موسيقية تابعة لمديرية التربية يشرف عليها الفنان حسن الشكرجي قبل مغادرته الى بغداد لقيادة فرقة الإذاعة والتلفزيون. كما أقيمت أمسيات ومهرجانات شعرية عديدة شارك الراحل كاظم الركابي وفاضل السعيدي وعبداللة الرجب. وكانت أمسيات الشاعر الكبير رشيد مجيد متميزة ورائعة، وكان يقف في المجال الشعري والثقافي الشاعر والمفكر قيس لفتة مراد، وكاظم جهاد، كما يعد الشاعر الكبير الراحل مصطفى جمال الدين من شعراء الناصرية بالوالدة والتربية والتكون رغم انتقاله الى النجف والإقامة فيها.
كما تقدم جيل جديد من الطلبة الى معهد الفنون الجميلة وأكاديمية الفنون الجميلة في بغداد قبيل عملية التبعيث المشؤومة، وإغلاق كل مجالات التعليم والدراسة إلا للبعثيين، وهو ما يعد كارثة تعليمية وطنية ستظل آثارها لعقود طويلة. وقد تخرج عدد كبير من الطلبة وفي كافة الفروع ، ففي السينما تخرج الراحل سمير هامش و ناصر خزعل وسمير خلف وفي المسرح تخرج أحمد موسى وزكي عطا ومنير فاضل وسعد شهاب، وفي التشكيل تخرج كمال خريش وحسين الشنون وعبد الحسن عبد الرزاق و أمير حرز، كما تخرج من ألأكاديمية قسم المسرح علي شبيب وجواد العبودي شقيق المسرحي الراحل كاظم العبودي و زيدان حمود وغيرهم.
عند التحدث عن الثقافة والنشاطات الثقافية في الناصرية فلا بد من التطرق الى الشعراء الشعبين الكبار الذين خرجوا من الناصرية، ويقف في مقدمتهم الراحل زامل سعيد فتاح وعريان السيد خلف ومجيد جاسم الخيون والراحل جبار الغزي والراحل كاظم الركابي وعبداللة الرجب وفاضل السعيدي واحمد الأمير وأسماء كثيرة أخرى .
الشعر الشعبي يقودنا تلقائيا ومباشرة الى خزان الغناء في الناصرية، حيث الرواد الكبار في تأسيس وتطوير ألأغنية الريفية ، فقد وفرت الأجواء الريفية الصافية والمعزولة، بيئة نادرة إطلاق هذه الأصوات وتشجيعها وتوالدها وتكاثرها حتى تحولت الى عرف اجتماعي وعادات اجتماعية للتسلية والترفية في ذلك الزمان الضيق والمحدود.
ألأسماء الغنائية وأطوار الغناء في الناصرية تحتاج الى دراسة مستقلة وخاصة، يقوم بها أهل الاختصاص، لكنني أبدأ مع خضير حسن ناصرية (خضير مفطورة) وهو من الرواد، بعده جاء جيل داخل حسن وخضيري أبو عزيز وناصر حكيم وستار جبار ونيسه، ثم جيل الوسط الذي يمثله أجمل تمثيل حسين نعمة وستار جبار ونيسه وحكمت ربح كاصد، والعشرات من مطربي الأعراس الشعبيين، الذين لم يذهبوا الى الإذاعة في بغداد لأسباب عديدة.
هنا لابد من التحدث عن بعض مشاهداتي الشخصية للمبدع داخل حسن فقد كان محبوبا ومحترما من قبل أهل الناصرية ، وكان أنيقا جدا في ملابسة العربية وهندامه العام ، وشاهدته مرة يمر في سوق الخضر والفواكة الرئيسي في الناصرية ، فوقف له الباعة على الجانبين وهم يحيونه ، ثم أختار صديق حميم له ليجلس معه.
ومن المواقف البوهيمية التي مارسها داخل حسن، رغم أنه إنسان ريفي بسيط، ومن وسط محافظ ، هو زواجه العلني من المطربة الغجرية بنت الريف التي غنى معها أغنية ( لو رايد عشرتي وياك ، حجي الجذب لا تطريه)، ومثٌل معها في الإذاعة، ودخل في قصة حب صاخبة انتهت الى زواجه منها والإتيان بها الى الناصرية، مما أحدث أزمة عائلية واجتماعية كبيرة في المدينة، وقد ردت زوجته الكريمة أم كاظم ردا معبرا بأن سافرت الى مكة لأداء فريضة الحج، وبعدها تخلى أبو كاظم عن مشروعه الفانتازي.
أعتذر مقدما للأسماء التي لم ترد هنا لعدم إطلاعي الدقيق على كل النشاطات والأسماء، ويمكن إضافتها في كتابات قادمة أو عبر تسجيل دقيق لتلك الفترة..
2018-07-28