النازية الحديثة…ألمشروع اليهوسيحي الصهيوني الليبرالي النازية الحديثة…!
أحمد حسين
نجح المشروع الصهيوني في السيطرة على المركز السياسي الغربي بكل تشكيلاته الفاعلة محليا ودوليا . وقد أستطاع فعل ذلك إلى حد بعيد ، من خلال التدخل الثقافي في مفهوم المصلحة الإمبريالي . لقد عملت النخبة الصهيونية على السيطرة على الأكاديميا الغربية ومساوقاتها الإعلامية بوصفهما يشكلان معا الجينة الوراثية لسياق علم الإستشراق الأوروبي التقليدي ( فلسفة التعامل مع النقيض الحضاري الشرقي وغزوه إمبرياليا ) وشحنتهما بمورثات رؤيوية وسيكيولوجية جديدة ، تجاه الشرق ، لتخلق شكلا من التناول الحر تتوحد فيه القوة مع المصلحة كسياق وحيد لفهم الآخر والتعامل معه . إن آلية فهم الآخر لدى الثقافة الخاصة للإمبريالية الصهيونية ، هي في حتمية كونه آلية استخدام في مشروعها الإمبراطوري القائم في النهاية على شكل النخبة المسيطرة على مجمع القوى العالمي . فقد أدركت دائما أنها تستطيع استخدام القوة أو التحالف معها كآلية إمبريالية ، ولكنها لا تستطيع صناعتها . وأن مفهوم النخبة عموما في التجربة الإمبريالية هي أنها علية عقلية وفكرية وأخلاقية لا تنتمي إلى التاريخ العام ، بل مجرد تقرأه وتستفيد منه انتقائيا فقط . ومع أن السياق الإمبريالي للصهيونية كان متواشجا إجرائيا مع السياق الإمبريالي العام إلا أنه ظل فكريا مشروعا موازيا ، له نصوصة الإمبريالية الخاصة التي تحفظ له سياقه القومي الإفتراقي الخاص .
اضطر هذا السياق تاريخيا أن يكون سياقا ماليا مصرفيا يستثمر الإستثمار ، بسبب الشتات اليهودي وما تشكله الملكية العقارية من استفزاز للآخر في المجتمع المحلي . لذلك كان حلم الإستيطان اليهودي هو مركز طموحات المشروع الصهيوني للقفز نحو الموقع العقاري الذي يحتضن وساوس الهيمنة الصهيونية على المشروع الإمبريالي العالمي من موقع أكثر أمنا ، وأكثر وجودا واقعيا في المجتمع الدولي . من أجل ذلك كان لا بد من استخدام قوة الآخر لهذا الهدف وتوجيهها نحو تحقيقه . وكان أول ما عملت من أجله هو تكوين مزاج حضاري غربي ، صالح سياسيا لتبني كل وجهات النظر الفلسفية والأخلاقية والثقافية للمشروع على مستوى النخب الإمبريالية الغربية وعلى المستوى الشعبي بشكل أكبر ، كوسيلة ضغط وتوجيه داخل الديموقراطيات الطبقية الغربية .
وقد نجحت الصهيونية سياسيا وثقافيا في تحقيق معظم أهدافها أو كلها على الجانب الغربي . نجحت مع حلفائها داخل النخب الإمبريالية في طرح اليهوسيحية كمزاج ثقافي إصلاني غربي، نخبوي وشعبي ، وتدعيمه بفلسفات وفكريات صراع الحضارات وكأنه سياق منفصل عن حركة التطور البشري والصراعات الإجتماعية . وذلك لتسهيل استدخال مشروعها الخاص مزاجيا وتلقينيا من جانب ثقافة يهوسيحية ، منفتحة على الواقعية الغيبية ” الرؤيوية ” وأخلاقياتها المادية المثالية . لقد تحقق استدخال الحركة الصهيونية نخبويا وشعبيا في الغرب على أنها حركة طموح إنساني ديموقراطي يلائم القيم الغربية ، في حين أن ممانعات الآخرين للمشروع الصهيوني ظلت تفسر على أنها تطرف ديني وأحيانا همجي لحضارة متخلفة منافية لقيم الغربي ورؤيته المتقدمة للعالم . ومع أن اللاسامية هي صناعة غربية أوروبية خالصة ، إلا أنها أصبحت الآن تهمة فنية عابرة للبحار تحت إسم الإرهاب . من خلال توظيف هذه الرؤية المدعمة بتفوق شكليات التمدن والقوة في الحضارة الغربية ، وقياس النموذج العربي على النموذج الخليجي المنفر ، والقول بدموية النص الإسلامي وعدائه للحرية الإجتماعية بكل أشكالها ، وخاصة في حقل الأسرة ( معاملة المرأة ، تعدد الزوجات ، الطفولة ) احتل العربي موقع الهندي الأحمر في الذهنية الغربية وأصبح موضوعا للنفي الأخلاقي والتنكيل لأنه يشكل خطرا على الحضارة الغربية وقيمها الديموقراطية الليبرالية . أي أصبح مشكلة دولية يجب أن تشغل بال المتحضر الغربي وتوجهاته السيا – ثقافية . والغريب في الأمر أن الثقافي الغربي اليهوسيحي ، والمنفتح على كل حقول المعرفة ، يبدو وكأنه لا يعرف حتى الآن أن وضع المرأة والطفل والإلنزام بالسلام الإجتماعي والدولي ونبذ العنف ، يعتبر أفضل بكثير في القرآن منه في النص التوراتي . وحينما يعرّف أو يذكّر بهذا الأمر، فإنه يقول بتعال أخلاقي وبترفع ثقافي تلقائي أن هذا يعتبر لاسامية ، رغم أن مثل هذا الرد يعتبر استئنافا مجانيا على واقع معرفي . هذا التلقين الثقافي عبر كل وسائل الإعلام ، من الشرح الأكاديمي وحتى فضائيات الجنس ، هو الذي يحكم الغرب الآن ، ويحوله إلى همجي متمدن في كيفية تناوله للعرب ، تماما كما فعل نزلاء السجون الذين أطلقتهم أوروبا لخدمة يسوع والحضارة اليهوسيحية ، بالهنود الحمر في القارة المكتشفة ، التي أطلق عليها إسم قرصان مغامر بالغ الشراسة تثبيتا للمغالطة الأوروبية . ولا أدري هنا ما إذا كان من الموضوعية أم لا أن نتساءل : من هو الأكثر همجية المثقف المتحضر الذي يؤمن بالإشاعات والخرافات الغيبية ، أم الهمجي الذي يؤمن بها بواقع الجهل ؟ ومن الذي يشكل مصدر الخطر الحقيقي على المجتمع الكوني ، هل هو استبدادية الشرق العاجز وتاثيره السلبي على الحضارة الغربية ، أم ديموقراطية الغرب العسكرية وليبرالية استهداف الآخر بالنفي الحضاري ؟ إن مجرد طرح السياسة في صميم المشروع الحضاري من جانب المشروع اليهوسيحي الصهيوني الإمبريالي ، يتضمن دلالة واضحة على أن الهدف هو استبدال وعي الحضارة بالوعي السياسي المباشر للمشروع . فمصطلح الصراع الحضاري الذي يردده ليبراليو اليهوسيحية الصهيونية هو نتاج فلسفة المغالطة الليبرالية التي تدعي أن ” مهمة الفلسفة هي صناعة المفاهيم ” وكأن المفاهيم مجرد صياغات ذهنية أو لغوية معزولة عن دينامياتها التطورية . فهذه المهزلة الفكرية يفترض من ناحية أن تدعم فوضى المعرفة في مواجهة التطور التاريخي ، لتكريس الرؤيوية بديلا عن التفكير العلمي ، ومن ناحية أخرى أن تشيع الزعم بأن ميكانيكيات الصراع الإمبريالي وصراعات القوة المجردة هي ذاتها ديناميات التطور الحضاري البشري . وبذلك فأن القوة وحدها في النهاية هي مصدر الخير الحضاري والإجتماعي ، والتي تستطيع أن تفرز الحضارة شكلا ومضمونا كما قال أوائل الفلاسفة الليبراليين النازيين . وعليه ، فإن عنف القوة يتحول إلى دينامية ” حضارية ” لا بد منها للنظام العالمي الجديد ، ويصبح على الوعي ، مهما بلغ من وعي ذاته ، أن يقبل هذا الإقتراح الجديد ، كما هي الحال الآن على رقعة النازية الغربية الجديدة . إن التفكيك الغائي للقيم والمفاهيم التاريخية والتجمعات البشرية الأخرى أصبح ظاهرة للعنف الثقافي ، يتبناها الغربي بالإعتماد على مزاياه الذاتية فقط ، أي على تفوقه العرقي الحضاري كما فعلت النازية .
ومن المفروغ منه أن مصطلح صراع الحضارات هو مصطلح إعلامي مو ظف سياسيا . فالحضارة بطبيعتها الموضوعية هي وضع مدني للتنافس على أي شيء ، في الحدود المدنية للصراع . وحينما يتصدر العنف والحرب العسكرية واجهة العلاقة بين قوتين متمدنتين ، فإن الصراع يصبح صراعا على الدور السيادي السياسي وليس على الدور الحضاري . ولم يحدث في التاريخ حرب واحدة على أساس سيادة القيم الحضارية المتعارضة إلا تظاهرا ، لأن الحرب تستفز دينامية هذه القيم ولا تلغيها ، وتتحول أثناء الحرب إلى ديناميكيات إمداد لميكانيكيات الصراع ، وتكف عن كونها ديناميات حضارية . ومن هنا ينبع تشديد المشروع اليهوسيحي الصهيوني على قضية استبدال الوعي وتفريغ مفهوم الحضارة من معناه التاريخي وديناميته التطورية والضغط نحو تحويلها إلي مجرد ميكانيكية صراع ليسهل التخلص منها بالتنكيل الإعلامي والترويع المباشر . ومن هنا أيضا يأتي انتشار مارينز الليبرالية الجديدة من أكاديميين مدسوسين بعناية أو مجرد متطفلين على المصطلح على كل الساحات ، مع عناية خاصة بالشرق الأوسط . كما أن ذلك يفسر انتشار الفضائيات الشرق أوسطية التي تقوم بحقن الوعي المتدني بإعلامها الليبرالي المسيس ، بالإضافة إلى كونها أوكارا للإستعلام اكثر من كونها مراكز إعلامية متخصصة .
وعلى ذكر الحضارات ، فإن من الحقيقة المحزنة ، أن العربي لا يزال هو المثال الحضاري الأسمى في التجربة البشرية رغم تخلفه التمدني . لقد كان وراء الكثير من أصول المعرفة في هذا العالم ، لا يجاريه في ذلك أحد ، ولكن الأهم هو أنه عند مقاربته معرفيا أو ميدانيا يتكشف عن إنسان متميز مستسلم لإنسانيته إلى درجة اللاواقعية . إن عمق وجدية إحساسه بأهمية الحق والعدل في العلاقة بالآخر هو العامل الوحيد الذي قد يدفعه إلى العنف أحيانا . وقد ظل كذلك إلى اليوم ، رغم أنه انقلب على نفسه وتاريخه وحضارته الأصيلة وتبنى نصوص التوراة بحذافيرها وخسر أصالته واستبدل اعتزازه الحضاري والقومي بالإعتزاز بيهوديته . فهناك أكثر من دليل تاريخي مسجل على أن العنصر العربي ظل متمسكا ” بتقواه ” الحضارية والإنسانية المتميزة في وعي الآخر، إلى درجة يصعب معها مقارنة أي فاتح آخر به . ورغم أن التخلف العربي الذي نجم عن التجربة الهجرية ، لم يستطع أن يصنع من العربي إنسانا يؤمن بالعنف والهمجية كما يؤمن بها متحضرو المارينز ، إلا أن الإعلام المبتذل وحده ظل يشكل مصدرا معرفيا للفرد الغربي المتحضر بالعربي . وبهذا استطاع أن يصور المارينز كملائكة قياسا على شراسته وتقديسه للعنف ، وذلك على أساس التوهم المعرفي الذي لا يحتاج إلى دليل باعتبار عظمة المصدر الحضارية !
لقد بدا مفهوم التفكيك والفكفة في الفكر الليبرالي الحديث وكأنه مجرد آلية للبحث المعرفي . وهو كذلك في حدود أن المعرفة الليبرالية تقرأ لسياق وتفككه وتعيد استبناءه على غرار ميكانيكي يجعله صالحا للإستخدام العملي المحدد ، بحيث يصبح الإستبناء في جانب هو الفكفكة في جانب آخر . لقد جري تفكيك نصوص الوقائع والبنى التاريخية في إطار نظري مسبق للنفي يبرر إجراءات الإستبناء الذاتي للمشروع الجديد على أسس التجاهل والتنديد الفلسفي والحضاري بالآخر وتاريخه . هذا التنديد النظري الفلسفي الذي استخدم بنية الآخر النظرية المختلفة منطلقا للإدانة ووجوب التغيير بالإستبناء الجديد للمعرفة الأخلاقية ، إنما هو طرح علني لفكفكة ونفي ذلك الآخر، سواء كان تاريخا أو معرفة بنيوية أو وجودا اجتماعيا أو حضاريا يتضمن الممانعة للتبعية ويصر على مواصلة سياقه البنيوي الخاص .
وأهم البنى التفكيكية التي تم التركيز عليها من قبل نخب المشروع الصهيوني هي البنى اليهودينية الثلاث في الجغرافيا الثفافية اليهودينية : النموذج اليهودي العالمي ، النموذج اليهوسيحي ، النموذج الهجري ” اليهوسلامي ” . إن معالجة هذه البنى الثلاث فكفكة أو استبناء في مجال الوعي والإلتزام الثقافي والوجداني ، كانت المهمة التمهيدية للمشروع الإستبنائي – الإلغائي النازي .
1
- ألنموذج اليهودي . من اليهودي العالمي التائه إلى اليهودي العالمي العادي :
لم يكن اليهودي بحكم التجربة التاريخية ، قادرا على قبول نفسه كإنسان عادي . لقد تشكل تحت طائلة الصراع المستمر من أجل بقائه . هذا البقاء كان يقتضي منه القبول في معظم الأحيان ببقائه مضطهدا . كان التميز يشكل قدره التاريخي بين حتمية كونه شيلوك أو أينشتين . وقد أجبر على أن يستدخل نفسه على هذا الغرار ويشكل منه ذاته الواقعية . وكان هذا أهم ما واجه المشروع الصهيوني الإستيطاني . فتحقيق الكيان العقاري الإستيطاني يحتم تحويل اليهودي إلى إنسان عادي في نظر نفسه ، إذ لا يمكن إقامة وطن قومي بناس غير قوميين ، أي غير عاديين . فكيفية إدراك الذات تشكل في النهاية الوسيلة الحيدة للوصول إلى لإلتزام والفعل المطلوبين . وبنفس المدى فإن اليهودي العادي لا يمكن أن يتكون إلا في عادية الحياة المشتركة في وطن واحد يحتضن مشتركات الوجود المادية والمعنوية . وما لم تتم صهينة اليهودي مسبقا فإن الإستيطان يصبح مهمة مستحيلة . وقد نجحت الصهيونية في كل الإجراءات بخصوص الصهينة والإستيطان ولكنها فشلت فشلا ذريعا في تحقيق عادية الفرد اليهودي . لقد أهمل المشروع الصهيوني ، كما يبدو ، حقيقة أنه مشروع غير عادي . لقد كان جزءا متخصصا في سياق للسيطرة الإمبريالية الأممية ، أي غير العادية على مقدرات كوكب مأهول بالناس التاريخيين ، أي العاديين . لذلك فإنه عندما نجح في إقامة إسرائيل ، نجح في إقامة دولة غير عادية . واليهود الذين كان من المفروض أن يصبحوا ناسا عاديين ، أصبحوا أناسا متميزين بشكل أشد من ذي قبل . لقد أصبح الإسرائيلي جنديا متميزا في مجتمع عسكري . وقد تجاوز تميزه من هذه الجهة كل المهمات العسكرية العادية من حيث النوعية الموضوعية والأداء ليعود ويصبح في نظر نفسه بطلا أسطوريا . أي ليصبح آينشتاين عسكري . وفي مدى 58 عاما نجحت إسرائيل بإقامة علاقات شبه سوريالية مع جيرانها قائمة على التنكيل العسكري ، دون أن تنجح في إقامة أية علاقات طبيعية في المنطقة ، إلا على أساس أن تلك العلاقات تأسيسا واستباقا هي علاقات غير عادية وغير طبيعية أيضا . هذا ، إلا إذا اعتبرنا أن علاقات الزواج المثلي التي تقيمها مع بعض ” الدول ” العربية يمكن اعتبارها علاقات طبيعية . لقد أراد المشروع الصهيوني كوادر بشرية عادية يغزو بها المستقبل ، وأسرف في تعبئتها صهيونيا وإعدادها عسكريا فحصل على “رامبوهات” وليس على ناس عاديين . لقد عمقت التجربة العسكرية الحديثة غربة الصهيوني عن محيطه من خلال سموه المدني والعسكري على الآخر ، إلى درجة إدانة هذا الآخر على الهوية . ولعل هذا التسامي المفرط في” المعرفة السيكيولوجية ” هو الذي جعل من معركة صغيرة فاشلة إسرائيليا في لبنان ، ذات أثر معادل لمعركة واترلو . لقد تضاءل وهم تقييم الذات والآخر إلى حد عودة الإسرائيلي بعد المعركة الصغيرة الفاشلة إلى دوامة التوهان مرة أخرى …. ما هي صورة المستقبل بعد ؟
2- النموذج اليهوسيحي . استئناس الآلهة :
ألمشروع الصهيوني هو موقع إمبريالي عالمي نخبوي ، يعيش في عصر الطموح الإمبريالي العالمي الذي أثخنت عقله ووجدانه الإنجازات العظيمة للقوة ، فانحرف نحو تقليد الآلهة . وقد رأي المشروع المذكور أن الوضع المثالي لتحقيق مشروعه الإمبريالي القومي يكمن في قدرته على استئناس تلك الآلهة الصغيرة التي ظنت أن الألوهية هي مجرد تجاوز الحاجة إلى المساءلة الذاتية . أي أنها نوع من حكم المجانين الأقوياء لغيرهم . ولم يكن هذا الوضع المثالي للإنتفاع بالقوة هو المنطق المؤثر الوحيد في بناء الشراكة بين المشروع اليهوسيحي والمشروع الصهيوني . كان هناك مزايا كثيرة أخرى أمام المشروع الصهيوني تستدعي المراهنة على تلك الشراكة . أهم تلك المزايا هو الوعي الإمبريالي المشترك ومفهوم المصلحة الموحد ، والحاجة إلى حليف قادر على ملء فراغ القوة اللازمة للتنفيذ . أما آليات الوصول إلى الهدف ، فمتوفرة في المستويين العملي والوجداني . وما دامت رؤيوية المشروع هي مقياس القدرة على استئناس مشروع الآلهة ، فإن استئناس الوجدان اليهوسيحي يشكل الجانب الأكثر سهولة في الموضوع . فالمشروع السياسي العملي المجرد قد يقف حائلا أمام الوصول إلى الهدف بناء على احتمالات الخلاف في وعي المصلحة وعيا سياسيا . إذ قد يرى المشروع الأمريكي السياسي ، أن العقلانية الواقعية تقتضي منه المراهنة على علاقته بالعرب وليس على علاقته بالصهيونية لتحقيق مصالحه ، ولكن حينما يتجاوز المشروع وعي المصلحة الإقتصادية المجردة إلى وعي المصلحة الرؤيوي ، يمكن أن تتحول المصالح الرقمية – مصدر أي افتراق محتمل للمصالح – إلى رؤى تسيطر عليها الأفكار العظيمة المركبة للمصلحة . بهذه الطريقة يمكن جر أي نخبوي سياسي أو اقتصادي يهوسيحي متوسط الذكاء إلى دائرة تلك الأفكار العظيمة كما حصل مؤخرا مع بوش وطاقمه السياسي والإداري ومن هم وراءه من الأكاديميين التنظيريين على شاكلة كيسنجر المصاب بالسوداوية .
لقد ظل اليهوسيحي قرونا عديدة عاجزا عن تصور اليهودي إنسانا عاديا . فقد كانت ورطة اليهودي المماثلة انعكاسا مباشرا لورطته هو . فاليهودي بالنسبة لليهوسيحي هو يهوذا الإسخريوطي أو يسوع . ومع صعوبة التجربة وغموضها إلا أنها كانت قائمة في الذهن اليهوسيحي على شكل مفارقة دائمة الحضور . فاليهودي شبيه بالقربان المقدس الذي يقدم طلبا للغفران . إنه من وجهة نظر اليهوسيحية موضوع للتكفير الذاتي الذي يجب أن يقدمه عن تسليم المسيح للصلب . ولكنه أيضا مقدس بحكم كونه ” يهوسيحيا ” من العهد القديم . إذ لا يمكن اعتبار المسيح إلا يهوديا افتدى شعبه ” خراف إسرائيل الضالة ” بنفسه . فاليهودي إذن هو يهوسيحي ضال . وكل ما تعرض له اليهودي من اضطهاد على خلفية اقتصادية أو تنديد على خلفية كنسية كان خاضعا دائما لسيكيولوجية هذه المفارقة المركبة . وقد ظلت الإسخريوطية هي الغالبة على السلوك اليهوسيحي حتى الحرب العالمية الثانية . فقد أدت الكارثة اليهودية على يد النازية ، والخدمات الكبيرة التي قدمها اليهود أثناء الحرب وبعدها إلى الحلفاء ، إلى ظهور اليهودي المقدس . أي أنه لم يسترجع عاديته أبدا . لقد عانى في النازية اقصى ما يمكن للتكفير عن خطيئته ، وقدم أقصى ما يمكن من الخير الحضاري ليفتدي نفسه من آثام الماضي . وبعد أن كان مطالبا في الماضي بالقربان الذاتي للتكفير عن يهوديته أصبح اليهوسيحي الآن هو المطالب بتقديم القربان الذاتي تكفيرا عن جرائم النازية . من هذه النقطة بالذات بدأت هجمة المشروع الصهيوني الإمبريالي لاستئناس اليهوسيحية ثقافيا وسياسيا . قام أولا باستئناس الليبرالية وتطويرها في اتجاه بناء الشراكة مع اليهوسيحية ، بعد أن اكتشف مزاياها الفلسفيه والإجتماعية المثالية في خدمة المشروع المشترك . فصدرت العناوين الفلسفية الإعلامية على شكل مصطلحات انقلابية للوعي مثل منظومة المابعديات ، وفلسفة اللسانيات المثيرة للسخرية ، وكل المفاهيم السلعية الأخرى للحداثة . كان الطابع المثالي الحداثي لليبرالية مغرقا في رؤيويته إلى درجة جعلت منه – وليس بمحض الصدفة – رديفا مذهلا للمشروع العالمي الجديد . مشروع اليهوسيحية الصهيونية . لم يكن هناك حاجة إلى أكثر من اعتماد مباحث الليبرالية الحديثة ك ” إيديولوجيا ” للمشروع ، تقوم الأكاديميا المستأنسة والإعلام الموجه بتقديمه عالميا . ثم يقوم” البابوات ” الليبراليون بمساهمتهم الإنقلابية الخاصة ، بإزالة كل ما كان يمكن أن يقف يقف حائلا في وجه عودة اليهوسيحية إلى أصلانيتها اليهودية . لقد لقي اليهود من الشر النازي وقدموا من الخير العالمي ما يكفي لخلاصهم مسيحيا من إثم المعصية والتسليم للصلب . ولكن الفراغ الحاصل من هذه المصالحة الكونية الخيرية بين طائفتي العهد القديم والعهد الجديد ، أخل وجدانيا بمعادلة السلام النفسي لليهوسيحي ، الذي اعتاد أن يردد في صلاته : ” ونجنا من الشرير ” ، وأحس بالحاجة إلى نوع من التعويض . ولأن الخير والشر يجب أن يتم اختيارهما في إطار اللقاء والتعارض في المصالح للمشروع الإمبريالي المشترك ، فقد كان الهجريون العرب في الشرق الأوسط ، حيث يلتقي النفط مع مشروع الوطن العقاري للصهيونية ، الشرير المثالي المطلوب . لقد توافقت الظروف بشكل مثالي لتؤلف المشهد النازي الجديد للحليفين تحت رعاية الفكر الليبرالي الحديث المصنع إعلاميا وسياسيا وثقافيا . تحالف الخير النازي اليهوسيحي الصهيوني في وجه قوى الشر الجديدة التي تحاول أن ترفع الحضارة الغربية على صليب ” الإرهاب ” . ومهمن كانت الأيدي المنفذة لحادثة برجي التجارة العالمي ، فإن النتائج تبقى هي الأهم ، لأنها نجحت أن ترفع العرب والمسلمين على صليب مكافحة الإرهاب . كما إن مطابقة الصدف ونتائجها للأهداف المرجوة تلغي من المنطق احتمال الصدفة المجردة . فإما أن يكون الهجريون شرا حضاريا حقيقيا ، وإما أن تكون الحضارة الغربية ظاهرة تمدن همجي لاأخلاقي ، ووكرا لتصنيع الجريمة العنصرية فيه أكثر من هتلر واحد . وخارج إطار وقاحة القوة أمام الضعف وتعدد آليات الجريمة أمام قلة الحيلة ، قإن الجواب معروف يقينا . فالهجريون شعوبا وأنظمة على درجة من التخلف والتفكك والضياع وغياب وعي المصلحة ، لا تسمح ، ليس فقط بعدم مواجهة أمريكا ، وإنما بعدم الإنصياع التام لها . أمريكا تملك العالم الهجري سياسيا وثرواتيا وتسيطر عليه أكثر مما تسيطر على شيكاغو . ومهما بلغت نزعة الجريمة من الإستحكام لدي السياسيين الأمريكان ، فإنهم لن يستطيعوا تبرير جرائمهم بين الهجريين حتى بمزاعم الجريمة المنطقية . وفي الحقيقة أنهم توقفوا عن أية محاولة للتبرير بشكل متعمد ، ليس من المفروض أن يكون جريمة عادية تستهدف الدم كعنصر أولي ، وإنما كمظهر ترويعي على شكل رسائل مكتوبة بالدم المجاني . فمع كل جريمة هناك موسيقى إعلامية تصويرية ترافق المشاهد وتضفي عليها بعدا ترويعيا إضافيا يبرز فداحة الجريمة المرتكبة ، ليضمن تحقيق هدفها السيكيولوجي ترويعا أو استفزازا . على الدم أن يحول الهجري إلى إرهابي يجب تدميره ، أو إلى ذات مفرغة من ردة الفعل ليتحول الموت المعنوي إلى فراغ بشري بدون هوية ، يستدخل المشروع الصهيوني البديل بتسليم مطلق . أما معزوفات التعري الإعلامية التي تتبع الجريمة والتي اشتهر بأدائها اللحم الديبلوماسي الأبيض والأسود ، فهي دليل قاطع على مطالبة الهجري بالتخلي عن بشريته. فالسيدة الأرستقراطية المنحدرة من امتزاج الأبيض بالأسود تحت أشجار الجميز في مزارع القطن ، مما جعل اسمها كونداليسا رايس ، تخاطب الهجريين بالطريقة التي كان السيد الأبيض يخاطب بها جدتها . بل أسوأ ! إنها نازية سوداء تقول بوضوح أثناء حرب لبنان أن أطفال العرب بضاعة رديئة بالقياس إلى غيرهم . بولتون الممرور الصهيوني السلوقي ، والقرد عنان النازل للتو عن شجرة الموز الغانية ، ورامسفيلد الذي لا يستطيع أن يفاخرالعربي حضاريا سوى أن أمه الغالية مارست الجنس مع أكثر من رجل واحد ، وبقية الجوقة من الشرعيين وغير الشرعيين الدوليين ، كانو يهبون دفعة واحدة للإدلاء بتصريح واحد متعدد النصوص بعد كل مذبحة . وكان مفاد هذا التصريح دائما : يجب إفهام العربي أنه ليس لديه الحق في الإعتراض على ما نقول أو نفعل حتى لو كان انتهاكا لإنسانيتهم ! أما بوش الذي سقط عن ظهر جواده عشر مرات قبل أن يتبين أنه ليس جوادا وإنما مجرد حمار يركبه مهووس ، فقد ترك من النصوص البذيئة ما يؤكد أنه يجيد التنافس مع الليدي كلينتون . هذا الكلام ليس شتائم استفزازية ، أنه فقط نصوص غير متحفظة لواقع الحال . وكلها تؤكد أن الغرب في طريقه نحو ميراثه الهتلري الذي لا يملك غيره . وأنه يظن أن الهجريين أكثر شعوب الأرض ملائمة للذبح . ومن هذه الناحية فإنه على حق ! إن لهم رقابا تغري بذلك .
النموذج الهجري : التدمير الذاتي .
لقد كان اليهودي التائه مشردا في الجغرافيا وليس تائها ، إلا إذا اعتبرنا التشرد في المكان توهانا . لم يكن هناك أحد يملك إدراكا متماسكا للذات كاليهودي . كان معرفا لنفسه وللآخر بمجموعة من المسلمات في مجال العرق والعنصر الحضاري والعقيدة والمهمة التاريخية القومية ، بثبات معرفي متبنى جماعيا على مساحة الثقافة اليهودينية العالمية . كانت القيم الغيبية اليهودية تملك كل خصائص القيمة العملية في المشروع الرؤيوي ، مما جعلها قادرة أن تعيش خصوصيتها عبر كل تبدلات التاريخ والحضارة ، لأن تلك الخصوصيات كانت تساند مشروع الهوية الأصلانية بالتزام تام . ألتائه الحقيقي على الجغرافيا الكونية كان هو الكائن الهجري . كأن يعيش خارج أصلانيته العرقية والحضارية والدينية على أرض مرصودة للمثل الديني الأعلى وليس للحياة البشرية التي تجري فوقها . لقد أقام اليهودي علاقة ما من الإلتزام المنطقي بالجغرافيات المتعددة التي احتضنت تشرده ، بينما لم يستطع الهجري أن يؤسس مفهوما للوطن على أرضه التاريخية . ظلت هذه الأرض ” لله يورثها من يشاء ” من المتقين ، ويداولها بين الناس والأمم على أساس هوية ” التقوى ” الدينية وحدها . لقد كانت دار ممر إلى الآخرة ، التي سيطرت على كل القيم العملية في السعي الهجري إلى المصير القائم في أرض غير كونية . كان العمى الثقافي والوجداني للهجري عمى تاما في مجال العلاقة الوجدانية والعملية بالوطن العابر ، إلىدرجة أن التنصل منه لصالح أي شئ كان ، أصبح أمرا سهلا في الثقافة الهجرية . وبذلك استطاع الهجري أن يحيل مصالحه الفردية العابرة إلى خيانة الوطن العابر ، ويحقق المثل العالمي الأعلى في هذا المجال . إن الثقافة الهجرية هي بالتأسيس الديني ثقافة لاوطنية بمفهوم وعي المصلحة الإجتماعية . وهي ما تزال تبحث عن مثلها الأعلى في نظام الحكم الديني الخلافي ، الذي لا يهمه من الحكام هويتهم الوطنية أو القومية ما داموا مسلمين . هذا التوهان في الهوية وإدراك الذات ، وتلك العدمية في التعلق والإلتزام بالأرض والوطن ، وذلك التنصل من التاريخ الأصلاني وإدانته حضاريا ودينيا ، جعلت من النموذج الهجري مصطلحا تاريخيا أوفى للإنسان التائه المشرد داخل وطنه . ولو قام الهجري بالتحري عن ذاته الهجرية لوجد أنه كان طيلة الوقت وجودا عدميا مهمته حراسة المزاعم التاريخية والروحية اليهودية على أرضه الوطنية والقومية بدون أن يدري . لقد ظل يشكل بغيابه القومي والوطني عن الإلتزام فراغ الهوية والعلاقة التاريخية على ارضه ، مما سهل على المشروع الصهيوني التصدي لملئه بحضوره الطاغي .
إن التورط العربي مع الغرب والصهيونية له دوافعه المتعددة في الإقتصاد والسياسة والجغرافيا الثرواتية للإمبريالية ، ولكن وجود المشروع الصهيوني العقاري إلى جانب كل ذلك ، هو الذي اقتضى تعقيد العلاقة مع الغرب بشكل استثنائي ، وأكسبها بعدا روائيا ملحميا ومثيولوجيا هومريا . ومع أن السياق القدري الهومري لم ينسب إلى العرب اختطاف ” هيلين ” أو أية خطيئة مشابهة ، إلا أن لعبة القدر المطبقة عليهم ليست مجانية بالكامل . فهناك بدائل قدرية منطقية قد لا تكون مرتبطة بالخطيئة ، وإنما بوضع الضحية . فالعرب من حيث وضعهم يشكلون إغراء بالجريمة . إنهم يشبهون نعامة هزيلة في الصحراء ابتلعت حجرا كريما بالصدفة . وقد أحاط بها الصيادون من كل جانب لاصطيادها . والنعامة ليست أسدا أو نمرا أو حتى كلبا شرسا يستدعي احتياط الصيادين ، إنها حيوان ضعيف يحافظ على بقائه بالهرب وحده . هذا الوضع من الوداعة الغبية للنعامة ، والكنز الذي وضعته الصدفة في جوفها هو الذي يشكل قدر النعامة المأساوي . يجب على النعامة أن تموت مهما القدر ظالما . هكذا يصر الصيادون ، ولكن النعامة لا تدرك ذلك أبدا .
ألموضوعية العملية للمشروع الإمبريالي العالمي ، كما يراه أصحابه ، تقتضي الإجهاز على المصطلح العربي في الشرق الأوسط . وهو أمر معلن تماما في النص والتطبيق . ولم يعد بوسع الهجريين تجاهل ذلك إلا بدفن رؤوسهم في الرمل على عادة النعامة . وهم حتى الآن يفعلون ذلك باستثناءات نسبية قليلة جدا ، وبما يكفي لتبرير نجاعة اللعبة الإستفزازية التي يتبعها المشروع . إن عدد الذين يستسلمون لليأس والتجاهل بين الهجريين بفعل التنكيل والإستفزاز أكثر بكثير من الذين يستنفرهم الغضب للمواجهة . أي أن المعادلة في النهاية هي لصالح مخطط المشروع السيكيولوجي المدمر ، ما دامت هذه المخططات توفر المشهد المثالي للتنكيل والإندحار السيكيولوجي بكلفة غير باهظة ، ولا تؤدي إلى مواجهة شاملة وعارمة على المستوى الشعبي ، سواء على صعيد استهداف العدو الداخلي أو الخارجي . ولا يمكن إنكار أن السياق التنكيلي للمشروع تقابله حالات تساقط شعبية موازية في ردة الفعل تفسر إصراره على المضي قدما وبتصميم أشد في مخططاته التصفوية . ولو كنا نتتبع الساقات والمشاهد التنكيلية للمشروع بالطريقة المبسطة التي نتتبع بها المسلسلات التلفيزونية ، فسيبدو لنا واضحا أن هذه السياقات تخضع لتصاعد درامي مترابط في العنف . أصبح القتل المتعمد للأطفال ، والتدمير المفرط ، والطابع المجاني لكل هذا ، يؤكد أن منطق الجريمة الهادفة هو المسيطر على عقول استراتيجيي المشروع اليهوسيحي الصهيوني الإمبريالي .
لقد قالت أمريكا بكل شرف المجرم وصراحته ، أنها لن تسمح باستمرار أية كيانية عربية في الشرق الأوسط ، تحت طائلة الذبح المتواتر ، وتحت كل الظروف . قالت لنا بألف لسان : يجب أن تكفوا عن وعيكم القديم للذات القومية ، وأن تقبلوا بكانتونات طائفية غائبة عن الوعي وعلاقات الترابط بكل أشكالها . ولن نقبل بأقل من ذلك ، وسوف نحققه سواء حاربتم أو استسلمتم . فماذا يريد العرب أكثر من هذا الوضوح ليقرروا محاربة أمريكا أو الإستسلام لها ؟
وعندما نقول محاربة أمريكا فإننا نعني أن يكون في كل بلد عربي ” مقاومة عراقية ” من حيث الأسلوب والهدف . فكل البلاد العربية محتلة أكثر من العراق . والعراق مع المقاومة هو أقل البلاد العربية خضوعا لمصطلح الإحتلال . وأمريكا في وضعها الحالي لا تملك أي نفوذ حقيقي في العراق ، بينما يصل نفوذها في معظم الدول العربية حد التملك الفعلي . كل ممانعة دون ذلك المستوى لن تحسم المعركة ، وقد تحسمها لصالح أمريكا والصهيونية ، كما حصل في دولة ” أبو مازن – هنية وشركاهم ” في فلسطين .
وأبرز رموز التساقط على الساحة الهجرية هم ” المثقفون ” . هؤلاء مثل وكالات النظام العربي يمثلون مظهرا سياديا اعتباطيا على ساحة الثقافة الهجرية التي يتداخل فيها الوجدان مع العقل تداخلا يمنع الحسم المعرفي أو الإجماع . ويستغل هذا الوضع في تجنب الإلتزام في حالة التساقط النسبي ، وفي التدجيل والعمالة المباشرة في حالة السقوط . وفي وضع الأمية السائد على الساحة الهجرية ، فإن معنى المثقف في كثير من الأحيان لا يتجاوز مفهوم المتعلم . وانعدام الرقابة أو التقييم الفعلى الذي تمارسه عادة المؤسسات الثقافية المتخصصة والتلقي الجماهيري النقدي ، جعل الساحة تغص بمتخيلي الوعي والإبداع إلى درجة تثير الضحك المقهور . حتى وسائل النشر باختلاف أنواعها لا تملك تصورا ثقافيا مهنيا في حده الأدنى ، مما يسهل على هؤلاء مجانية الكتابة والبحث وأحيانا التحليل . أما الأكثر حظا من العلم فهم في معظم الأحيان أكاديميون استهلاكيون يرددون ، مع نسبة عالية من الخطأ والعامية ، نصوصا وافدة واجبة التقديس سلفا . وهم يفعلون ذلك ، دون أن يعرفوا أن تقديس النص هو تعطيله ووقف ديناميته الفكرية المقترحة . أي أنهم يتعاملون مع الناس بنصوص فكرية ميتة تخدم مزاعمهم التالفة في المعرفة ، وتعفيهم من المحايثة التي هي فوق طاقتهم . وتبرز هذه الظاهرة في تبني نصوص الغربيين بمعزل عن خلفياتها البيئية الخاصة ، ودينامياتها الإجتماعية الموجهة ، ويطرحونها كمسلمات فكرية ونظامية عالمية صالحة لكل المجتمعات . هكذا يتعاملون مع الليبرالية وموالياتها النظامية كالديموقراطية والنظام العالمي والشرعية الدولية وحقوق الإنسان ( الغربي ) . لا أحد منهم يلاحظ مدى التأثير التبادلي بين أي ناجم سلعي ، بما في ذلك فكر الثقافة وثقافة الفكر، وبين فضاء الإنتاح . إنهم لا يستطيعون حتى ملاحظة الرموزية التي تحظى بها الكوكولا الإمبريالية مقابل النفط ، في الإقتصاد الليبرالي ، حيث يبلغ سعر برميل الكوكاكولا في الكويت مقابل برميل النفط ما يقارب ثلاثين ضعفا . وعلى هذا القياس الأنثروسوسيولوجي الخاص يفترض أن تكون السلعة الفكرية سلعة ملتزمة ومركبة لا يمكن تناولها إلا بالتفكيك . اما حينما يتعلق الأمر بالنخب الفكرية العربية الحقيقية ، فإن مستوى التلقي على الساحة لا يناسب إنتاجهم الفكري ، فينصرفون إلى الكتابة بلغة أجنبية ، تحت مظلة الهيمنة الأكاديمية الليبرالية على توجهاتهم . في وضع ثقافي كهذا ، تسيطر عليه وترعاه قناة الجزيرة ومثيلاتها ، لا ينتظر أن تقوم ثقافة تعبوية ، أو حتى واعية ، قد تخرج العربي من توهانه ، وبُعده عن الإلتزام لبعده عن الوعي .
إن وجود تيار فكري ملتزم يرعى وعي المقاومة ، هو شرط أولي للخلاص . وكون أن هذا التيار لا يمكن في الوضع الحالي أن يوفر آلياته الإعلامية التي تتصدى لقناة الجزيرة أو” أبو ظبي ” ، لا يعفي الإلتزام من مهماته الصعبة أساسا . كما أن استعمال الآليات التي يمكن توفيرها عمليا يمكن أن توازي في تأثيرها على الوعي الجماهيري الملتزم تلقائيا ، اكثر مما تفعل قناة الجزيرة التي يستمع إليها الكثيرون ويتحسسون توجهاتها المسمومة ويبصقون يوميا على شاشة التلفزيون . وليس من حق الإلتزام مهما كانت الظروف أن يفعل ما بوسعه ، للحد من تأثير الإعلام المعادي وفضحه . إن هذا الإعلام يشكل رفدا يوميا على مدار الساعة للنزعات الطائفية والمذهبية ، وفكر العمالة المستفحل ، والتخريب المنهجي للوعي ، ولا يمكن ترك الجماهير العربية تحت طائلة تأثيره الجهنمي . وتكفي ثقافة الإلتزام وحدها للقيام بهذا الدور ، ولا حاجة لإدراك أو تناول أكاديميات الصراع أثناء سياق التعبئة والمواجهة .
إن مقاومة أمريكا ليست مجرد انصياع لافتراق السياسات والمصالح مع العالم العربي . إنها حرب المداهمة المصيرية التي يجب معها تأجيل كل شئ لمصلحة البقاء أولا على قيد الحياة ، في مواجهة الجنون الغربي النازي ، كمشروع شامل للنفي السياسي والحضاري واستعباد الزمان والمكان والقيم . ومشروع الإلتزام الوحيد هو المقاومة بكل أشكالها النضالية والجهادية . ولكن ما يجري على الساحة الثقافية الهجرية يثير الشك في إمكانية التفاؤل . سجالات لا حصر لها ، تبدو على ضوء تجسد المذبحة ، جنونا مطبقا ، أو سفالة مقنعة . لقد استولى شعار الرأي والرأي الآخر بمظهره البريء على سذاجة الجماهير ، وكرس عقلية السجال وديموقراطية الزعم ، وحوّل الإلتزام والخيانة إلى وجهة نظر على نفس المستوى من الشرعية سياسيا وأخلاقيا . هذا الأسلوب الخبيث يجب وقفه لصالح حالة الطواريء التي نواجهها . وفي حالات المداهمة المصيرية ، وحتى في الأزمات الصغيرة نسبيا تعلن حالة الطواريء ولا يعود من حق أحد طرح أية وجهات نظر خارج إطار التصدي . هذا ما يعمل عليه مثقفو الإلتزام في الأزمات المصيرية . ولكن المؤسف أن السياق الثقافي المسيطر هجريا ، هو اتساع مساحة السجال النظري باطراد مع كل تأزم للعدوان واستدعاءات حالة الطواريء . وبدلا من تغليب وعي الحركة والفعل الجماهيري ، تقام عكاظات السجال النظري لندرس المقاومة دراسة أكاديمية غبية أو متغابية أو استغبائية بدلا من تدريسها العملي للناس .
هذا السلوك المدعم بكل نزعات الإفتتان الذاتية وإغراءات الآخر ، هو الذي يحفظ حالة التوهان الهجري ، ويؤدي مهمة التضييع الليبرالي في تشتيت الوعي المقاوم . وسيبقى الأمر كذلك ، ما دام الغنج الإعلامي وجماليات الفكر الذاتي ( الليبرالية السطحية ) هي التي تتحكم في انتباه “المثقفين ” الهجريين .
وبتركيز أشد على المشهد السياسي فإن نجاح المشروع الصهيوني كان مذهلا . ولكن في حين اقتصرت الصهيونية في أوروبا على بناء علاقات ثقافية وسياسية وثيقة لم تصل مداها الإستراتيجي لأسباب تتصل بالتركيز على مجمع القوة الأمريكي ، فقد نجحت الصهيونية بالمقابل في بناء شراكة استراتيجية مع أمريكا في كل المجالات السياسية والثقافية والعسكرية تمخضت عن مشروع النظام العالمي الجديد ، الذي بدا وكأنه يستتبع حتما مشروع الشرق الأوسط الجديد ، أي إقامة الأمبراطورية العقارية للمشروع الإمبريالي الصهيوني . ويعود انزياح الصهيونية نحو أمريكا ، إلى أن أوروبا كانت قوة غاربة في مقابل قوة أمريكا الناهضة ، وأن ليبراليتها المهزومة ما تزال ملييئة بالشوائب الرومانسية الخاصة . كانت فرنسا على سبيل المثال غارقة ، وما تزال ، في أحلامها ومخاوفها المتوسطية الموروثة ، وكانت دول أوروبا جميعا محميات تابعة لأمريكا التي تواصل حمايتها من خطر الشيوعية ، بعد أن خلصتها من براثن الرايخ الألماني . كانت معظم الأوراق المهمة بيد أمريكا . وكانت الثقافة السياسية والعسكرية الأطلسية ، التي كان مركزها أمريكا مسيطرة بما فيه الكفاية في أوروبا السياسية ، بحيث لم يكن هناك لزوم من وجهة النظر الصهيونية للتناول السياسي المباشر لها . فالنفوذ الأمريكي في أوروبا هو الذي يتم من خلاله تحقيق أهداف التحالف الصهيوني الأمريكي المشترك . وقد تبين رغم ظهور ممانعات أوروبية ضئيلة أن المشروع الصهيوني على حق . فقد اضطرت أوروبا الفرنسية في النهاية إلى الإلتحاق بركب بريطانيا في التبعية للمشروع المشترك ، تحت طائلة التذكير العملي المتواتر بالإرهاب ، عن طريق العمليات الإرهابية المدبرة التي كانت توجه إليها . لقد سمح لفرنسا أخيرا بالتسلل إلى الشرق الأوسط على شكل عميل “لورنسي ” للمشروع بعد أن قتل الحليفان أحلامها المتوسطية ولم يبق لها من مشروها التراثي الصليبي سوى المخاوف .
لقد حتمت الموضوعية على المشروع الصهيوني الرهان على الشراكة الإستراتيجية مع أمريكا لمزايا كثيرة ، منها ما يتعلق بتراكمات القوة الصاعدة ، ومنها ما يتعلق بالفراغ الحضاري الأمريكي الذي تم ملؤه بتمجيد قيم السوق والتألق التكنولوجي والثقافات الوافدة دون أن يبلور معادلا حضاريا مقنعا لأوروبا ( العجوز ) . في فراغ كهذا يمكن للرؤيوية والليبرالية الحديثة أن تنتعش بدون مقاومة ، بل وبترحيب خاص من جانب الأمريكي الذي كان يبحث عن معنى لقوته . ولقد تم اختراع هذا المعنى على اساس من التعريف الجديد لمفهوم المصلحة الإمبريالية ، الذي لم يكن يتعدى الرقمية ، والإنتقال إلى المفهوم الرسولي الإضافي للقوة الأمريكية العظيمة . ومع أن مفهوم المصلحة لم يخسر رقميته الباردة ، إلا أنه بعد اتفاق الحليفين على مفهوم النظام العالمي الجديد ، كنهائية للتطور الإمبريالي ، بدأ التمثل الإمبراطوري للمشروع يفرض رومانسيات العظمة على النخب السياسية المنفذة ، وأخذت شخصية البطل الملحمي الذي سيغير العالم تتسلل حتى إلى وساوس كوندليسا رايس . لقد أخذت إجراءات المشروع الإمبراطوري تخضع للخَرَق الإنساني أكثر من خضوعها للمفاهيم الواقعية للمصلحة وتقترب تدريجيا من ثقافة الكهنوت السياسي الخاص بمشاريع التحول البشري العظيمة . فمع أن أمريكا قارة عقارية عظمى تستطيع أن تمارس لعبتها الأمبريالية بالنفوذ وحده خاصة مع الهجريين ، وأن تفرض مصالحها بقوة التأثير عن بعد ودون الحاجة للخوض في مستنقعات الدم المهدور لمعادلة العسكر والإرهاب ، إلا أنها تبنت سياسة المداخلة العسكرية الإحتلالية ، التي لا تخدم سوى مصالح المشروع الصهيوني الخاص . لقد اقتنع الرجل الأرعن المتوسط الذكاء “بوش” ، ومن حوله من النخبة الإمبريالية اليهوسيحية ، أن كل أعمال التاريخ الحاسمة والمصيرية محكومة دائما بقدر المذبحة الحتمي . واستطاعت تلك النخبة ، بمساعدة من الحليف الصهيوني ، أن تربط بين المصلحة الإمبراطورية ومحاربة الشر في العالم . هذه المصلحة المتعددة الرؤى ، هي الي يجب أن تحدد مهام نظام الخير الإمبريالي الأمريكي . وبما أن الشر موجود في الشرق الأوسط حيث يتكون المشروع العقاري للصهيونية النخبوية الحليفة ، وعلى شكل ممانعات محلية ، فإن على سكان تلك المنطقة أن يتحولوا إلى إرهابيين كجزء من مقتضيات التنفيذ . فلكي ينجح المشروع الصهيوني لا بد من مشروع سياسي على شكل جريمة سياسية وعسكرية مبررة وجدانيا وعمليا ، لإعادة التركيب في الشرق الأوسط بشكل يجعل من إسرائيل أكبر وأقوى دوله بكل مفاهيم القوة المادية والمعنوية . أي لا بد من استئصال المصطلح العربي ماديا ومعنويا لخلق جغرافيا عقارية صهيونية محمية بالتاريخ المعتمد والشرعية السياسية والثقافية الدولية ، وحضارة العصر الغربية . لم تعد أمريكا السياسية نموذجا تاريخيا للمصلحة الإمبريالية وحدها ، لقد أصبحت نموذجا لانحرافات وجدان القوة الإمبريالية نحو شكل من مراودة الإبداع والخلق السياسي المؤسس على نزعة التكوين الجديدة من عدم التاريخ . لقد جنت أمريكا سياسيا ، كما هو مطلوب صهيونيا ، وأصبحت السياسة الأمريكية هي المشيئة المبررة بسمو الهدف وحده ، من وجهة نظر النخبة المحكومة بإحساس التجاوز لمفهوم العظمة التاريخية إلى مفهوم العظمة الوجدانية . إن الرئيس بوش على سبيل المثال أعطى من النصوص الوجدانية في حياته السياسية أكثر مما أعطى أي مجنون سياسي آخرمثل هتلر . ولم يكن عصيا على الإدراك أن هذا المصاب ذهانيا كان يتوهم أنه يتكلم من داخل حذاء الإسكندر المقدوني وزرادشت النيتشوي وأنبياء الغضب في آن واحد . ولكن الغريب في الأمر أن هذا الرجل ظل يمارسه الجنون بشكل انتقائي ، فهو مجنون فقط حينما يختص الأمر بالعرب أو المسلمين أو الشرق الأوسط . فيما عدا ذلك هو مجرد رئيس تافه ولكنه عادي . وهذا يؤكد أن التزامه الرؤيوي يفوق التزامه السياسي بمصلحة أمريكا . فحتى الآن فإن حماية مصالح أمريكا في الشرق الأوسط لم تكن بحاجة إلى أية مداخلة عسكرية دموية على أي مستوى هناك . ومع ذلك فإن سياق هذه المداخلات المجانية للذبح توحي بأن حضارة جديدة من خارج التاريخ والمصلحة العملية ، وبناء فقط على مشروع سياسي رؤيوي ، هي التي تحكم التناول الأمريكي السياسي للشرق الأوسط . ومن المستحيل فصل هذا السلوك ، حتى مع كونه نوعا من الجنون النخبوي السياسي ، عن أهداف المشروع الصهيوني الإمبريالي . لقد فعلت أمريكا كل ما تستطيعه أو كل ما يلزم لدفع العرب والمسلمين إلى كراهيتها ونجحت في ذلك . واستخلصت كل خامات ردة الفعل المتوقعة والمشروعة لتصنيع مفهوم الإرهاب ، لإكمال بنية المشروع الرؤيوي المروع . لقد أصبح الترويع لدوافع سيكيولوجية ، يشكل وجدان الفعل الأمريكي في الشرق الأوسط ، لأنه لا يوجد مكان لمعادلة سياسية منطقية تجعل العرب يوافقون على إخلاء موقعهم التاريخي والحضاري للصهيونية أو لغيرها . لذلك كان هناك حاجة لمعادلة غير منطقية تقوم على تبادل الكراهية بين العالم والإرهاب ، يكون الترويع فيها نوعا من المواجهة الضرورية مع الإسلام ، من أجل الخير العالمي المهدد . وأصبح الخير الديموقراطي الإسرائيلي في السياق الملحمي للمشروع ، مندوبا عن الحضارة الغربية ، لتصبح السياسة الغربية مندوبا عن المشروع السياسي الصهيوني . وأصبح الشرق الأوسط مشروعا للتفريغ والإستئصال السياسي والحضاري تهيئة لمشروع الإستيطان السياسي والحضاري البديل .
وحينما نشاهد الإنسياق التام للغرب ، نخبة سياسية وجماهير ، وراء هذا المشهد الدموي المجنون ، فإن ذلك يؤكد على سيطرة مزاج وثقافة اليهوسيحية الصهيونية على الغربيين عموما ، مما سهل توجيه وعي الفرد والجماعة نحو استسهال الدم العربي الإسلامي ، وتصنيفه قيميا كما فعلت النازية ذات يوم . لقد نجحت الرؤيوية المجنونة أن تعكس نفسها على الفرد اليهوسيحي الغربي على شكل التزام غيبي ثقافي ومزاجي بالطابع النبوي لواقع المشروع الصهيوني الأمريكي . وليس أطرف تاريخيا من إهمال النخبة البشرية الغربية لمخزونها المعرفي وموقعها الحواضري المعاصر إهمالا متعمدا لتستطيع أن تلائم سلوكها الثقافي والسياسي مع همجية الإعلام وسيكيولوجيته اليهوسيحية . في سبيل ذلك رضيت بكل المشاريع الإعلامية الأكاديمية والدهمائية التي مهدت لفوضى الوعي والمعرفة التاريخية التي هي فضاء الرؤيوية الوحيد الممكن ، والذي سيمهد لاحقا للجريمة النبوية .
لقد أعلنت الأكاديميا الموجهة ، والمسيطر عليها تماما، موت دعائم العالم القديم كلها ، كما لو أن الأمر هو مجرد إعلان استقلال دولة من الدول عن شرفة مقر للسيادة . وقد شمل هذا الموت الفجائي التجربة التاريخية والإيديولوجيا والميتافيزيقا ومفاهيم المطلق النسبي للفلسفة وحيثية البشر في معادلة الوجود ، وحلت محلها جميعا مهزلة الوعي الليبرالي الحديث . أي وعي البحث عن " أتلانتيك سيتي " في القاموس . وفي أحسن الأحوال البحث عن سيلان بالملعقة في كوب من الشاي السيلاني . خلق الفراغات بالإزاحة والشطب ، هذا ، هو الذي سيعطي الإمكانية لملئها بإجراءات مشروع النظام الأممي الجديد . وفي النهاية ، سيوفر وعي ضرورة الفوضى لأي نظام فكري ، ورفض التجربة لصالح المحايثة ، أي " الرؤيوية " في نهاية المطاف . ولما كانت الليبرالية المتصهينة لا تستطيع استيراد خامات المعرفة من عالم آخر، أضطرت إلى استعادة النيتشوية ، وإحياء التنوعات الفلسفية التي قامت عليها أكاديميا . ثم دعمت انتقائيا التوجهات الجديدة لمفلسي الأكاديميا ، تحت ستار دعم المعرفة عموما ، تمهيدا لنازيتها الجديدة على أساس من الرؤيوية الزراداشتية التي تمجد الإنسان وتدفنه في سديم تصورات العظمة والألوهية للعقل العظيم المريض . هكذا تكلم زرادشت ، وهكذا تكلم بوش أيضا . والفرق أن الأول هوانعكاس للعقل النيتشوي النظري ، والثاني انعكاس لكهنوت المشروع الأمبريالي الصهيوني . ولكن كلاهما يمثل انفلات العقل المثالي المريض من أخلاق وقوانين التطور الإجتماعي ، وإسناد قانون الأخلاق إلى القوة وحدها . لذلك فإن بوش سيصل في النهاية إلى ما توصا إليه هتلر .
لقد أصبح الغرب مجنونا وزراداشتيا في طريقه إلى الجريمة العالمية المدبرة . كانت النازية جنونا قوميا اشتراكيا لدى النخبة الألمانية الزرادشتيه ، وهي الآن جنون أممي يهوسيحي صهيوني يبحث عن عالمه الكامل في الجريمة الكاملة . ويبدو أنه لن تستطيع الحضارة الغربية وقف السياق ، لأنها حضارة تمدن بشري وليست حضارة إنسانية . إنها حضارة بثقافة ذات انزياح نحو همجية استباحة الآخر ” المتخلف والمعادي والخطر ” ، وإنسانها السلعي المفبرك يهوسيحيا وصهيونيا ليس مؤهلا لخدمة خلاصه وخلاص الإنسانية وإعادة اعتبار الحضارة إلى المجتمع المتمدن . فهو غارق في مستنقع التعالي العنصري والحضاري والوعي النازي الجديد ، يبحث فيه عن سفر جديد للتكوين وأسفار حديثة للرؤيا . إنه إنسان مثقل بالمعرفة الإنتقائية ، ولكنه مثقل أيضا بالتفاهة والضجر والمزاج الدموي ومراودة الإنتحار . وتعريفه الممكن موضوعيا هو أنه كائن طبقي ليبرالي مخرب الوجدان ، يتهجد داخل ليبراليته المريضة في عبادة ذاته على ضوء تعريف الإعلام الصهيوني الأمريكي لتلك الذات .
والتعريف الرسمي للمشروع الأمريكي الصهيوني الإمبريالي هو صراع الحضارة ضد الإرهاب . والذين يستخدمون أحيانا مصطلح صراع الحضارات يتورطون تلقائيا على ضوء هذا التعريف الرسمي المسبق ، وربما بدون قصد ، في اعتبار أن الإرهاب هو ” حضارة ” الطرف الآخر . إن الغربي متورط في هذا المصطلح حتى قمة رأسه ، ويزداد تورطه عمقا كلما ازدادت ثقته بنفسه وبنموذجه الحضاري . فمن خلال هذه الثقة المفرطة يصبح اختراقه ثقافيا وسياسيا أسهل بكثير لنقص الإحتياط . لم يكن المثقفون الألمان جماعة من الأغبياء ، ومع ذلك انساق الكثير منهم وراء المشروع النازي الليبرالي لانعدام الحيطة الفكرية ، والغرور الرؤيوي . ودفع الشعب الألماني أغلى كلفة دفعها شعب عن الحرب . وما فعلته النيتشوية القديمة ذات يوم ، تعيد فعله النيتشوية الحديثة اليوم وباندفاع أكثر همجية . وها هو المثقف والثقافي الليبرالي اليهوسيحي الصهيوني يسير بخطى واسعة مرفوع الرأس نحو النازية من جديد . المواصفات المميزة هي ذاتها . زواج القوة من الرؤيوية الليبرالية على طريق المصلحة القومية المقدسة . إنفصال النخبة عن الواقع الواقعي والتزامها بالواقع الرؤيوي . سماجة الإحساس بالعظمة كمسبب أساسي للأخطاء والجرائم العظيمة على مدى التاريخ .
ينعى الإعلام المعادي الليبرالي على ثقافة الممانعة أنها أسيرة نظرية المؤامرة . ويشكل هذا جزءا مهما من أسلوب المغالطة ، ودفع الخصم إلى زاوية الموقف الدفاعي ، لتحويل أي نقاش إلى مهاترة هامشية . والحقيقة ، هي أن الكثيرين يسارعون إلى نفي “التهمة” عن أنفسهم بحماس ساذج ويحققون بذلك نوايا الخصم السجالية . إن المؤامرة هي ما يسمونه هم التخطيط والإستراتيجية . وإذا لم يكن هناك مؤمرات تاريخية ممتدة لا تبيحها فوقية قوانين التطور الجدلي ، فإن ذلك لا يعني أن سياقات الصراع في التاريخ ، ليست كلها سياقات تآمر مرحلية بالحتم الديالكتيكي . فإذا كان الصراع طبقيا ، كما هو فعلا ، فكيف يمكن تصور سياقه تصورا مختلفا بالعقل العلمي ؟ إن ما يميز مرحلة عن مرحلة أخرى هو سياقها التطوري ، أي التآمر النظري الذي يطور آلياته وأهدافه ويقنن كل أشكال الحركة داخل مرحلته التطورية . وإذا كان الطابع العام المسلم به للحركة الإمبريالية العالمية هو التآمر على الشعوب ، فإن حركات التحرر يجب أن تعي أول ما تعي بنود ذلك التآمر لتستطيع أن تتصدى لها تخطيطيا ، أي تآمريا أيضا . لذلك فإن أهم استراتيجيات التآمر الإمبريالي هي الإعتداء على الوعي الآخر ، لتأجيل المواجهة مع مخططاته التآمرية . وهذا ما تستبسل الليبرالية وعملاؤها في متابعته .
ملخص القول …..
هناك الآن إجماع غربي بقيادة يهوسيحية صهيونية ، بوجوب إرساء اللبنة الأساسية للمشروع الأمبراطوري في الشرق الأوسط. هذه اللبنة الأولى هي مشروع الشرق الأوسط الجديد ، أي المختلف. يعني ذلك عمليا ، التصدي لأية مخاطر نهضوية عربية أو إسلامية في هذه المنطقة الثمينة عالميا ، والعمل على تلافي هذه المخاطر جذريا واستباقيا . والجذرية والإستباقية هنا لا تعني أقل من تفريغ الشرق الأوسط من المصطلح التاريخي القديم حول كونه فضاء عربيا وإسلاميا بالكامل ، واستبداله بشرق أوسط ناصع الحضور صهيونيا ، مجهول الهوية عرقيا ، يتكون من كيانات اقتصاد- سياسية ممزقة تعمل في خدمة المركز الإقتصادي العالمي تحت وصاية إسرائيلية مباشرة . ومفاد ذلك في إجراءات المشروع ، هو إحداث الفراغ اللازم في المنطقة لاستيعاب الجسد والنموذج البديل . هذا الفراغ ظل قائما في حدوده السياسية منذ سقوط الخلافة التركية . وتحت مظلة هذا الفراغ الذي تم ملؤه بالوكلاء السياديين تم إنجاح مشروع التأسيس العقاري للمشروع الصهيوني في فلسطين ، وتجري الآن تحت مظلته كل مظاهر التنكيل الصهيوني الغربي بالعرب ماديا وسياسيا . ولكن هذا الفراغ السياسي لوحده لا يحقق هدفي الجذرية والإستباق ، ويترك المستقبل مفتوحا على الإحتمالات . ما يحقق هذين الهدفين هو استبدال الوعي والثقافة العامة والتزام العينة الفردية . أي إبادة الوعي السياسي والثقافي القديم للذات ، وهو ما يجري تنفيذه حاليا بالتخريب الوعيوي والمعنوي ، بالمزج والتساند بين مشاهد التنكيل المادي والسيكيولوجي .
ولا يوجد عربيا أي مشروع شامل للمقاومة حتى بالمعنى الجهادي . هناك مشروع المقاومة العراقية الذي يملك كل المقومات الشرعية والتنظيمية لإقامة مشروع المقاومة العربي الشامل حوله ، ولكن هذا الأمر لم يحدث نتيجة لقصور الوعي والإلتزام الشعبي عن الفعل التنظيمي المقاوم . فالمقاومة ما تزال ظاهرة نخبوية قومية أو جهادية لم تستطع التغلغل إلى مستويات الإلتزام العادية . ومنطقيا وعمليا وقوميا وتحرريا فإن المقاومة العراقية هي الخيار الوحيد ، وتجاوز مركزيتها يعتبر نوعا من تشرد الوعي أو خبث الإلتزام . ولكن مؤشرات الواقع ما تزال في صالح القصور والعجز .
في التوقع المنطقي لا مكان علميا لقيام مشروع شرق أوسطي نهضوي غير عربي . فالمنطقة سكانيا وثرواتيا هي جغرافيا عربية بنسبة عالية جدا . ولكن كون هذا الواقع واقعا نظريا معطلا عن الفعل خلق فراغا نهضويا منطقيا ملأته القومية الثانية عدديا وثرواتيا في المنطقة . ومهما كانت علاقة إيران بأمريكا في العراق ، فإن مشروعها القومي النهضوي ، ومحاولة ملء الفراغ المنطقي المفروض أن تملأه إسرائيل ربيبة المشروع اليهوسيحي الصهيوني المشترك ، لا يمكن أن يتعدى علاقة المواجهة بين الطرفين ، أمريكا وإيران ، إلا إذا قرر المشروع المشترك ، إيجاد شراكة نفوذ بين إسرائيل وإيران يرضى بها الطرفان ، أو نقل الرهان إلى إيران بعد بوادر فشل المشروع الإسرائيلي . ومع أن أيا من الأمرين يبدو بعيدا ، إلا إن تغلب المصلحة الإمبريالية على الحسابات للمشروع المشترك سيقرب هذا الإحتمال . أما إذا قررت أمريكا وأتباعها الغربيين مواصلة استراتيجية التصفية ، فإن العلاقات الغربية الإيرانية ستبلغ مداها الدموي كما حدث في العراق .
على ضوء هذا الواقع ، واقع غياب مشروع نهضوي عربي ، وواقع أن الخيار أمام العرب هو بين منطقة للنفوذ الفارسي أو النفوذ الإسرائيلي ، فإن الخيار الإيراني يبدو محتما أمام استحالة الخيار الثاني عربيا . فالمشروع القومي الإيراني كأي مشروع سياسي فإنه يعمل من خلال التقاء المصالح مع الآخر أو افتراقها . وفي مواجهة المشروع الغربي الصهيوني فإن لقاء المصلحة بين المشروع الإيراني والشعوب العربية متحقق تلقائيا ، إلا إذا كان هناك من يرى أن مصلحة لصوص النفط وعملاء المشروع المعادي من السياديين العرب ، مقدمة على مصالح الشعوب . أو أن الإجتياح اليهوسيحي الصهيوني أفضل عربيا من النفوذ الأيراني في المنطقة . والتخوفات التي يطرحها عملاء المشروع اليهوسيحي الصهيوني لا مكان لها أصلا في المنطق . فأي واقع ردئ محتمل إيرانيا لا يمكن ألا يكون أفضل من الواقع الذي نعيشه اليوم أو الذي يعده لنا المشروع الآخر . إن استراتيجية المشروع الإيراني هي استراتيجية خلافية تحت هيمنة العنصر الفارسي ، ولا يمكن أن تستبدل إيران أقوى أوراقها وهي الإسلام بورقة التحالف مع أمريكا وإسرائيل ، إلا إذا قررت التنازل عن مشروعها القومي الطموح . أما التخوفات القومية التي يبديها أولئك المأجورين ، فإنها مجرد عهر سياسي . وكان أحرى بها أن تتجه نحو الإخوان المسلمين ، التيار الإسلامي الليبرالي ، والحليف المرشح للغرب والصهيونية بمنطق المصلحة . أين هو موضوع هذه التخوفات القومية ما داموا لم يفطنوا إلى العراق والمقاومة العراقية إلا حينما أرادوا تسويق تخوفاتهم المغرضة ؟ إذا لم يكونوا يوما مع المقاومة العراقية وهي الجدير العروبي الوحيد بالتخوف ، فهل يريدنا أولئك المتعاقدين مع الشيطان أن نتخوف على النظام العربي الإسرائيلي في مصر أو السعودية أو الأردن ؟ اين يوجد ما يتخوفون عليه قوميا ؟ هل يتخوفون على الجامعة العربية ، أم المؤتمر القومي العربي الإسرائيلى برعاية د. عزمي بشارة ؟ لا يوجد اليوم أية ظاهرة عروبية حقيقية يصح أن يتابعها العربي بتخوفاته عليها سوى المقاومة العراقية والمقاومة اللبنانية ، فهل يرتعد أولئك الليبراليون المدجنون إلا منهما ؟
وحتى قيام مشروع مقاومة عربي شامل ، يبدو أنه لن يقوم ، علينا منطقيا أن نكون مع إيران حفاظا على شكل مقبول نسبيا للمستقبل الذي يعمل المشروع المعادي على اجتثاثه . ليس أمامنا خيار حتى الآن سوى أن نكون مع أو ضد . وهناك من يريدنا أن نكون مع أمريكا والصهيونية ضد إيران بسبب ممارساتها في العراق . والمفارقة أن الذين يريدون منا ذلك هم أصحاب مشروع غزو العراق ، والحلفاء اللوجستيين للجيش الأمريكي هناك . ونقول لهم : بإمكاننا أن نكون مع المقاومة العراقية ضد أمريكا وإيران والعملاء والكويت وقطر والإخوان المسلمين والجامعة العربية عموما ، ولكن ليس بإمكاننا أن نكون مع أمريكا وإسرائيل والكويت وقطر والجامعة العربية عموما ضد إيران والمقاومة اللبنانية . نحن لسنا عملاء لأحد مثل البعض ، ولكننا لسنا أغبياء أيضا . ولن يستطيع أحد التغرير بنا ، فحينما يقوم البديل العربي لإيران سنكون معه ضد كل من يعاديه في المشرق والمغرب على حد سواء ولكننا لن نكون مع وكلاء أمريكا والصهيونية السياديين ، ولا مع انتهازيي الليبرالية الدينية الذين تعدهم أمريكا ويعدون أنفسهم لتركيب الهوية الحيادية للشرق الأوسط الجديد .
16.9.2010