المقاومة في سوريا قادمة وسريعاً!
إيهاب السيد*
بسقوط نظام الحكم في سوريا يوم الثامن من شهر ديسمبر 2024 دخلت المنطقة العربية وخصوصاً بلاد الشام مرحلة جديدة بانت أبرز معالمها باستقواء العدو الصهيوني واستغلاله للفوضى والفراغ الحاصل في سوريا عبر عدة أمور أبرزها العمل على تدمير القوة العسكرية السورية بشكل كامل من خلال عمليات قصف جوي ممنهجة بدأت بتدمير كافة مراكز ومعسكرات الدفاع الجوي، تلاها المطارات العسكرية وسلاح الطيران، ثم امتدت لتطول جميع قواعد ومعسكرات الجيش في كافة أنحاء الدولة السورية مدمراً غالبية الأسلحة الثقيلة من دبابات ومدفعية وصواريخ وغيرها. العنصر الثاني في هذه الهجمة الصهيونية على سوريا كانت التقدم على الأرض واحتلال أجزاء واسعة من الأرض السورية بدأ من الجولان المحرر وامتداداً إلى ريف القنيطرة بموازاة الحدود مع لبنان من ناحية وريف درعا بموازاة الحدود مع الأردن من الناحية الأخرى ليصبح على بعد أقل من عشرين كيلومتراً من العاصمة دمشق.
جرى هذا كله في خضم انشغال العالم بزوال نظام ونجاح المعارضين والمتمردين في اسقاطه ومحاولة تأسيس نظام جديد وما لذلك من تأثير على موازين القوى في المنطقة. وانشغال السوريين بحياتهم اليومية والتغييرات الحاصلة والمتوقعة في مستقبلهم ومستقبل وطنهم وهموم المرحلة الجديدة من حيث تأمين الأمن لأهلهم ولقمة العيش والتطلع إلى ما ستجلبهم الأيام والحكومة الجديدة لهم. وتطلعهم إلى إعادة بناء الوطن والدولة بعد سنوات طويلة من المعاناة في ظل الحروب والعقوبات الاقتصادية والدمار.
وقد لجأ الحكم الجديد إلى تجاهل الاحتلال الصهيوني لجزء من أراضي الدولة يعادل أو يتجاوز مساحة قطاع غزة، على الأقل إعلامياً، ولم يصدر أي تصريح عن القيادة الجديدة للدولة حول هذا الأمر، باستثناء نداء إلى الأمم المتحدة يطالبها بالضغط على إسرائيل.
يقودنا هذا إلى مقارنة هذه الأحداث من الناحية التاريخية وآثارها وتداعياتها الاستراتيجية مع ما حصل عام 1982 من حصار لمدينة بيروت وإخراج المقاومة الفلسطينية منها واستلام الحكم في لبنان من قبل جهة مدعومة من أمريكا وكيان الاحتلال. حينها قال الكثيرون إن المنطقة دخلت في العصر الإسرائيلي وأنه لن تقوم لشعوب المنطقة قائمة لعشرات السنين، وأن الحكمة تستدعي التساكن والتساير مع القوة الإسرائيلية وخفض الرأس حتى تمر العاصفة. وشعر الكثير من الناس حين ذاك بالإحباط واليأس وبأن كل شيء قد انهار وأن جهود الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية اللبنانية ضاعت سدى. إذ أصبحت أمريكا هي الآمر الناهي في الوطن العربي، وتوطدت سيطرتها وأضحت إسرائيل هي القوة العظمى التي لا يمكن مواجهتها والتصدي لها في ظل التواطؤ والانهزام والتخاذل العربي الذي تخلى عن المقاومة الفلسطينية أثناء اجتياح لبنان وحصار بيروت ولم يعد هناك من يجرؤ على مقارعة الإمبريالية الأمريكية في المنطقة أو مواجهتها والتصدي لها.
رغم الصورة السوداوية هذه والتي ساهمت الكثير من وسائل الإعلام العربية في الترويج لها وشارك في نشرها العديد من المثقفين والمختصين والكتاب العرب الانهزاميين بقصد أو بغير قصد، إلا أن أمتنا العربية لا يمكن إلا أن تنهض كطائر العنقاء من وسط الرماد. فسنة الله في الكون تقتضي أن وجود الاحتلال يستدعي بروز المقاومة. كانت بيروت ولبنان من وراءها تغلي كالمرجل، فالشباب الوطني المؤمن الذي عاش عصر الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية وصراعهما الطويل مع العدو الصهيوني، والذي نشأ على ثقافة المقاومة وحمل السلاح في سنوات الحرب الأهلية اللبنانية لم يحتمل البقاء ساكناً وهو يرى جنود العدو يسيرون في شوارع بيروت ويحتسون القهوة في مقاهيها. وخلال أيام قصيرة من دخول جيش الاحتلال إلى العاصمة اللبنانية بعد اغتيال بشير الجميل، الرئيس المقبل للبنان، ومذبحة صبرا وشاتيلا، التقت ثلة من الشباب الوطني الثائر وقررت مقاومة الاحتلال بما تيسر لديهم من أسلحة فردية بسيطة. وسرعان ما توالت العمليات الفدائية ضد الاحتلال من مجموعات شبابية مشابهة لم يكن يجمعها في البدء سوى مشاعر الكرامة الوطنية والرغبة في مقاومة الاحتلال وتحرير الأرض. بعد أسابيع قليلة أجبرت المقاومة جيش الاحتلال على الانسحاب من بيروت مطلقاً ندائه الشهير في شوارع المدينة “يا أهل بيروت لا تطلقوا النار نحن ننسحب”. هذه المقاومة كبرت مع الوقت وانتظمت تحت مسمى جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية وصولاً إلى تأسيس حزب الله الذي تولى لاحقاً عبء المقاومة الأساسي حتى تحرير جنوب لبنان في عام 2000م.
واليوم نرى نفس الأمر يتكرر في جنوب سوريا والجولان، احتلال إسرائيلي صهيوني في ظل مناخ إحباط ويأس من جدوى المقاومة نتيجة لصور الدمار والقتل والإبادة التي يبرع الإعلام العربي الموجه في إبرازها سواء في غزة أو لبنان أو حتى اليمن، وحتى في سوريا. الهدف هو إشاعة روح اليأس والإحباط والهزيمة حتى لا يفكر أحد في المقاومة أو جدواها. فالرسالة هي أن المقاومة تؤدي إلى الموت والإبادة بلا فائدة، لأن العدو سيربح في النهاية. وهذا طبعاً ليس هو الحقيقة وإنما الصورة المراد أن تزرع في عقول وقلوب أبناء وشباب الأمة.
لكن الحقيقة التي لا مراء فيها أن أمتنا ولادة، وأن المقاومة في سوريا ستنطلق قريباً وبأسرع مما نتوقع لتواجه الاحتلال الصهيوني للأرض السورية. ولعل بواكير ذلك تظهر في المظاهرات الشعبية التي بدأت تخرج في بعض القرى السورية المحتلة. فأبناء الشعب العربي السوري لن يقبلوا بالذل والهوان وهم أصحاب تاريخ طويل في الدفاع عن بلادهم وأمتهم وبذل الغالي والنفيس في سبيلها. ألم يكونوا هم عماد الثورة العربية وموطن أول حكومة عربية مستقلة. ألم يكونوا هم الذين قاتلوا قوات الاحتلال الفرنسي في ميسلون، تحت قيادة يوسف العظمة، وزير الدفاع العربي الوحيد الذي قاد جيشه في معركة واستشهد فيها.
على الشباب السوري الوطني والقومي والإسلامي أن ينبذ خلافاته وأن يتجه لمواجهة خطر الاحتلال الجاثم على أرضه ومنابع المياه فيها، وأن يجد الطرق المناسبة لمقاومة هذا الاحتلال باللغة الوحيدة التي يعرفها والتي أقرتها كل الشرائع والقوانين الدولية، لغة السلاح والقوة. لا تنتظروا أحزاباً أو جماعات لتبدؤوا في الدفاع عن وطنكم، فالسلاح متوفر، ولديكم الخبرات والكوادر المدربة، والأرض أرضكم وهذا يومكم، والتاريخ يكتبه الشرفاء، فاكتبوه بدمائكم الطاهرة وقرروا مستقبلكم ولا تنظروا للوراء، لأن المستقبل لكم وستنجحون كما نجحت المقاومة في تحرير جنوب لبنان وغزة، وقبلها في الجزائر وفيتنام وغيرها من الدول المستضعفة التي انتصرت على قوى الاستعمار الأقوى والأشرس.
إعلامي وناشط فلسطيني، رئيس الرابطة الثقافية الوطنية الفلسطينية
2024-12-27