المشهد الفنزويلي ما بعد مادورو: وكأنه انقلاب ناعم!
بعد أسبوع من اختطاف مادورو، تتكشف المزيد من خفايا الهجوم الأمريكي تزامناً مع صعود ديلسي رودريغيز كشريك تكنوقراطي ترضى عنه واشنطن، وسط تحديات أمنية تنذر بمرحلة انتقالية معقدة في فنزويلا.
سعيد محمد*
بعد مرور أسبوع على اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونقلهما إلى نيويورك، بدأت تتكشف تفاصيل إضافية حول التكتيكات العسكرية التي أتبعت في الهجوم الأمريكي الخاطف على مقر اقامتهما، والاختراقات الاستخباراتية العميقة التي مكنت له، كما التحولات الدراماتيكية في هيكل السلطة في كاراكاس نتيجة له.
وتناقلت الصحف الغربيّة ومراقبون أنباء عن اختراقات للدائرة الضيقة للرئيس المختطف سهلت للهجوم الأمريكي، فيما تقاطعت تقارير عن تحوّل ديلسي رودريغيز، الرئيسة بالوكالة، إلى شريك بحكم الأمر الواقع للولايات المتحدة، في مواجهة تململ من قواعد الحركة البوليفاريّة على الأرض.
وحول عملية الاختطاف، تشير الشهادات الميدانية والتحليلات العسكرية إلى أن العملية لم تكن مجرد إنزال تقليدي، بل كانت ساحة اختبار لتقنيات حرب جديدة شلت قدرات الجيش الفنزويلي تماماً. وأفادت تقارير متطابقة بأن الهجوم سبقه تعطل كلي لأنظمة الاتصالات والطاقة حيث لعبت القيادة السيبرانية الأمريكية دوراً محورياً في اختراق الشبكات الفنزويلية وإطفاء أضواء العاصمة كاراكاس في اللحظة الحاسمة لتوفير غطاء من ظلام دامس للقوات المهاجمة. كما ساهمت قيادة الفضاء الأمريكية في تأمين مسارات طيران غير مرئية للأقمار الصناعية والطائرات.
ونقل شهود عيان وناجون من محيط مجمع “فورتي تيونا” (Fuerte Tiuna) العسكري تفاصيل مرعبة عن تكنولوجيات متطورة استخدمت في الهجوم، وتحدث الجنود والسكان عن سماع صفير حاد وثاقب لم يتمكن الجنود من تحمله، وأصيب بعضهم بنزيف مما يشير إلى استخدام أسلحة صوتية متطورة لتعطيل المشاة.
وتوازياً مع إطلاقات نارية عالية الكثافة وسقوط قنابل عنقودية صامتة، كانت القوات المهاجمة قادرة على رصد الجنود الفنزويليين بدقة، فيما هؤلاء عاجزون عن الرؤية أو استخدام أي نظام دفاعي بعدما تعطلت جميع الأجهزة الإلكترونية.
وشارك في العملية الصاعقة حوالي 150 طائرة، حلقت المروحيات منها على ارتفاعات منخفضة جداً (حوالي مائة قدم) لتفادي الرادارات، مدعومة بطائرات مسيرة شبحية. وقد فشلت أنظمة الدفاع الجوي الروسية والصينية الموجودة لدى فنزويلا كليّة في التعامل مع التشويش الإلكتروني الهائل.
على أن التفوق التكنولوجي لم يكن وحده كافياً لإنجاح عملية بهذا التعقيد في “منطقة محظورة” أمنياً. وكشفت التحقيقات التي أجرتها أجهزة أمنية رسمية عن اختراق بشري من أعلى المستويات. وبرز اسم الجنرال خافيير ماركانو تابات بوصفه الشخصية المحورية في انهيار منظومة الحماية حول مادورو. والملفت أن تابات لم يكن مجرد مسؤول عسكري رفيع، بل كان صديق الطفولة لمادورو وأكثر الأشخاص ثقة لديه. وأصدرت الرئيسة بالوكالة أوامر بإنهاء خدماته واعتقاله، موجهة إليه تهماً خطيرة منها تلقي أموال من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وتزويد القوات الخاصة التي نفذت الهجوم بالإحداثيات الدقيقة لموقع مادورو وتحركاته، مع تعطيل ممنهج لبروتوكولات الدفاع المضاد للطائرات، ما سمح للمروحيات الأمريكية بالتحليق بحرية.
وكان نتج عن هذه الخيانة مقتل 32 من عناصر الأمن (معظمهم من الكوبيين المكلفين بحماية مادورو)، في حين تمكنت القوات الأمريكية من الوصول إلى الرئيس الفنزويلي وهو يحاول إغلاق باب غرفة فولاذية آمنة، حيث كانت القوات المهاجمة مجهزة بمشاعل تفجير وأدوات لفتح الأبواب المصفحة، ما يعكس معرفة مسبقة دقيقة بتصميم المجمع.
وفي تحول جذري للمشهد السياسي في كاراكاس، تعززت صورة رودريغيز، نائبة الرئيس السابقة والرئيسة الحالية بالوكالة، كشخصية “تكنوقراط” تدير البلاد بعقلية براغماتية بعيدة عن الشعارات الأيديولوجية التقليدية للثورة البوليفارية، وتنسق بشكل مباشر مع واشنطن.
وعلى الرغم من تاريخها كابنة لثوري ماركسي شهيد وخطابها السابق المناهض للإمبريالية، تشير تقارير متقاطعة – وتصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب – إلى أن رودريغيز على تواصل دائم مع وزير خارجية الولايات المتحدة ماركو روبيو. وتجلى هذا التعاون بشكل فج في حادثة ناقلة النفط “أولينا”. إذ غادرت الناقلة الموانئ الفنزويلية دون تصريح، محملة بـ 500 ألف برميل من النفط تعود لشركة يسيطر عليها رجل الأعمال الفنزويلي أليكس صعب، لتطلب رودريغيز مساعدة عسكرية أمريكية لوقفها سرعان ما استجابت لها واشنطن بإرسال فريق مشترك من خفر السواحل والبحرية اعترض الناقلة وأعادها إلى فنزويلا، ما يشير إلى اعتراف أمريكي ضمني بسلطة رودريغيز، وتوجه لدعمها لتثبيت حكمها، وضمان تفردها بالسيطرة الكلية على إدارة الموارد النفطية، وتحييد منافسين داخليين محتملين باستخدام العصا الأمريكية.
وتتبع رودريغيز، التي درست في باريس ولندن، نهجاً اقتصادياً مغايراً لسلفها، واستعانت بمستشارين اقتصاديين من الإكوادور (عملوا سابقاً مع رئيسها الأسبق رافائيل كوريا) لتبدأ عملية “خصخصة خفية” للموارد، مانحة المستثمرين الأجانب سيطرة على مشاريع حيوية في النفط والأسمنت، بهدف استقرار الاقتصاد وكبح التضخم، ما يجعلها، وفق الخبراء، شريكاً مقبولاً للغرب.
التهديد المحتمل لهذا الانقلاب الناعم على التشافيزية يأتي من القواعد الثورية البوليفاريّة والتي يمثلها في هرم السلطة ديوسدادو كابييو، وزير الداخلية.
ويسيطر كابييو على الشرطة والاستخبارات وميليشيات “الكولكتيفوس” الشعبية، ويتبنى موقفاً متشدداً ورافضاً لأي تنازلات للولايات المتحدة ويطالب بعودة مادورو بوصفه الرئيس الشرعي للبلاد.
وعلى الرغم من إعلان كابييو “الولاء المطلق” لرودريغيز علنياً، إلا أن مراقبين يرون أن هذا التحالف هش ومؤقت. إذ أن الوزير مطلوب للولايات المتحدة بتهم مزعومة تتعلق بتجارة المخدرات، ما يمنح رودريغيز القدرة على التضحية به ضمن صفقة مع واشنطن لتعزيز سيطرتها على الحكم، لكن ذلك قد يشعل فتيل حرب أهلية في بلد يمتلك فيه الجميع سلاحاً، ولا يمتلك فيه أحد سيطرة كاملة.
إذ بينما تُمسك رودريغيز بالقرار السياسي ظاهرياً، فإن فنزويلا تعج بالثوار المسلحين الذين لا يأتمرون بأمرها، ويشكلون تهديداً مباشراً لاستقرار تركيبة سياسية جديدة تهتدي بتوجيهات واشنطن أو لأي استثمارات أمريكية محتملة.
وانتشرت ميلشيات الكولكتيفوس الذين يخضعون لسيطرة كابييو في الشوارع بعيد اختطاف مادورو، وأقاموا حواجز تفتيش ودققوا – وفق صحف غربية – في هواتف المواطنين. ويعتبر هؤلاء أنفسهم حماة “الثورة الاشتراكية” في مدن البلاد الكبرى، فيما تسيطر مجموعات عسكرية يسارية فنزويلية وكولومبية على الأرياف على مناطق الحدود مع كولومبيا والمناجم غير القانونية في الجنوب بالقرب من حزام أورينوكو النفطي، وتوعدت احداها بعد ساعات من أسر مادورو بـ”مواجهة الخطط الإمبريالية للولايات المتحدة”.
وهكذا يتكشف مع تقدم الأيام أن عملية اعتقال مادورو لم تكن مجرد تغيير قسري لرأس الهرم، بل بداية ترتيب لمرحلة انتقالية توضع فيها فنزويلا في عهدة إدارة تكنوقراط تنسق أمنياً واقتصادياً مع الولايات المتحدة، ليبقى التحدي الأكبر لهذا الترتيب الجديد احتواء جناح كابييو وضمان هدوء القواعد الشعبية. ولعل إشارة واشنطن إلى توجه إلى رفع جزئي سريع للعقوبات عن كاراكاس وتسريع عمليات بيع النفط الفنزويلي الخام إلى الشركات الأمريكية يأتي في سياق توفير أدوات لنظام رودريغيز تمكنه من امتصاص الغضب الشعبي من اختطاف الرئيس – وزوجته -، وانطفاء الخطاب الثوري لخليفته.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2026-01-14