بقلم الأخ أبو فاخرمحمد عدلي الخطيب أمين السر المساعد للجنة المركزية لحركة فتح الانتفاضة
المشهد العراقي من جديد
لعب على وتر المذهبية والعرقية في سياق مشروع تقسيم الوطن العربي وتفتيته
يداهمنا من جديد جرح العراق النازف، العراق الذي جرى اجتياحه واحتلاله من قبل تحالف استعماري غربي على رأسه الولايات المتحدة الأميركية تواطأ معه حكاماً عرباً حولوا أراضيهم لتكون منطلقاً لعدوان جوي وبري وبحري على العراق الشقيق.
يداهمنا من جديد عراق التاريخ والحضارة والأمجاد، الذي رسم برايمر الحاكم الأميركي اثر الاجتياح والاحتلال معالم أقاليم متصارعة بعد ما حل الجيش وأرسى سياسة الاجتثاث والتهميش والإقصاء والإلغاء، ونشر الفوضى في أرجاءه.
يداهمنا من جديد عراق المقاومة الذي أقّض مضاجع الغزاة وقادتهم وأوقع في صفوهم الخسائر وأجبرهم على الرحيل ليستعيد العراق عافيته ووحدة وسيادته واستقلاله فيجري اليوم معاقبته بسيل من دماء أبناءه.
يداهمنا جرح العراق النازف دماً تسوده الفوضى، وتنتشر فيه دعوات التكفير والإلغاء وتعلن منه دولة دينية تحت اسم الخلافة، تشكل التمهيد الحقيقي والعملي لتسويق الدولة الدينية في منطقة الشرق الأوسط، وتكون بامتياز لحظة إعلان الكيان الصهيوني (دولة يهودية) بما يترتب على هذا من نكبات وويلات جديدة.
عندما نقف في محراب العراق لنقرأ المشهد ونتابع الأحداث فإننا نقف مع أنفسنا، فما يجري بالعراق يؤثر على فلسطين وعلى سورية وعلى كل أقطار أمتنا.
عندما نقف أمام هذا المشهد نعلي الصوت عالياً وشجاعاً بأن العراق عراقنا… والشعب العراقي شعبنا… وثروات العراق ثروات الأمة كلها… وطاقات العراق وعوامل قوته هي عوامل قوة أمة بأكملها، ووحدة العراق نموذج لوحدة كل بلد عربي ووحدة أمتنا جمعاء.
وحتى لا نتوه ونغرق في التحليلات السياسية في توصيف ما يجري في العراق هل هو ثورة على الظلم أم فعل مؤامرة؟، هل هو احتجاج على فساد حكومة بعينها ورفض لممارساتها، أم مشروع تقسيم وتفتيت؟، فإن لدينا من المعايير وأدوات القياس ما نحكم فيه على أي تحرك شعبي وأي نشاط وأي دعوة أو موقف.
إن منطلقاتنا ومعاييرنا في الحكم على أي مشهد في أي بلد عربي ينطلق عما إذا كان هذا المشهد يرتكز على دعوة دينية، أو طائفية أو مذهبية، فهي بالنسبة لنا أمر غير مقبول ومدان ومرفوض، وحتى يكون الأمر واضحاً ولا تلتبس الأمور على أحد، فهذا ليس موقفاً من الدين بشكل عام ولا من ديننا الإسلامي الحنيف، فهو دين القيم والتسامح ، دين الجهاد الحقيقي الأصيل، والدعوات الدينية الرائجة اليوم في أكثر من بلد عربي غير مرتبطة على الإطلاق بالوحدة الإسلامية أو الصحوة الإسلامية أو النهضة الإسلامية أو مشروع الحضارة الإسلامية، إنما هي مرتبطة ببرنامج التقسيم والتفتيت والتجزئة والمذهبية وهي في خدمة مخططين أعداء حضّروا لأنفسهم وإمكاناتهم منذ زمن طويل لإعادة ترتيب البيت العربي على أساس تشكيل كيانات طائفية وعرقية وجهوية، نظّر لها برينجسكي منظر السياسات الأميركية في ثمانينات القرن الماضي وهو القائل أن معاهدة سايكس بيكو لم تعد صالحة بالحفاظ على الكيان الصهيوني، لأنها لم ترسم الكيانات المحيطة به على أساس طائفي بل رسمتها على أساس جغرافي فلا بد من إعادة رسم الخارطة لقيام كيانات دينية طائفية ومذهبية.
والمعيار الآخر في الحكم على أي مشهد أو حدث هو الموقف من قضية فلسطين على وجه الخصوص ومن الصراع العربي-الصهيوني بشكل عام، فأي تجاهل لقضية فلسطين ولمركزيتها كقضية للأمة والقفز على اعتبار العدو الصهيوني عدو الأمة جمعاء يجعل من المشهد والحدث والتحرك فعل مشبوه، وهو مرفوض ومدان وغير مقبول ولا يمكن قبول أي تبريرات له.
والمعيار الثالث يتمحور عما إذا استنجد أصحاب التحرك بالقوى الاستعمارية، والناتو نموذجاً، كما حصل في العراق سابقاً وفي ليبيا وكما جرت المحاولة لتعميمها على سورية، فيكون والحالة هذه تحرك معاد، وبؤرة معادية، وأداة من أدوات الغدر والخيانة والعمالة في الأمة.
والمعيار الرابع في قراءة المشهد وما يتعلق بالعراق تحديداً وموقف الأكراد من وحدة العراق والنزعة الانفصالية الرائجة، فهي نزعة مرفوضة ومدانة وغير مقبولة، ولابد هنا من التأكيد أولاً أننا كمناضلين فلسطينيين ننظر إلى الشعب الكردي على أنه شعب شقيق، له مكانته وموقعه من الاحترام والتقدير، شعب حي وحيوي، فيه من الكفاءات والقدرات ما يغني أمة بأكملها، شعب توجع وعانى أيضاً من خلال ما لحق به من ظلم أو قمع عبر التاريخ.
نحن بالتأكيد مع أن يتمتع الشعب الكردي بكل الحقوق ويمارس كل الحريات، شريطة أن يظل الشعب الكردي جزء لا يتجزأ من نسيج الشعب لأي قطر بعيداً عن النزعات الانفصالية، فما يجري راهناً من خلال حكومة كردستان العراق هي نزعة انفصالية لا تندرح في إطار المطالب العادلة للشعب الكردي بل في إطار تقسيم العراق وتفتيته.
إننا نتطلع إلى الشعب الكردي وقواه الحية ومفكريه ومثقفيه، أن يظهروا أعمق تلاحم عربي-كردي، فهذه الروابط أقوى من أي روابط، والعلاقات العربية الكردية هي العلاقات الراسخة، فالعدو واحد والمستقبل واحد والمصير واحد، وعليهم أن لا يمكنوا من يتصدر صفوفهم ويتكلم باسمهم ويحتكر نشاطهم السياسي من زرع بذور فتنة لا تنتهي وبذور صراعات لا تندمل جراحاتها، فلتكن مصلحة الأكراد في هذا التلاحم مع أشقائهم أقوى من أي مصلحة وأعمق من أي رابطة.