يعيش العراق هذه الأيام على وقع حركة احتجاجية كبيرة، المشاركون فيها معظمهم من الشيعة، مع مجموعات من السنة وتيارات وطوائف أخرى.
كما أن المظاهرات يومية وعلى أشدها، بدأت بالاحتجاج على أزمة الكهرباء وتخللتها شعارات سياسية واجتماعية لعل أهمها المطالبة بفتح ملفات الفساد القديمة والحديثة، والدعوة إلى حل الأحزاب والبرلمان إن لم يتم الإسراع بتلبية المطالب المرفوعة، بل ذهب بعضهم للمطالبة بحكومة تكنوقراط.
الملفت للنظر أن المرجعية الشيعية العليا انحازت للمتظاهرين وليس لأحزاب الحكم. ولم يبق أمام رئيس الوزراء العراقي العبادي سوى القيام بحزمة من الإصلاحات، ربما تؤدي في قادم الأيام إلى تغيير طبيعة النظام السياسي من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، وكان ذلك أحد الشعارات المرفوعة في هذه المظاهرات. فما هي أبرز الدلالات من وراء هذه المسيرات الاحتجاجية؟ وما هي أهم تداعياتها محليا وإقليميا؟
بين الربيع العربي والربيع العراقي
لا شك أن الصدمات التي تلقاها العراق منذ الاحتلال الأمريكي سنة 2003 إلى اليوم مع احتلال داعش لأكثر من ثلث أراضيه ومع فساد العديد من نخبه السياسية كانت كافية لإطلاق صفارة إنذار على كل من أساء للعراق وتاريخه ولعب بمقدراته وثروات أبنائه. هذا الربيع العراقي هل سيكون على منوال الربيع العربي الذي بدأ بآمال عريضة وانتهى بحسرة كبيرة.
أعتقد أن العراقيين واعون بما انتهى إليه الربيع العربي من استشراء للفساد وانتشار للإرهاب وتفكك هيكلي للاقتصاد. ولذلك نفهم لماذا نزل العراقيون من كل الأطياف المذهبية والطائفية إلى الشوارع لكي لا يتم الضحك على ذقونهم بربيع عربي كالذي حصل منذ 4 سنوات، ربيع تم إعداده لتمكين الإخوان المسلمين من حكم البلاد العربية، ووراء هذا الحكم برنامج كامل للتقسيم وللسيطرة على ثروات البلاد وخلق دول هشة بشكل دائم يجول فيها الإرهاب طولا وعرضا.
ولذلك فالعراقيون الذين ذاقوا ويلات الفساد منذ حكم بريمر إلى اليوم لن تنطلي عليهم هذه المرة وعود بعض السياسيين فنزلوا إلى الشوارع بمطالب محددة ولم يحرقوا مراكز أمن ولا مباني رسمية مثلما حدث في تونس وليبيا ومصر واليمن، واستبسلوا في الدفاع عن مطالبهم فأذعنت الحكومة لمطالبهم وتم الاتفاق على إلغاء المحاصصة الحزبية في إسناد المناصب الهامة في الدولة وتمت إقالة نواب رئيس الجمهورية ونواب رئيس الوزراء وحددت قائمة أولى في الفاسدين لمحاسبتهم.
وصوّت البرلمان بالإجماع على هذه الإجراءات فهل يصبح ربيع العراق أكثر نجاحا مما سمي ظلما بالربيع العربي؟ لكن لا ننسى أن العراق منشغل كذلك بمحاربة إرهاب داعش وبدعوات التقسيم التي تحدث عنها مؤخرا قائد القوات البرية الأمريكية الذي سيغادر منصبه عن قريب.
هل يقدر العراق على مواجهة كل التحديات؟
يمكن القول أن العراق يوجه حاليا ثلاث تحديات، محلية وإقليمية ودولية
أولا:التحدي المحلي وهو الأهم ويتمثل بالخصوص في الفساد وسوء الخدمات والتفجيرات اليومية، هذه التفجيرات جزء منها يأتي من داعش وجزء آخر يأتي من بعض أصحاب النفوذ الذين تضررت مصالحهم بعد الإجراءات الأخيرة التي صوت عليها البرلمان في 11 أوت/ أغسطس 2015. ويستوجب رفع هذه التحديات المحلية بعض الوقت.
ثانيا: التحدي الإقليمي وهو مرتبط بالحرب في سوريا ومآلاتها، ومرتبط كذلك بكيفية تعاطي إيران مع الوضع الجديد في العراق وهل ستدعم بقوة الإصلاحات الجديدة التي ستؤدي في النهاية إلى الحد جزئيا من نفوذ التيارات الدينية في الحكومة العراقية، لأن المرجعية الدينية العليا في العراق أقل تدخلا في شؤون السياسة من نظيرتها في إيران، أما التحدي الإقليمي الآخر فهو مدى جدية تركيا في محاربة الدولة الإسلامية.
ثالثا: التحدي الدولي وهو مرتبط بمشاريع التقسيم التي روّج لها رايموند أوديرنو قائد القوات البرية الأمريكية المنتهية ولايته في آخر مؤتمر صحفي له في البنتاغون والذي اعتبر فيه أن تقسيم العراق ربما يكون الحل الوحيد لتسوية النزاع، وقد انتقدت الحكومة العراقية بشدة هذا التصريح.
ونود أن نُذكّر العراقيين أن التجارب التاريخية أثبتت أن هناك دولا كانت بالأمس القريب مقسمة مثل ألمانيا لكن إرادة الألمان في الوحدة غلبت تيار الانفصال، وهذا يعود الفضل فيه إلى ترسيخ دولة المواطنة في هذا البلد، وإلى تعالي الدولة عن كل الايديولوجيات ورعايتها لكل الأقليات (لا ننسى أن هناك عددا هاما من المسلمين والأقليات الأوروبية في ألمانيا).
فما الذي يمنع العراق وهو يخوض حراكه الجديد من أن يقوم بكل المساعي التي تحميه من التقسيم، كأن يؤسس لجمهورية عصرية على غرار الدول المتقدمة التي تحترم الحداثة وتسود فيها العقلانية والفكر النقدي وتتفتح فيها قرائح المبدعين وتكون المرأة فيها شريكا فعليا في الحكم ويكون العرب بشيعتهم وسنتهم وأكرادهم متمتعين بخصوصياتهم الثقافية وتراثهم المتنوع الذي يشكل رافدا هاما لعراق ما بعد حراك أغسطس 2015.
وليس من العيب أن تعطى للأكراد مزيد من الامتيازات والحوافز في ظل التمسك بالدولة العراقية الموحدة، وليس من الصعب أن تخصص مشاريع عملاقة للتنمية في المناطق السنية بعد تحريرها من داعش حتى يتم تجفيف منابع هذا التنظيم، وليس من المستحيل أن تعود المصاهرات بين السنة والشيعة والأكراد مثلما كانت قائمة منذ القديم، كل ذلك يتم بفضل دولة المواطنة.
وبذلك ينجو العراق من مشروع التقسيم ويثبت للعالم أنه رغم الأزمات التي مرت به فقد عرف كيف يستفيد منها.
وأعتقد أن عراقا جديدا سينبثق من رحم هذا الحراك وسيكون قويا بعلاقات مميزة ومتوازنة مع دول الخليج وإيران، وعلاقات براغماتية مع باقي دول العالم.