المشروع الثوري يستند إلى ركنين أساسيين، الحركة الثورية، وبديل المستبد الفاسد. والبديل مشروع منظومة سياسية تحدد ملامح الدولة الحقيقية البديلة لحكم المستبد الفاسد، وأيضاً الطريقة التي يمكن التوصل إليها. وإنجاز هذه المنظومة يتم على مدى سنوات من العمل الدؤوب، الذي يمزج الصلابة والعناد بالقدرة على التكيف مع تضاريس البيئة الاستراتيجية للصراع. وتكامل الحركة الثورية مع البديل هو الذي يمكن المشروع الثوري من الانطلاق، وتقديم ما يلزم لاستنهاض الطاقات الكامنة للشعب، ويحمي الثورة من أن تكون مجرد حالة تدمير تأخذ الوطن للمجهول.
فالحركة الثورية دون مشروع بديل للمستبد الفاسد، هوجاء وعمياء وبكماء إذا عجزت عن تقديم الإجابات الوطنية على أسئلة المستقبل. فالغضب الذي يوقد الحركات الثورية -ولا تكون ثورة بدونه- ليس منتج الثوار والحركات الثورية، بل منتج حصري لمظالم المستبد الفاسد وعائلته وعسفهم وتجبرهم. والمنتج الحقيقي للحركات الثورية هو تطوير البديل للمستبد الفاسد وعائلته. والبديل هو مشروع للمستقبل، سيبقى مجرد نص جميل إذا لم يجد من يترجمه إلى برامج ويحشد الطاقات لتنفيذها. لذلك تكتسب الحركات الثورية ملامحها وصورتها وصوتها من البديل، كما يكتسب البديل عنفوانه من الطاقة الثورية التي تمنحه إياها الحركة الثورية. والبديل المحمول على الحركة الثورية هو الذي يقدم للمواطن مشروعه الثوري الذي يرد له كبريائه ويمكنه من الترفع على جلاديه، وعلى اللصوص الناهبين لموارده.
جاذبية البديل وحلاوته تزيد من حدة إحساس الشعب بمرارة الواقع، وتحول الآلام الناتجة عن عسف المستبد الفاسد إلى وقود للغضب الواعي الذي ببقيه على المسارات التي تفضي إلى مستقبل زاهر. والحركة الثورية تقنع الشعب بإمكانية تحقيق البديل، وتمنحه الثقة بأنه قادر على المضي دون وصاية المستبد الفاسد، والثقة بالذات هي المصدر العظيم للطاقة الروحية والمعنوية لتخليص الأفراد من “خضوع العاجزين”.
من جهة ثانية، تؤول الدولة الحديثة للتعفن والفساد والسقوط، عند غياب البديل الذي يقوم بمهمة مزدوجة، تطوير قدرات الشعب على تغيير الحاكم، وعقلنة الحكم تحت ضغط تزايد فرص وإمكانيات عزله. والفاعلية المزدوجة للبديل، قد تمكن الشعب من تجاوز الخيار الثوري العنيف، فالمشروع الثوري يعقلن الحكم، ويجعل قوى التغيير أكثر ثقة وتأثيراً في المشهد السياسي.
وعلى الرغم من ان البديل (كمشروع منظومة سياسية) مُنتج للحركات الثورية، إلا أن انخراطها بإنتاجه يطورها، وظهوره دليل نضجها، ومؤشر على اكتمال الفرصة الثورية. فخصائص البديل وملامحه تفرض نفسها على مفردات وتقنيات خطاب الثورة التعبوي، وتؤثر أيضاً على آليات عمل وتنظيم الحركات الثورية التي تنتجه. إذ تكتسب الحركات الثورية ملامحها من مشروعها الذي تنتجه كبديل لحكم المستبد الفاسد، ومن التكيف مع وسائله القمعية. إلا أن تطوير البديل وتأهيله، وتجهيزه للتنفيذ في مرحلة ما بعد المستبد الفاسد وعائلته، هي المهمة التي تمنح الحركات الثورية شرعيتها، وتبرر وسائلها لتقويض حكم المستبد الفاسد وعائلته.
وانخراط الحركة الثورية بإنتاج البديل يمنحها ميزات خاصة في مواجهة المستبد الفاسد وعائلته. فالبديل “كفكرة” لا يمكن تحديه، وكذلك الحركة التي تكتسب هويتها من “فكرة” لا يمكن استئصالها. واندماج الحركة بالفكرة، يمنحهما معاً حصانة استثنائية في البيئة العالمية المعاصرة، التي تحد من قدرة المستبد الفاسد -الحريص على صورته عالمياُ- على ممارسة القمع، وتقلل الكلف والتضحيات المفروضة على الحركة الثورية.
ويتمثل البديل (كمشروع منظومة سياسية) تحتوي على سياسات واستراتيجيات قطاعية تشمل كل مناحي الدولة، وتمنحه الثورة الفرصة للتحقق، برتقي لمستوى عقد اجتماعي جديد بين المكونات المساهمة بالثورة، وتلتزم قيادات الدولة الحقيقية الجديدة بصيانته وانفاذه.
الثورات التي تحصل قبل استكمال البديل، بفاعلية تفسخ الحكم الاستبدادي وانهياره وتآكل قدرات المستبد الفاسد وعجزه عن الحكم، مجرد فرصة لمستبد فاسد جديد. هناك حالات يتفسخ بها الاستبداد من تلقاء نفسه، وهذا يقود إلى فوضى خبرها العالم العربي، وخبرتها أوروبا في القرن التاسع عشر. فغياب البديل، وغياب الإجابات على أسئلة الدولة الحقيقية المنشودة، تشل الإمكانيات الثورية، وتمنح المستبد الفاسد وعائلته فرصة للاستمرار ونهب المزيد من الموارد.
أخيراً، إن المشروع الثوري بركنيه المتكاملين، الحركة الثورية وبديل المستبد الفاسد وعائلته، يطور المشهد السياسي منذ أن يبدأ بالتشكل. واكتمال المشروع الثوري لا يغير فقط من الاستجابات الشعبية في مواجهة الاستبداد والفساد، إلا أنه ومنذ لحظة انبثاقه يغير من المنظومة التي يعتمد عليها المستبد الفاسد لإدامة حكمه. فالمشروع الثوري بركنيه المتكاملين يكشف الكثير من الأكاذيب واشكال الخداع، ويحرر الشعب منها، ويحرم المستبد الفاسد من فاعليتها. وتبقى الشعوب تئن في أغلالها حتى يتوفر لها بديل مقنع، فتثور محطمة قيودها، وفارضة البديل الذي يعبر عن قيمها العليا ويخدم مصالحها.
2022-11-21