المستبد الفاسد هو من يحول الأردن لساحة صراع، ولا يستطيع منع هذه المأساة!
جمال الطاهات
الدول تتحول لساحة صراع عبر حركة موضوعية للقوى الإقليمية المحيطة بها، وليس عبر طلبات دبلوماسية تقدم لقيادتها. تحويل الأردن لساحة صراع (لا سمح الله) أو ملعب للقوى الإقليمية، لا يتطلب موافقة المستبد الفاسد وعائلته (الذين اعتادوا تأجير الجغرافيا الأردنية)، ولن يحصلوا لقاء هذا على أي مقابل لهم، وهذا ما يفسر قلق المستبد الفاسد وتنافخه بأنه لن يسمح بتحويل الأردن لساحة صراع. والجانب الآخر لمأساة تحول دولة لساحة صراع، هو أن القوى الخارجية تستغل الأخطاء السياسية والاقتصادية والأمنية للنظام لتحويل دولته لساحة صراع. وعليه فإن تراكم أخطاء النظام، وتواطؤ الشعب مع هذه الأخطاء، واستغلال هذه الأخطاء من قبل هذه القوى، هو ما قد يحول الأردن (لا سمح الله) لساحة صراع.
تحول دولة لساحة صراع هو ثمرة التفاعل الموضوعي بين الخيارات الموضوعية للقوى الإقليمية والطاقات الوطنية لهذه الدولة. سياسات وخيارات المستبد الفاسد هي التي تضعف قوة الأردن، وتمنح القوى الخارجية الفرصة لتحويله لساحة صراع، لتقليل الكلف على شعبها وتحويل عبء الصراع على الشعب الأردني. فحين تفقد الدولة (بسبب تفاهة ورعونة قيادتها) دورها كلاعب، تتحول موضوعياً إلى ملعب (على حد تعبير الاستاذ إبراهيم غرايبة). والذي همش الأردن إقليمياً وحوله من لاعب إلى مجرد ملعب هي تراكمات استبداد وفساد وتفاهة المستبد الفاسد وعائلته وعدم التصدي لهم من قبل قوى الشعب الأردني. فمثلاً قيام المستبد الفاسد بالغياب عن الأردن لفترات طويلة ليتمكن من المشاركة (واللعب) في مهرجان اليخوت في ميريلاند قبل أسابيع، وصمت المؤسسات الأردنية على هذا الغياب، دليل على أن الأردن ليس لاعباً في توازنات القوى الإقليمي.
ودروس التاريخ كلها تثبت أن تحول دولة لساحة صراع يكون ناتج سياسات حكامها التي تمنح فرصة للقوى الإقليمية لتحويلها لساحة صراع. أي أن الدول تتحول إلى ساحة صراع رغماً عن شعبها، وبسبب خيارات رعناء لقيادتها. فهناك شروط وعوامل موضوعية (محلية وإقليمية) لتحول دولة إلى ساحة صراع، وهو ما يسمى بالأدبيات الاستراتيجية (Intersecting Land). والنظرية الاستراتيجية تتصدى للإجابة على سؤال واضح وهو، ما الذي يحول دولة ما لساحة صراع؟ وكيف يمكن أن تتجنب أي دولة مأساة تحولها لساحة صراع؟ وهناك عاملان مهمان من عدة عوامل مركزية تحدد الشروط الموضوعية لتحول دولة ما لساحة صراع.
أول هذه العوامل وأهما هو ارتباك هوية الدولة، وغياب مركز ثقل يصون هذه الهوية. حرب الثلاثين عام في أوروبا، جرت على الأراضي الألمانية، حين كانت هوية هذه الأرض بلا مركز ثقل يحميها ويديم دورها الإقليمي. وانتهت هذه الحرب بوثيقة وست فاليا، التي صاغت قواعد جديدة لعلاقات القوى الأوروبية (قواعد العلاقة بين اللاعبين الأوربيين في القرن السابع عشر) بالمناسبة لم تكن ألمانيا (كقوة مركزية موحدة حاضرة في تلك الاتفاقية) وإن حضرت بعض إماراتها في هذه الاتفاقية. ومن علامات ارتباك هوية الدولة هو أن يتم اختزالها (بمؤسساتها وشعبها) إلى مجرد نظام حكم. فتفقد الجغرافيا والشعب وزنهم الموضوعي في توازنات القوى ويتحول النظام من تعبير عن شعب الدولة ومؤسساتها (لاعب في توازنات القوى الخارجية) إلى بديل للشعب والمؤسسات ولاعب صغير وتافه في توازنات القوى المحلي.
وأهمية استقرار أو ارتباك هوية الدولة (وعجزها عن أن تكون تعبيراً عن كل مكونات الشعب) لأنه يشير إلى قدرة الدولة على تعبئة الموارد والطاقات السياسية لشعبها. ويمكن معرفة إذا كانت هوية الدولة مرتبكة أم لا، والتنبؤ بقدرتها على تعبئة الطاقات السياسية لشعبها من خلال قراءة بعض المؤشرات، منها على سبيل المثال لا الحصر، معدلات المشاركة بالانتخابات البرلمانية. ففي دولة مثل الأردن، حيث إن نسبة الذين صوتوا للانتخابات البرلمانية الأخيرة 32%، وفي الانتخابات التي سبقتها 29%. تعني أن 68% من المواطنين (على الأقل) يعجز النظام عن تعبئتهم سياسياً. وهذا يعني أن الحكم، اختزل نفسه من لاعب إقليمي، قادر على تعبئة قوى الشعب السياسية، إلى مجرد لاعب محلي يرضى ويحتفل بقدرته على احتكار السلطة وإقصاء 68% من شعبه (وهي الكتلة التي يشير احجامها المتكرر عن المشاركة بالانتخابات إلى عجز النظام عن تعبئتها سياسيا)، مما يجعل النظام حكماً وبالضرورة بحاجة إلى مساعدة قوى خارجية للحفاظ على بقائه في السلطة. واعتماد الحكم على الدعم الخارجي للبقاء في السلطة (وهذه طبيعة عائلة المستبد الفاسد التي لم تحكم يوماً ولا في أي دولة عربية إلا بالاعتماد على الدعم الخارجي) هو المدخل العملي لتحول أي دولة من لاعب إقليمي إلى مجرد ملعب.
والعامل الثاني هو العامل الاقتصادي، والمتعلق بقدرة النظام الاقتصادي على تعبئة الموارد البشرية والمادية في أي صراع. ما يسميها المستبد الفاسد “رؤيته الاقتصادية” القائمة على المشاريع الكبيرة والتي تحتاج لاستدانة أكثر من خمسين مليار لتنفيذها، دليل حاسم -من عدة ادلة أخرى- على أنه لا يرى الموارد البشرية جزء من الثروة الوطنية، بل يراها عبء يريد التخلص منه، كما يفعل بتعديلات قانون العمل ونظام الخدمة المدنية. يضاف إلى ذلك معدلات البطالة التي تزيد عن 25% بالأرقام الرسمية، وتصل بين الشباب حسب تقارير مؤسسات اقتصادية دولية إلى ما يزيد عن 50%. وفوق ذلك وجود ما يزيد عن ثلاثة أرباع مليون أردني يعملون في دول الجوار (وهي دول تصر على أن تبقى لاعب في المعادلة الإقليمية).
المستبد الفاسد، الذي يصر مع عائلته على اختزال هوية الأردن إلى مجرد هوية عائلة، يعجز عن تعبئة قوى المجتمع السياسية والاقتصادية، وينظر للموارد الطبيعية باعتبارها مجرد فرصة للنهب، هو من يحول الأردن إلى ساحة صراع. معدلات ونسبة المساهمة بالانتخابات، ومعدلات البطالة وحجم القوى العاملة في دول الجوار، تؤكد على أن الأردن ليس لاعباً، بل يتحول إلى ملعب.
أخيراً، لا بد من الإشارة إلى أن تحول دولة إلى ساحة صراع مأساة لشعبها، وخيانة لتاريخها. ولكن منع هذه المأساة يتطلب إجراءات سياسية واقتصادية من نوع مختلف. ولا يكفي تنافخ المستبد الفاسد وإطلاق عبارات جوفاء هو وحواشيه، لمنع هذه المأساة. وهناك العديد من الإجراءات التي يمكن القيام بها (سياسياً واقتصادياً) يمكن في حال اعتمادها منع المأساة، ووقف انزلاق الأردن وتحولها لساحة صراع. وللحديث بقية حول شروط ومتطلبات منع تحويل الأردن لساحة صراع إقليمية.
2024-10-23
