زياد سمرين
حين اندلعت الاحتجاجات في بعض اقطار الوطن العربي في ٢٠١١ وما بعد، كان الالتفاف حول هذه الحراكات وتأييدها، وحتى دعمها إن أمكن، هو ردة الفعل المنطقية والطبيعية لكل عربي شريف. فمظلومية الشعوب العربية، والفقر المدقع لقطاعات كبيرة منها، واللامساواة الفاقعة والاضطهاد كانت أوضح من الشمس، ولم تكن بحاجة لجدل أو دليل أو خبير، خصوصا في الأقطار العربية التي عقدت اتفاقيات سياسية (“سلام”) مع العدو، او طبعت معه، وبررت ذلك بوعود الازدهار والتنمية. لكن، ما لم ينتبه له الكثيرون هو أن الولايات المتحدة وأوروبا وبعض الأنظمة الخليجية كانت قد استبقت أي حراك ممكن لشعوبنا العربية بتأسيس بنية تحتية هائلة منظمة وممولة من المنظمات غير الحكومية تم الإشراف على تدريب أعضائها مباشرة من قبل أجهزة الاستخبارات الغربية أو مؤسسات مرتبطة بها استعدادا ليوم الانفجار القادم في الشارع العربي. كان دور الأنظمة الخليجية الأساسي في البداية هو التمويل فقط، لكنه تطور لاحقا عبر تأسيس وإدارة برامج كاملة، كما بدأنا نرى مع مشاريع عزمي بشارة الإعلامية والثقافية والسياسية. تفاصيل دورات التدريب التي أدارتها الأجهزة الاستخباراتية الغربية أصبحت مفضوحة بالاعترافات والوثائق، وحتى بالفيديوهات التي كانت متوفرة على مواقع بعض المؤسسات الراعية للمنظمات غير الحكومية، قبل ان تقوم هذه المؤسسات بإزالتها حرصا على عملائها بعد أن تم فضح نشر الفيديوهات بعضهم بطريقة غير مقصودة.
كان هدف هذه البنية المؤسساتية الأساسي ليس فقط نشر الأفكار الغربية المعبرة عن مصالح الإمبريالية الغربية في مجتمعات غير غربية بهدف استمرار الهيمنة فقط كما هو معروف، بل أيضا من أجل التمهيد للهيمنة المباشرة على أي حراك محتمل في حال حدوثه (وهم كانوا يتوقعون مثل تلك الأحداث بالتأكيد) حتى لا يتحول ضد الهيمنة الغربية وضد دورها الأساسي في الحالة البائسة التي تعيشها هذه المجتمعات. كانت هذه المجموعات وقادتها (يسمونهم نشطاء) تخضع لتدريبات ودورات مكثفة لتجهيزهم للانطلاق مباشرة مع بداية أي حدث للهيمنة على الأحداث والتحدث باسمها وتحديد أهدافها وتقرير مسارها، وبالتالي قيادتها وحرفها عن مسارها الأصلي (كلمة مسار مهمة جدا في هذه الأفكار). هكذا ينتهي ما كان من المفروض أن يكون حراكا وثورة ضد الهيمنة الغربية وأتباعها من الأنظمة في خدمة مشاريع الإمبريالية الغربية التي ظن الناس أنهم يتمردون عليها. من يريد نموذجا، عليه فقط أن ينظر الى مصر التي كان حراك يناير فيها مدهشا حتى لأهلنا في مصر أنفسهم، لنعلم لاحقا من أحد قادة الحراك أنهم كانوا ممولون مباشرة من الولايات المتحدة (انظر الرابط في التعليق لأحد قادة ٦ ابريل المصرية يشكر كونداليزا رايس على الدعم منذ ٢٠٠٤).
لكن، ولأن الغرب لا يستطيع كبح جماح الاحتجاجات المتوقعة، طالما يتم إفقار الناس منهجيا عبر سياسات اقتصادية تفرضها الولايات المتحدة وأدواتها المالية (البنك الدولي وصندوق النقد) لنهب العالم وتخريبه، فإن التضحية بمبارك وابن علي تبقى ثمن بخس، طالما أن من سيأتي بعدهم سيستمر في ذات المسار (وهو بالضبط ما فعله مرسي الذي كان أيضا يطرح نفسه كبديل لمبارك، وما يفعله السيسي، بديل مرسي، مثلا في مصر). فلقد كان الزخم الشعبي والثوري الهائل الذي شاهدناه في بعض الشوارع والميادين العربية واعد جدا وكفيل بإسقاط التبعية، لولا الدور الذي لعبه هؤلاء العملاء نيابة عن الغرب. هذا يعني أن الثمن الذي دفعه الغرب لتمويل وتدريب هذه المجموعات كان قليلا مقابل الخدمات الهائلة التي قدموها لضمان استمرار الهيمنة الغربية.
لكن، دور هذه المجموعات لم ينتهي هنا فقط. ففي سوريا وفلسطين رأينا نماذج جديدة، مختلفة عما حصل في مصر وتونس. في سوريا كان تأسيس هذه المجموعات وتمويلها الهائل منذ البداية جزء من مشروع كبير لإسقاط الدولة وتدميرها. ما كشفته وثائق ويكيليكس مثلا، وما كشفته تقارير إعلامية استقصائية عن طريقة عمل هذه المجموعات يكشف أنها كانت جزء من برنامج لإسقاط الدولة السورية لصالح الكيان الصهيوني والسياسات الغربية منذ ٢٠٠٤ بالحد الأدنى. لم تكن هذه المجموعات تهدف لحرف الحراكات عن أهدافها، بل صناعة الحراكات ذاتها. في وثيقة واحدة فقط من ٢٠٠٦، تكشف ويكيليكس دعم يتجاوز ١٢ مليون دولار، نصفها لأنس العبدة (القائد الاخواني) وتلفزيونه “المعارض” المسمى “بردى” الذي كان يبث من بريطانيا، والنصف الآخر لتدريب نشطاء وصحفيين منذ ٢٠٠٤ لإسقاط الحكومة السورية. الوثائق متوفرة لمن يريد في كتاب جوليان أسانج “ملفات ويكيليكس”، ومتوفرة على موقع ويكيليكس أيضا.
أما في فلسطين، فلقد كان المطلوب التأسيس لمسارات (وليس مسار واحد). فلم يكن عليك أن تكون أينشتين لتتوقع ان وصول مسار أوسلو الخياني الى حائط مسدود سيقود حتما الى تأسيس خيارات ثورية ومقاومة حقيقية تهدد المشروع الصهيوني، كما نرى الآن فعلا. لهذا تم التأسيس مسبقا لمسارات غير ثورية (بغض النظر عن الخطاب الثوري المزور) وبدعم وتمويل هائل ليس فقط للتشويش على المقاومة الحقيقية، بل من أجل تجيير الزخم المقاوم لصالح “نشطاء” الغرب في النهاية.
أليس لافتا أنه مع كل عمل مقاوم، ومع ارتفاع زخم العمل المقاوم يمطرنا الكثيرون، أفرادا ومؤسسات، ممن لم يسمع بهم أحد سابقا، ببيانات ومبادرات ومشاريع ومؤتمرات وخطط من أجل الوصول لحل “للمشكلة” الفلسطينية. هناك من يعمل وبشكل متعمد على استغلال الزخم المقاوم من أجل مشاريع لا علاقة لها بالعمل المقاوم نفسه، ويتصرف على أساس أنه مخول للتفاوض مع العدو وكأن مشكلة عصابة أوسلو انهم لا يتقنون التفاوض. هكذا وفجأة بدأت تنهال علينا بيانات لجماعات لم نسمع بها عن حل “دولة واحدة”، وطبعا مع المستوطنين. المشكلة أن هذه الجماعات تتصرف على أساس أنها التعبير السياسي عن عرين الأسود وكتائب الضفة، وأن دورها (ليس المقاومة) هو تمثيلها والتعبير عنها سياسيا. من قال لهؤلاء أن عرين الأسود او كتائب نابلس وجنين وطولكرم وأريحا، الخ.، تريد دولة واحدة مع المستوطنين؟ من خولكم أصلا الحديث باسم دماء شهداء لا تعرفون عنهم شيئا سوى ما يقوله لكم ممولوكم؟.
وإذا كانت هذه الظاهرة ربما أخطر ما يهدد العمل المقاوم الدائر في فلسطين، فإن التيارات السياسية المؤنجزة من طراز ما يسمى “المسار البديل” و “مبادرة” مصطفى البرغوثي، والجماعة التي إدعت أنها تمثل ١٤ مليون فلسطيني (مرة واحدة) هي أخطرها، كونها أولا ممولة وممأسسة وأيضا كون صوتها عالي جدا بفعل دور التمويل واحتضان وسائل الإعلام، والأهم قدرتها على الخداع عبر خطابها السياسي الذي يوظف المفردات الثورية لصالح مشاريع غير ثورية. ليست هذه مجرد مجموعات من الانتهازيين الذين يحاولون الاستفادة شخصيا من توظيف العمل المقاوم ودماء الشهداء لصالحهم، بل برامج خطيرة هدفها التشويش على الخيارات المقاومة الحقيقية وطرح نفسها كبديل، كما يقولون.
المسار البديل، مثلا، مشغول كما تقول دعايته، في بناء جبهة اممية ويجمع لذلك التبرعات التي لا يعرف أحد كيف تنفق، وكل مواقعهم تطلب من زائريها التبرع، مع انهم لم يصلوا بعد، ولم يحاولوا حتى دعم مخيم جنين أو نابلس. اللافت أن “المسار البديل” يطرح نفسه كبديل كامل وشامل، وليس عندهم التواضع حتى ليقدموا أنفسهم كمجرد تيار آخر من بين التيارات التي تملأ الساحة (تماما مثل جماعة ال ١٤ مليون الذي وضعونا كلنا ضمن قاعدتهم دون ان نعلم)، ويجاري الجميع في استخدام المفردات الثورية، فيما يخلوا برنامجهم وعملهم اليومي تماما من أي عمل مقاوم حقيقي. هم يعرفون أن تظاهرات مدريد لن ترفع الحصار عن حوارة، حتى لا نقول لن تحرر فلسطين. لكن هناك من يفترض أنه فيما يستمر أبطال العرين وكتائب الضفة تقديم الدم والشهداء على طريق مسار مقاوم حقيقي، فإنه يمكنه ادعاء تمثيلهم وتمثيل غيرهم، فهو البديل عن كل شيء. الناس تعرف ان هناك بديل لاوسلو وعصابتها وهي تشكيلات المقاومة في الأرض المحتلة. إذا لم تكن معهم، قولا وفعلا، فأنت لست ببديل ولست بثوري.
2023-03-05