المرحلة الانتقالية بين عصرين!
اضحوي جفال محمد*
نحن الآن في ذروة عملية الانتقال من نظام القطب الواحد إلى التعددية. وهي وإن كانت تطبيقاََ طبيعياً لقوانين التاريخ فإنها تتفرد هذه المرة بحالة غريبة لا ادري ان كانت قد حصلت من قبل!. فالمعتاد أن تدافع القوى المنصرفة عن مواقعها المهيمنة وتقاتل دونها بكل ما تستطيع حتى ترضخ مرغمة أمام إرادة القوى الصاعدة، أما أن تتولى القوة المهيمنة بنفسها فرض عملية الانتقال نحو صعود الآخرين فهي بالضبط ما يفعله ترامب الآن.. انه يقاتل لإفساح المجال أمام الصاعدين الجدد، ويُكره حلفاءه الخلّص للانسحاب أمام المنافسين دون مقاومة.
الانتقال التاريخي عملية مخاض قد تطول كثيراََ كما حصل عندما بدأت الدولة العثمانية بالتراجع أمام الصعود الأوربي، تحدده ظروف موضوعية قاهرة، غير ان الذي يجري الان تتدخل فيه الارادة بشكل مثير للانتباه، فترامب يتولى عملية التعجيل بالتحولات. التحول في هذه المرحلة عملية حتمية لكن ظهور ترامب في المشهد يضغطها إلى أقصر مدة ممكنة. من هنا استطيع القول ان فوز ترامب الثاني هو الحدث الذي نستطيع أن نؤرخ به بداية الانتقال، وستكون نهاية حرب أوكرانيا النهاية الانتقالية وإرساء النظام الجديد.
أقدم ترامب على قيادة التحولات بأساليب صادمة، وبقدر كبير من الطوباوية، كما رأينا حين قرر فرض الرسوم على العالم أجمع، وهو القرار الذي وضع العملية التاريخية على طريق اللاعودة. وقبل أيام أصدر قراراََ بانسحاب بلاده من 66 منظمة دولية دفعةً واحدة!!. قد يبدو للبعض أن القرار يهدف للتخفف من نفقات تلك المنظمات التي تمثل الولايات المتحدة على الدوام الممول الاول لها، لكن ذلك التمويل كان يُخضع المنظمات الدولية للسياسة الأمريكية، والانسحاب يعني ببساطة ملء الفراغ من جانب ممولين آخرين في مقدمتهم الصين.. فهل الأمر هكذا؟ لا، الانسحاب الأمريكي ينطلق من ان تلك المنظمات مخلفات نظام دولي ينهار ولن يستفيد شيئاً مَن يحاول الحلول فيها محل السيد الأمريكي. وتلك حقيقة ساطعة، فعندما تُقدم الولايات المتحدة على اختطاف رئيس دولة منتخب دون أن يظهر المجتمع الدولي ردود فعل تختلف عما يترتب على اسقاط طائرة مدنية، او استعداداتها المعلنة لاحتلال غرينلاند دون اكتراث بالرفض الأوربي الهزيل.. معناه اقرار عالمي بانهيار النظام القائم وكل مؤسساته وقوانينه. لذلك لن يتنافس المتنافسون على ملء الفراغ الأمريكي في المنظمات الدولية، لأنهم لن يفعلوا اكثر من تكبّد التمويل دون جدوى.
دول الصف الاول: الولايات المتحدة والصين وروسيا، ماضيةٌ إلى العصر الجديد بثبات. ودول الصف الثاني (الصاعدة): الهند والبرازيل وأستراليا وتركيا وجنوب أفريقيا، ترى الامور بوضوح وتتحسب لها بما تستحق. فيما بقي الاوربيون في حالة شلل خطير، لا يصدر عنهم سوى تمنيات يائسة بأن تواصل واشنطن رعايتهم ولو بنصف احترام. والمدهش ان حالة الشلل الاوربية تتناسب عكسياً مع حجم الدولة ومركزها، فنجدها قاصمة في الدول الثلاث الاكبر، المانيا وفرنسا وبريطانيا، بينما تأتي المواقف الأكثر حيوية من دول صغيرة مثل المجر وسلوفاكيا وصربيا.
مشكلة الاوربيين التاريخية في هذه المرحلة انعدام القادة الكبار في دولهم الكبار. جميع قادتهم اليوم يصلحون فقط لتصريف الأعمال في حين تتطلب المرحلة قرارات لا يجرؤ عليها إلا أمثال ديغول وتيتو وتاتشر. يحتاجون الاقتناع بأن الشراكة مع الولايات المتحدة خيار لا قدر، وأن التفاهم مع روسيا سياسة لا خطيئة. ويجري الان في فرنسا حراك من هذا النوع لكنه ما زال يراوح في اروقة الدراسات لا دوائر القرار.
( اضحوي _ 2318 )
2026-01-13