المخاض لأكثر من شرق أوسط جديد!
جمال الطاهات
دخول الولايات المتحدة للحرب إلى جانب إسرائيل، وإعلان ترامب بانه يريد صناعة السلام عبر القوة، أنهى الشرق الأوسط الذي نعرفه الآن، وأدخل المنطقة إلى مسارات تاريخية لا تقل خطورة عن نتائج الحرب العالمية الأولى. أخطر ما يجري الآن هو الغياب العربي عن الحرب وعن التأثير بنتائجها وعن المشاركة بصياغة مستقبلهم. فهذه الحرب تعلن نهاية كل من جامعة الدول العربية، ومنظمة العالم الإسلامي، وتهميش أو ربما تفكك كامل لمنظمة مجلس التعاون الخليجي. وليس المطلوب منع هذه النتائج، ولكن الاستعداد لها، عبر التصدي لمضامين التفكك والتحول في علاقات القوى الإقليمية بعد الحرب.
وفي ظل عجز الأنظمة العربية عن المساهمة في توليد المرحلة القادمة في الشرق الأوسط، فإن المثقفين العرب وغير العرب من الإقليم، مطالبون بالحضور والدفاع عن مستقبل الأمة، بتقديم خيارات جديدة للمجتمعات العربية لمرحلة ما بعد الحرب، تحقق التكامل بين الإرادة والموارد. مع التذكير بمؤتمر بريتون وودز أثناء الحرب العالمية الثانية، الذي وصفه أحد المؤرخين بأنه (معركة بريتون وودز)، التي خاضها مفكرون مثل جون مانيارد كينز، وهاري دكستر وايت، ميخائيل ستيبانوفيتش ستيبانوف، (بالمناسبة كان ممثل مصر ساني لاكني بك).
خطورة الحرب الدائرة الآن تستدعي من المثقفين والمفكرين العرب، والسياسيين المستقلين، المبادرة بعقد منتدى يقدم مساهمة ممكنة لصياغة خيارات شعوبنا ما بعد الحرب. فواحدة من أهم دروس التاريخ أن من يغيب عن الحرب يغيب عن المشاركة بصياغة نتائجها، ومن لا يشارك في الحرب لا يشارك في صناعة السلام. والفرصة المتاحة للعالم العربي بأن يجلس على الطاولة ولا يكون ضمن الصحون التي يتناولها المتحاربون بعد الحرب، مرهونة بتوفر موقف، إن لم يكن للحاضر، فعلى الأقل للمستقبل، يؤكد أن هذه المجتمعات العربية حية ولها خيارات واضحة، وسوف تعترض وتحارب أي ترتيب لا يأخذ مصالحها بعين الاعتبار.
في طبائع الحرب ونتائجها
مجموعة نقاط يجدر التوقف عندها للإجابة على سؤال النتائج المتوقعة للحرب الإسرائيلية الإيرانية في مرحلتها الجديدة. الأولى أن الحروب هي القابلة التاريخية لتوليد منظومات وعلاقات قوى جديدة.
الثانية، الحروب تأخذ منظومات القوى بعيداً عن مكانها الراهن. ففي اللحظة التي تندلع فيها الحرب، تكون إيذاناً بانتهاء معادلة علاقات القوى التي ولدتها، وبدء معادلات جديدة بالتشكل، استناداً للحقائق الموضوعية على الأرض التي تكشفها الحرب. فالحرب تعني أن لا عودة لمنظومات القوى إلى ما كانت عليه قبل اندلاعها.
الثالثة أن علاقات القوى علاقات ديناميكية وليست سكونية. فحركة القوى قائمة على قدرتها الدائمة على التحرك والتفاعل. وهذه التفاعلات تجعل أي منظومة عرضة للتحول عبر حرب محتملة في المستقبل. لذلك وصف التاريخ كله بأنه عبارة عن فترات هدوء نسبي بين الحروب. فلا توجد منظومة تُنهي فرصة اندلاع حروب محتملة، ولا توجد حرب تنهي كل الحروب. ولكن الحروب -وبغض النظر عن نوايا وأهداف أطرافها- جزء لا يتجزأ من ديناميكيات التحول في منظومات القوى. وهذا ما أوضحه مايكل هوارد في تصديه لسؤال عن أسباب الحرب، بتأكيده على عدم وجود سبب خارجي لها، وإنما هي ناتج لمنظومات علاقات القوى. فالحرب هي (مُنتج ….ومكون أساسي من مكونات) الحركة والتفاعل داخل منظومات القوى.
الرابعة هي تناقص المسافة الفاصلة بين الحرب وتشكل نتائجها. فمع تزايد الفهم العالمي المشترك لطبيعة الحروب ونتائجها المتوقعة، وتطوير منظومات النقل والاتصالات، تزايدت قدرات المراكز القيادية في العالم على اختزال وتقصير المسافة الفاصلة بين الحرب وتشكيل نتائجها. فعلى سبيل المثال، فإن معادلة القوى التي صاغت نتائج الحرب العالمية الأولى اخذت أكثر من عام حتى انعقد مؤتمر الصلح في باريس. إلا أن أهم ما ميز الحرب العالمية الثانية أنه وأثناء ما كانت غبار المعارك تسد الآفاق، كانت برلين تسعى لتشكيل منظومة عالمية لما بعد الحرب، وفي ذات الوقت تستضيف الولايات المتحدة مؤتمر بريتون وودوز الذي صاغ الأمم المتحدة. وفي حين وصف المؤرخ البريطاني كريستوفر كلارك في كتابه “السائرون نياما” الدول الأوروبية بأنهم دخلوا الحرب العالمية الأولى “نياماً”، وصف ليدل هارت الحرب العالمية الثانية بتطور قدرة اطرافها على “رؤية ما وراء التل“.
الحروب ميلاد جديد لأطرافها، وخطرها على افناء العاجزين عن المشاركة فيها. فرغم أن الحروب في أشكالها البدائية كانت تسعى لاستئصال الخصوم وإبادتهم انهاء وجودهم، تحولت الحرب الحديثة إلى منطق جديد قائم على تدجين الأطراف، وتغيرهم. وأصبحت الحروب تحول كل أطرافها، وتأخذهم إلى أوضاع جديدة. ومن يغيب عن التأثر الواعي بالحرب قد يختفي في ترتيباتها ونتائجها.
تراجيديا الحرب أنها تروض كل من المهزوم والمنتصر. فالحروب تعيد تشكيل طرفيها. فكلاً من المنتصر والمهزوم يخرج من الحرب مختلفاً عنه قبل دخولها. كما أن الحرب تغير كل المساحات التي تكون ضمن تأثير أطرافها، شاركت ام لم تشارك في الحرب.
والنقطة الأخيرة المهمة هي أن نتائج الحروب لا تتطابق مع أهدافها، لا المعلن منها ولا المضمر. فحتى لو تحققت الأهداف العسكرية للحرب، فإنها لا تتطابق مع نتائجها السياسية. بل كثيراً ما فتحت النتائج العسكرية بوابات لمخاطر أكبر مما كان قبلها، وتتحول الانتصارات العسكرية عبئاً على من يحققها. فالنتائج العسكرية للحرب قد لا تفضي إلى نتائج سياسية مرغوبة، وهذا الذي يدفع الجميع للتسابق، أحياناً قبل المعركة، ولكن على الأقل أثنائها، للتفكير والتجهيز لترتيبات ما بعد الحرب.
السؤال العربي الكبير
هذه المقدمات من أجل التأشير إلى فرصة لخيار عربي يمكن اشتقاقه من اللحظة الراهنة، ولكن شلل الأنظمة الخائفة، يحيل عبء تشكيل هذا الخيار على النخب الفكرية والسياسية المستقلة. والتحدي أمام المثقفين والطليعيين العرب هو المبادرة مع شركائهم في الإقليم، لاشتقاق وتطوير موقف جديد للتأثير على ما سيتولد من مخاض الحرب الراهنة، والتأثير بمسارتها عبر التجهيز للحضور في المرحلة القادمة.
فما يمكن اعتراضه الآن بكلف قليله ربما لا تتعدى الحضور، عبر استغلال حالة عدم اليقين السائدة في الحروب، والتي تجعل أطرافها أقل عناداً، سيكون من الصعب والمكلف جداً اعتراضه حين تصاغ نتائج الحرب عبر منظومة علاقات قوى غاب العرب عنها في كل مراحلها. فنتائج ما يجري الآن موضوعاً للتأثير وليس التنبؤ، كما لا يمكن ضبطه والسيطرة عليه بالغياب. ما تجري صياغته بالحديد والدم والنار، لن يتم مواجهته مستقبلاً إلا بذات الوسائل. فالكلمة الصحيحة الآن ستوفر سيولاً من الدماء في المستقبل القريب.
والمطلوب فقط، هو أن يقول العرب الآن ما يريدونه من مستقبلهم في المنطقة. وأن يحدد العرب مطالبهم، ويقدمونها لشعوبهم على الأقل. صحيح أن هذه الحرب تعلن تفكك المنظومة العربية، ولكن من الضروري حفظ وجودهم ومنع اختفائهم من المشهد الإقليمي لعقود، وربما قرون قادمة.
أخيراً
ليس مطلوباً جيوش عربية، ولا صواريخ، ولا اعتراض صواريخ، ولا سيادات وهمية، المطلوب صوت عربي حقيقي أكثر من المبادرة بعرض الخدمات، ومخاطبة البرلمان الأوروبي يوم 17 حزيران بالقول: “من المرجح أن يكون هذا العام هو عام القرارات المحورية لعالمنا بأسره، وسيكون لقيادة أوروبا دور حيوي في اختيار الطريق الصحيح، ويمكنكم الاعتماد على الأردن كشريك قوي”. مثل هذا الصوت يوضح بالتضاد السؤال العربي المطلوب. هل سيكون للعرب دور أكثر من تقديم الخدمات للأوروبيين؟ هل ستكون هناك إرادة عربية، تبلور نفسها، حتى لو لم توجد لها قوائم قوة الآن؟ فعلى الأقل التبشير بانها ستكون طاقة اعتراضية هائلة لأي ترتيبات إقليمية لا تأخذ بعين الاعتبار مصالح العرب وتطلعاتهم.
2025-06-23
