المجاعة تنتشر في دول إفريقيا في غياب تام للمجتمع الدولي!
عميرة أيسر
تعتبر القارة الأفريقية من أغنى القارات بمختلف الثروات الطبيعية، حيث أنها تعتبر المزود الرئيسي للكثير من دول العالم، وخاصة الدول الغربية الرأسمالية بالكثير من الموارد والمعادن النفيسة، ولهذا السبب كانت القارة السمراء ولعدّة قرون وبسبب موقعها الاستراتيجي وغناها بمختلف المواد الحيوية المهمة جداً للكثير من الصناعات التكنولوجية لهذه الدول، سبباً في تعرض معظم دولها للاحتلال من طرف دول كفرنسا وبريطانيا وهولندا والبرتغال وإيطاليا، والتي حرصت على نهب ثروات هذه الدول واستغلال شعوبها لأقصى درجة ممكنة، وجعلتهم مجرد تابعين لها ينفذون أوامرها ويعملون على نموها وازدهارها، ويتجندون للدفاع عنها وبالقوة عند الضرورة، كما حدث خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، عندما فقد مئات الآلاف من شباب هذه المستعمرات الأفريقية حياتهم في معارك لا تعنيهم لا من قريب ولا من بعيد.
وبعد استقلال هذه الدول الأفريقية حرصت الدول الغربية التي استعمرتها في الماضي، على أن تبقى مرتبطة بها، وذلك من خلال منعها من التحكم وإدارة ثرواتها الطبيعية، وبناء اقتصادات صناعية متطورة ذات قدرة تنافسية عالية، وألقت هذه الدول الغربية بكل ثقلها السّياسي والاقتصادي والعسكري من أجل منع هذه الدول الأفريقية المستقلة حديثاً، من بناء أنظمة سياسية تقوم على مبدأ الديمقراطية التشاركية التي تضمن لشعوب هذه الدول كافة حقوقها الدستورية والقانونية والاجتماعية، وعملت على طمس ثقافتها وتجهيلها و نشر مختلف الفيروسات والأوبئة الفتاكة المصنعة في مختبراتها السرية، كفيروس الأيبولا، والذي تسبب في مقتل 1400شخص في غرب إفريقيا، ما دفع منظمة الصحة العالمية لإعلان حالة الطوارىء الصحية. كما ذكر موقع الجزيرة نت، بتاريخ 29أوت/تموز 2014 م، في مقال بعنوان( ثلاثمائة تغيير جيني لفيروس ايبولا خلال العدوى).
بالإضافة لتغذية النعرات الطائفية والدينية والمذهبية، والتي أدت لحدوث اضطرابات وحروب أهلية في العديد من الدول الأفريقية كجنوب إفريقيا إبان حكم الأبرتايد، ومالي وليبيا ونيجيريا والكاميرون والسودان وأوغندا وليبيريا وموزنبيق، وهي الحروب التي خلفت مئات الآلاف من القتلى والجرحى، وأدت إلى نزوح الملايين من سكان هذه الدول لدول الجوار الإقليمي، وأدت لإحراق الكثير من المحاصيل الزراعية و انتشار تجارة السلاح الغير قانونية، وتدمير البنى التحية والخدماتية في هذه الدول، بالإضافة لحدوث ندرة في العديد من المواد الغذائية وارتفاع أسعارها، وتحويلها بالتالي لدول فاشلة أصبحت مرتعاً لعصابات الجريمة المنظمة والحركات الإرهابية….الخ.
وهذا ما كان له انعكاسات ونتائج كارثية على العديد من دول القارة السمراء، التي انتشر فيها الفقر وبمعدلات غير مسبوقة، إذا ارتفع عدد الفقراء في دول إفريقيا جنوب الصحراء وفق الأرقام والإحصائيات المتوفرة من 416 مليوناً سنة 2015م، إلى 431 مليون في 2017م، وبالتالي فإن منطقة إفريقيا جنوب الصحراء أصبحت تضم حوالي 63 بالمئة من عدد الفقراء في العالم.
وبالتالي فإن العديد من الدول الأفريقية الفقيرة وصلت لمرحلة انعدام الأمن الغذائي، وهذا ما أدى لانتشار المجاعات في تلك الدول وما يصاحبها من انتشار لمختلف أنواع الأمراض والأوبئة الفتاكة، وخاصة بعد التغيرات المناخية التي عرفتها العديد من دول القارة الأفريقية، وما صاحبها من تقلص للمساحات الزراعية، وازدياد معدلات التصحر والجفاف، حيث وبحسب المديرة الإقليمية لبرنامج الأغذية العالمي لولا كاسترو، فإن أزمة الجوع قد بلغت في إفريقيا نطاقاً لم تشهده من قبل، وتشير الأدلة إلى أنها تزداد سوءً، إذ أن عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع قد بلغ 45 مليون شخص، وخاصة في الدول الواقعة جنوب القارة، وفق تقارير الأمم المتحدة. كما ذكر موقع France 24 ، بتاريخ 16جانفي/يناير 2020م في مقتل بعنوان ( الأمم المتحدة: المجاعة تهدد 45 مليون شخص في دول إفريقيا الجنوبية).
فانتشار هذه الظاهرة أدى لدخول هذه الدول في دوامة من الصراعات الداخلية، وأصبح العديد منها رهينة بيد المؤسسات المالية الكبرى كصندوق النقد الدولي، والذي فرض عليها شروطاً تعجيزية قاسية من أجل منحها قروضاً طويلة الأمد للتخفيف من الآثار السلبية التي نجمت عن انتشار المجاعة في مجتمعاتها، فيما حاولت الدول الغربية استغلال هذه الأوضاع الاقتصادية الصعبة لهذه الدول الأفريقية من أجل ابتزازها ونهب ثرواتها، بل والتدخل عسكرياً على أراضيها بدعوى محاربة الجماعات الجهادية المتطرفة، كما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية مع الصومال الذي يعد بلد له موقع استراتيجي هام يشرف على مضيق باب المندب الذي يعد المنفذ الجنوبي للبحر الأحمر، وكذلك من أجل حماية ناقلات النفط الخليجي، بالإضافة لمنع دول مثل روسيا أو الصين من السيطرة على هذا المضيق الحيوي، إذا قامت ببناء قواعد دائمة لها في شمال الصومال، وذلك بعد أن تدخلت عسكرياً في هذا البلد بعدما حصلت على تفويض من الأمم المتحدة، و بلغ عدد قواتها حوالي 30 ألف جندي أمريكي، و تحت ذريعة محاربة قوات الضابط المتمرد محمد عبديد، ولكنها اضطرت لمغادرة البلاد بعد حوالي 6 أشهر، بعدما منيت بهزيمة نكراء وفقد العشرات من جنودها حياتهم هناك. كما ذكر موقع BBC NEWSعربي، بتاريخ 5ديسمبر/كانون الثاني، في مقتل بعنوان ( الولايات المتحد الأمريكية تعود إلى الصومال بعد غياب دام ثلاثة عقود ).
وذلك إثر معركة مقديشو سنة 1993م، والتي تعد وصمة عار في تاريخ الجيش الأمريكي، فالدول الكبرى التي تدعي الدفاع عن قيم حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، وتسعى لنشر قيم التسامح والسّلام والتعاون الإنساني، و تسعى للقضاء على الفقر والجوع في كل الدول، هي نفسها من تركت شعوب هذه الدول الأفريقية يموتون جوعاً ويعيشون ظروفاً انسانية صعبة جداً، فالدول الغربية تقوم برمي آلاف الأطنان من الحبوب كل عام في البحار والمحيطات، بدعوى المحافظة على البيئة واستقرار أسعار الغذاء في الأسواق العالمية، كالولايات المتحدة الأمريكية التي تحتل المرتبة الأولى عالمياً في الإنتاج الزراعي، وخاصة في إنتاج الحبوب أي ما يعادل 14 بالمئة من الإنتاج الزراعي العالمي، وصدّرت منتجات زراعية بقيمة 139.5 ترليون دولار عام 2018م. كما ذكر موقع صوت الأمة، بتاريخ 1جانفي/ يناير 2020م، في مقال بعنوان (بدافع حماية البيئة و خفظ الأسعار عالمياً، أمريكا تلقي بالقمح في المحيط واستراليا تقتل الإبل).
فالدول الغربية الرأسمالية الغنية، ليس من مصلحتها أن تصبح الدول الأفريقية دولاً قوية، وخاصة تلك التي تعاني من انتشار المجاعات، فهذه الدول تستطيع تقديم مساعدات مالية واقتصادية وغذائية سنوية للدول الأفريقية التي تعاني من الجوع، وتوفير الجو المناسب لها من أجل تحولها لدول غنية منتجة لغذائها وكل احتياجاتها الضرورية، وبالتالي تحقيقها للاكتفاء الذاتي، فبقاء هذه الدول الأفريقية في حالة من الضعف والتفكك والانهيار الاقتصادي يصب في خدمة مخططات الدول الغربية الساعية لاستدامة نفوذها وسيطرتها على مقدراتها وثرواتها وخاصة الباطنية منها، في غياب تام للمجتمع الدولي وقوانينه التي تكيل بمكيالين، والذي أصبح مجرد أداة لخدمة المصالح الأمريكية والغربية بالدرجة الأولى.
_كاتب جزائري
2022-04-11