المثقفون: صراع الديكة ووهم التميز!
نصار إبراهيم
ينتقد أو يشكو بعض المثقفين العرب، أو الكثير منهم، من ظاهرة لافتة يعاني منها الوسط الثقافي في المجتمعات العربية.
تتجلى هذه الظاهرة في انشغال “الكثير” من المثقفين والكتاب في الواقع العربي بشكل عام في المناكفات والصراعات الشخصية، والحط ما أمكن من قيمة غيرهم من المبدعين، والتشكيك في أعمالهم. وهي ظاهرة تشمل مختلف حقول الإبداع: الرواية، الشعر، الفن التشكيلي، الموسيقى، الدراما، المسرح وغير ذلك.
وهنا لا أقصد بالطبع النقد بمعناه العلمي الموضوعي، بل عملية الاستهانة والنفي لأي جهد ثقافي إبداعي يقوم به الآخرون دون الاستناد لأية معايير ونواظم نقدية جدية.
بعض أسباب هذه الظاهرة (وليس كلها) تعود إلى حالة فصام معرفية واجتماعية، جذرها العميق يكمن في فقدان الثقة بالذات والضحالة والتنافس بدرجاته الأكثر هشاشة، مما يؤدي إلى فقدان الركيزة الناظمة للإبداع بما هو عملية إجتماعية ثقافية تقوم على التراكم والفعل الجمعي والتفاعل الشامل، بكل ما يحمله ذلك من تعلم وتوظيف إبداعي للتجارب الثقافية المتنوعة بتنوع حقول الإبداع ومجالاته الاجتماعية وتشجيعها واحتضانها، إلى جانب التعامل معها بروح نقدية علمية هادئة ورصينة.
تغطية أو تمويه هذه الهشاشة واهتزاز الثقة يتم التعويض عنها من خلال عملية استقطاب شخصي وبناء”شلّة ثقافية منغلقة” تتواطأ فيما بينها على تبادل المديح والتغزل بذاتها، سواء بوعي أو بغريزة التساند الشخصي، ولكي تكرس هذه الظاهرة “شرعيتها الذاتية” لتبدو مقنعة لنفسها، فإنها تستدعي دينامية موازية تتمثل في ضرورة تحطيم ونزع شرعية أي “شلة” أو صوت أو تجربة أو محاولة تجري خارج حدودها أو مجالها، أي بما يشبه ما تقوم به الضباع أو الأسود عندما تحدِّد مجال سيطرتها من خلال بولِها، وكل من يحاول الاقتراب أو التجاوز أو انتزاع مكان له في ذلك المجال سيواجَه بالافتراس من قبل القطيع.
غياب أو ضحالة أو عدم وعي الثقافة والإبداع باعتبارهما منتوجا إجتماعيا تفاعليا تراكميا يستند إلى دورة اجتماعية (محلية وعالمية) يؤدي إلى سقوط بعض المثقفين أو المبدعين في مصيدة الذاتية وضيق الأفق، وعليه بدلا من إثبات التميز انطلاقا من معايير عالية وشروط ومقومات صارمة تحكم العمل الإبداعي والثقافي الاجتماعي في ذاته، يتم حرف العملية باتجاه محاولة إثباته عبر الحط من التجارب أو المحاولات أو الأبداعات المحيطة. أي اللعب في معايير النجاح والتميز من منظور ذاتي وشخصي. هكذا يتأسس معيار التقييم: إن “عملي جيد”، ليس لأنه جيد في ذاته، بل بقدر ما أثبت أن “عمل زميلي سئ”.
ما يجري في أعماق هذه الحالة هو عملية تشويه ينتج عنها وهم التميّز وليس التميّز، وهذا ليس له علاقة بمنهجيات التفاعل والنقد العلمي البحثي والتحليلي الموضوعي المطلوب للتطور والتعلم الفردي والجمعي. لهذا نجد أننا نعاني أيضا من أزمة عميقة على صعيد تأسيس علم نقد متماسك يستجيب لواقعنا وخصوصياتنا الاجتماعية والثقافية وتجاربنا الأدبية.
الوجه الآخر لهذه العملية هو المبالغة في مديح منتوج “الشلة” وإغلاق العين والوعي عن نقاط ضعفها وهشاشتها أو سذاجتها.
هذه المعضلة أو حالة الانحباس لا تقتصر على الأدب وحقول الإبداع الثقافية ولاجتماعية بل تمتد كظاهرة في المجتمعات المربكة وغير المنتجة لتشمل حقول السياسة والتعليم والاقتصاد والأعلام وغيرها. فالكثير من الأحزاب السياسية في واقعنا العربي على سبيل المثال، نجد أنها تحاول دائما أن تبرهن على صحة مواقفها وخياراتها ليس من خلال إثبات قدرتها على رؤية الواقع واجتراح برامج إبداعية للتغيير والنهوض، بل من خلال محاولة إثبات أن القوى السياسة المجاورة أي الحليفة هي قوى فاشلة، مما يعمق من حالة الانقسام والتشظي وعدم القدرة على المبادرة الفاعلة والعملية للتوحد حول استراتيجية وطنية ناظمة. لهذا السبب من بين أسباب أخرى يكون معظم الخطاب السياسي لتلك القوى ذي طابع نقدي سلبي بنسبة 90% تجاه القوى الأخرى ونادرا ما يتحدث عن البديل بالمعنى الإيجابي. لهذا فإن الفوارق بين تلك القوى في الواقع والممارسة لا تتجاوز الفوارق بين توأمين سياميين.
يضاف لهذا معضلة بنيوية نفس – اجتماعية عميقة تعود إلى واقع مجتمعات تعتقد أنها متطورة ومتقدمة فيما هي أقرب في وعيها وسلوكها إلى المجتمعات الرعوية التي تتقاتل على بئر ماء. كما أنها في الكثير من سلوكها تقليدية واستهلاكية حتى في الثقافة.
فالثقافة، كما هو معروف، هي بنت البيئة الاجتماعية، فإذا لم يكن المجتمع منتجا بالمعنى الشامل، فكيف سينتج ثقافة إبداعية! لتغطية هذا الاختلال تتم شخصنة النقاش وشخصنة النقد وشخصنة معايير التقييم والهبوط والتقليد لكي تتناسب مع الحالة المهيمنة. لهذا تصبح العلاقة بشكل عام بين “المثقفين والمبدعين” في واقعنا الاجتماعي المأزوم على أكثر من مستوى وصعيد أقرب لعلاقات مجموعة من “الجارات” المشغولات بالتلاسن اليومي. فلكي أثبت “أنني جميلة ومعدّلة يجب أن أثبت أن جارتي بشعة وعِفشة”.
هكذا تغيب الموضوعية والنسبية واالترحيب بالتجريب والتشجيع والتعلم والتكامل ليحل مكانه صراع الديكة.
في النهاية: لنتخيل مثلا لو أن جرير والفرزدق والأخطل بدلا من أن يبدعوا المعارضات الشهيرة انشغلوا بالحطّ من المستوى الشعري لبعضهم! أو أن أحمد شوقي أو حافظ إبراهيم بدلا من أن يقدم كل منهما أفضل ما لديه في سجالهما الشعري أمضوا حياتهما وكل منهما يحاول أن يثبت أن الآخر شاعر “تافه”!.
لهذا قالوا: ليس البطولة أن تهزم عدوا أو خصما ضعيفا، بل أن تنتصر على عدو أو خصم قوي.
2022-11-12