أوروبا وروسيا: تصعيد يستبق شتاء الحرب الخامس
عزّزت ألمانيا التزامها بدعم أوكرانيا مع وصول مستشارها في زيارة مفاجئة إلى كييف وسط تصاعد الهجمات الروسية وتحذيرات أوروبية من اتساع عمليات التخريب الهجينة ضد القارة
سعيد محمد*
وصل المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى العاصمة الأوكرانية كييف (صباح الأحد) في زيارة مفاجئة، برفقة وزيرة الاقتصاد كاترينا رايخ ووفد من رؤساء كبرى شركات الدفاع والطاقة الألمانية. وبعد وقت قصير من وصوله، أعلن رئيس بلدية كييف فيتالي كليتشكو تعرض الجسر الشمالي على نهر دنيبرو لهجوم روسي بطائرة مسيرة، ما أدى إلى تضرر سطح الطريق وخطوط الترام الكهربائية. وجاء هذا الهجوم بعد يومين من استهداف الجسر ذاته، في حين تعرض الجسر الجنوبي لثلاث ضربات متتالية منذ بداية الشهر الحالي، ما أدى إلى تعطل حركة المرور كليّاً بين ضفتي العاصمة.
وزار ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مبنى تابعاً للأكاديمية الوطنية للعلوم، أصيب في قصف نهاية الشهر الماضي، في جولة أبرزت امتداد آثار الحرب إلى المؤسسات المدنية وسط العاصمة، إلى جانب شبكات الكهرباء والنقل التي تزداد أهميتها مع انخفاض درجات الحرارة.
ووفق مصادر حكومية ألمانية فقد أعلن ميرتس في إطار الزيارة عن حزمة مساعدات جديدة بقيمة مليار يورو للأغراض العسكرية تشمل صواريخ وطائرات مسيرة وتقنيات أقمار اصطناعية، إضافة إلى350 مليون يورو أخرى لترميم مرافق البنية التحتية للطاقة التي دمرتها الضربات الروسيّة. كما وتضمنت الزيارة توقيع اتفاقية للإنتاج المشترك للطائرات المسيرة بين الشركات الألمانية والأوكرانية، بما ينقل العلاقة بين البلدين من مجرد تقديم المساعدات إلى شراكة صناعية دفاعية طويلة المدى.
وعلى هامش الزيارة ربط ميرتس أمن بلاده بنتيجة الحرب في أوكرانيا في رسالة تجمع بين طمأنة نظام زيلينسكي وتبرير الإنفاق أمام الجمهور الألماني. وقرأ محللون اصطحابه كبار التنفيذيين الألمان محاولة لتقديم الشراكة الصناعية برلين-كييف بوصفها مصدراً لتطوير تقنيات يستفيد منها الطرفان، خصوصاً أن التجربة الأوكرانية في مواجهة المسيّرات أصبحت مهمة للدول الأوروبية التي تعيد تقييم حماية مطاراتها ومنشآتها العسكرية والحيوية.
على أن حكومة المستشار ميرتس تواجه ضغوطاً داخلية متزايدة قد تنعكس على قدرة بلاده على الاستمرار بتقديم الدعم بنفس الوتيرة لنظام كييف. فرغم أن مكانة برلين ترسخت كأكبر مانح للمساعدات العسكرية لأوكرانيا بعد تراجع الدعم الأمريكي، فإن حزبه – الاتحاد الديمقراطي المسيحي – مُني بخسائر انتخابية ثقيلة في ثلاث ولايات، بينما حقق حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) – أقصى اليمين -، المعارض لدعم أوكرانيا، مكاسب قياسية في ولايتين من ألمانيا الشرقية السابقة.
وقد أعرب زيلينسكي عن تقديره للدعم الألماني، لكنه أوضح في مقابلات صحافية متزامنة أن الدعم الذي يقدمه الشركاء الغربيون مجتمعين يظل أقل من المستوى المطلوب لفرض وقف الحرب. وفي تصريحات لصحيفة فايننشال تايمز اللندنية، قدّم أرقاماً توضح حجم الضغط العسكري المتصاعد على دفاعات بلاده، فقال إن روسيا أطلقت نحو 500 طائرة مسيرة في يوم واحد، نصفها من الطراز النفاث السريع، وهو جيل جديد يصعب إسقاطه مقارنة بالطائرات المسيرة التقليدية. وأضاف أن أوكرانيا تنجح في إسقاط 57 في المئة فقط من الطائرات المسيرة النفاثة، في مقابل 85 إلى 90 في المئة من الطائرات المسيرة التقليدية. وتكشف هذه الأرقام عن فجوة دفاعية خطيرة، لأن المسيرات الجديدة تمثل تحدياً أكبر بكثير للدفاعات الجوية الأوكرانية. ويفسر هذا مطالب الرئيس الأوكراني المتكررة بمزيد من أنظمة الدفاع الجوي المتطورة، وخصوصاً صواريخ باتريوت الأمريكية، إضافة إلى طائرات اعتراضية مسيرة قادرة على ملاحقة الطراز النفاث.
في المقابل، أعلنت وزارة الخارجية الروسية في بيان صدر مساء السبت أنها ستواصل توجيه ضربات انتقامية مركزة إلى كييف ومدن أخرى رداً على الهجمات الأوكرانية الأخيرة داخل روسيا، ودعت الرعايا الأجانب والموظفين الدبلوماسيين إلى مغادرة أوكرانيا على الفور. وحمّلت الوزارة “مسؤولية أي عواقب وخيمة” لمن يتجاهل هذا التحذير، في تكرار لتحذير مماثل صدر في مايو/ أيّار الماضي. ورد زيلينسكي بالتأكيد أن بلاده ستكثف ضرباتها على مصافي النفط الروسية، معتبراً إيرادات القطاع مصدراً أساس لتمويل الحرب، مع تأكيده تجنيب المدنيين الاستهداف المتعمد.
وكان الرئيس الأوكراني قد زعم مستنداً إلى وثائق استخباراتية حصلت عليها كييف بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أصدر ما وصفه بـ”عقيدة جديدة” تلغي القيود التي كانت تحكم الهجمات الجوية الروسية السابقة، بما يسمح باستهداف البنية التحتية والشبكات اللوجستية والطرق والمدارس والمستشفيات بهدف الضغط على السكان لإخلاء المدن الكبرى قبل الشتاء، وتعقيد استمرار الإمدادات والخدمات الأساسية.
وعزت مصادر أوكرانية هذا التحول إلى الجمود الميداني على خط الجبهة في إقليم دونباس شرقي البلاد وفشل الجيش الروسي في تحقيق تقدم ملموس على الأرض في وقت حققت فيه القوات الأوكرانية – ضمن عملية مستمرة أطلق عليها اسم “فيفالدي” – مكاسب صافية بلغت نحو 80 كيلومتراً مربعاً خلال شهر سبتمبر / أيلول الماضي، بعد استعادة 176 كيلومتراً مربعاً في مرحلة سابقة من العملية، بما في ذلك بلدات نوفى وريدكودوب وكاترينيفكا. وتزامن هذا الجمود مع اقتراب فصل الشتاء الخامس من الحرب، وهو الموسم الذي شهد في الأعوام الماضية أقسى الضربات الروسية على شبكات الكهرباء والتدفئة.
وفي سياق متصل، شدد مارك روته، الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) في كلمة ألقاها بمدينة مونستر الألمانية على أن “أوروبا ليست في سلام اليوم”، مشيراً إلى أن قائمة الهجمات الهجينة الروسية على القارة “تطول كل يوم”، من الهجمات الإلكترونية والتخريب والحرائق المتعمدة إلى انتهاكات المجال الجوي ومنها حادثة مطار لايبزيغ حيث حاولت طائرة مسيرة محمّلة بالمتفجرات تفجير طائرات شحن، وهي حادثة تنسبها السلطات الألمانية إلى روسيا رغم نفي الكرملين لذلك.
ووثّق مسؤولون أوروبيون أكثر من 200 هجوم هجين في عام 2026 وحده، بينما تشير تقديرات الناتو إلى أن الرقم الحقيقي أعلى بكثير، إذ يشمل مئات محاولات الهجوم الإلكتروني والحرائق المشبوهة في أنحاء أوروبا.
وتوسّع الجدل مؤخراً بشأن جيب سوفالكي الذي يُعدّ من أكثر النقاط عرضة للخطر في الجناح الشرقي للحلف ونقطة توتر استراتيجية في الصراع. والجيب ممر بري ضيق يبلغ طوله نحو 104 كيلومترات (65 ميلًا) يربط دول البلطيق الثلاث (ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا) ببولندا العضو في الناتو، ويقع بين روسيا البيضاء من الشرق وجيب كالينينغراد الروسي من الغرب. ونفذت روسيا البيضاء، الحليف العسكري الأقرب لموسكو، مناورات واسعة النطاق قرب هذا الممر في سبتمبر/ أيلول الماضي، ما أثار مخاوف من سيناريو “توغل محدود” قد تقدمه موسكو كعمل غير تصعيدي، فيما قد يكون اختباراً لمصداقية المادة الخامسة من ميثاق الناتو التي تعتبر الهجوم على أي عضو هجوماً على الجميع.
وتتباين التقديرات بشأن احتمال نشوب مواجهة عسكرية مباشرة، إذ تحدث رئيس جهاز الأمن التشيكي ميخال كوديلكا عن احتمال توغل روسي محدود أو استفزازات خلال أشهر، غير أن دول البلطيق الثلاث نفسها، وهي الأكثر عرضة لهذا السيناريو، تبنت موقفاً أكثر حذراً. وقال نورموندس ميجفييتس، مدير جهاز أمن الدولة في لاتفيا، إن بلاده “لا ترى مؤشرات على هجوم وشيك”، محذراً من أن تضخيم التهديد قد يخدم أهداف الكرملين الدعائية.
من جهتها، واصلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب محاولاتها للوساطة بين موسكو وكييف، إذ زار مبعوثاها ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر العاصمتين الروسية والأوكرانية الشهر الماضي دون تحقيق اختراقات. وقال زيلينسكي إن واشنطن اقترحت استئناف محادثات ثلاثية في أبو ظبي خلال الأسابيع المقبلة، لكن محللين أوروبيين شككوا في جدية تلك المداولات، معتبرين أن موسكو تمارس “مسرحاً تفاوضياً” في انتظار تحسين موقفها الميداني.
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-10-05