المؤتمر العالمي الأول للكفاءات العراقية في المهجر!
عندما تتحول الكفاءات إلى ديكور، والتنمية إلى ساعة لا تعمل
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
في كانون الأول/ديسمبر من عام 2008، وصلتني دعوة رسمية من البرلمان العراقي لحضور ما سُمّي بـ المؤتمر العالمي الأول للكفاءات والخبرات العراقية في المهجر، المنعقد في العاصمة بغداد.
دعوة بدت، للوهلة الأولى، وكأنها اعتراف متأخر من الدولة العراقية بحجم الخسارة التي لحقت بها جراء تهجير العقول والكفاءات، ومحاولة – ولو شكلية – لردّ الاعتبار لمن أُبعدوا قسرًا أو اضطروا إلى المنفى طلبًا للأمان والكرامة.
الهدف المعلن كان نبيلًا:
جمع العلماء والأطباء والمهنيين والخبراء العراقيين من مختلف أنحاء العالم، وفتح حوار جاد بينهم وبين مؤسسات الدولة، لوضع أسس الاستفادة من خبراتهم في مشاريع التنمية وإعادة بناء العراق بعد عقود من الاستبداد والحروب والخراب.
لكن، وكما هي العادة في عراق ما بعد 2003، فإن ما كُتب في الدعوات والبيانات شيء، وما جرى على الأرض شيء آخر تمامًا.
من مؤتمر كفاءات… إلى ملتقى ولاءات
منذ الجلسات الأولى، اتضح أن المؤتمر لم يكن في حقيقته مؤتمر كفاءات، بل مهرجان ولاءات بغطاء أكاديمي رقيق.
ترأس المؤتمر شيخ معمّم يُدعى خالد العطية، وهو قيادي معروف في حزب الدعوة، ولم يكن ذلك تفصيلًا عابرًا، بل مفتاحًا لفهم كل ما سيأتي بعده.
أكثر من 80% من الحاضرين كانوا مرتبطين بشكل مباشر أو غير مباشر بالأحزاب الدينية المتحكمة بالسلطة، بعضهم لا يمت للكفاءة بصلة، ولا يملك من “الخبرة” سوى خبرة الانتماء الحزبي، أو القدرة على الظهور في المناسبات الرسمية ببدلة داكنة وربطة عنق باهتة.
أما الكفاءات الحقيقية – الأكاديميون المستقلون، العلماء، المهنيون الذين صنعوا أسماءهم خارج منظومة المحاصصة – فكانوا قلة قليلة، جرى التعامل معهم بوصفهم ضيوف شرف صامتين، أو قطع ديكور تزيّن بها صور المؤتمر.
كلمة الكفاءات… بلا كفاءة
بلغت المفارقة ذروتها عندما خُصصت “كلمة الكفاءات”.
كنا ننتظر – بسذاجة ربما – أن يُمنح أصحاب الخبرة الفعلية فرصة لعرض رؤاهم، أو على الأقل التعبير عن آرائهم. لكن الذي ألقى الكلمة كان شخصًا بالكاد يستطيع قراءة ما كُتب له على الورق، دون فهم، دون تحليل، ودون أي صلة حقيقية بمفهوم الكفاءة.
كانت تلك اللحظة كاشفة:
ففي عراق المحاصصة، لا يُطلب من الكفاءة أن تفكر، بل أن تصفق.
ولا يُسمح للخبرة أن تقترح، بل أن تبارك.
ثلاثة أيام… بلا نتيجة واحدة
انقضت أيام المؤتمر، جلسة تلو أخرى، بيانات عامة، خطابات مكرورة، عناوين كبيرة بلا مضمون.
لم تصدر توصيات عملية، لم تُشكَّل لجان حقيقية، لم تُفتح قنوات تواصل لاحقة مع الكفاءات المستقلة.
انتهى المؤتمر كما بدأ: ضجيج بلا أثر.
وحتى اليوم، وبعد مرور أكثر من عقد ونصف، لا أستطيع أن أستحضر نتيجة إيجابية واحدة لذلك المؤتمر، لا مشروعًا، ولا سياسة، ولا حتى نية صادقة.
المكسب الوحيد: حمودي الحارثي
الإيجابية الوحيدة التي خرجتُ بها من تلك التجربة كانت إنسانية خالصة:
لقائي بالصديق الفنان الكبير، المرحوم الدكتور حمودي الحارثي، وزوجته رحمها الله.
جلسنا معًا على الطاولة نفسها طوال أيام المؤتمر، وكانت أحاديثنا الجانبية – الصادقة والعفوية – أعمق وأكثر معنى من كل ما دار في القاعات الرسمية.
في ختام المؤتمر، وُزعت علينا حقائب تذكارية، وساعات يد لا تعمل، ودرع معدني ثقيل، بدا وكأنه صُمم ليُرهق اليد لا ليُكرم العقل.
أما “البقية”، فقد وُزعت لهم ظروف تحتوي على مبالغ مالية، جرى توزيعها بسرية شديدة، وكأننا في صفقة لا في مؤتمر.
عندها، التفت إليّ المرحوم حمودي الحارثي، بابتسامته الساخرة التي تختصر الحكمة الشعبية، وقال:
«يضحكون علينا بتكتكات فافون… وضيعوا وقتنه بدون معنى.»
كانت تلك الجملة، ببساطتها، أبلغ بيان ختامي لذلك المؤتمر.
خلاصة التجربة
لم يكن المؤتمر العالمي الأول للكفاءات العراقية في المهجر سوى مثال صارخ على كيف تُفرغ المفاهيم النبيلة من محتواها، وكيف تتحول “الكفاءات” إلى شعار، و“التنمية” إلى خطبة، و“الاستفادة من الخبرات” إلى ساعة يد لا تعمل.
لقد أرادوا منا أن نكون شهود زور على مسرحية مُعدّة سلفًا، لكن الذاكرة – لحسن الحظ – لا تزال تعمل، حتى وإن تعطلت الساعات.
2026-01-21