الخليجيون وأمريكا.. أيهما يستتر بالآخر!
اضحوي جفال محمد*
اعتاد الخليجيون منذ تشكيل دويلاتهم أن لا يدخلوا الحروب مباشرةً، حتى حرب الكويت التي ابتلعت إحدى دولهم بالكامل لم يكونوا طرفاً رئيسياً فيها، وانما خاضتها دول خارجية وأُعطوا دوراََ هامشياً يتعلق بالشكليات. فقد دأبوا على تقديم الدعم المالي والإعلامي لجهات كي تحارب بينما يقبعون هم وراء حجاب. والحرب التي قادهم فيها ابن سلمان إلى اليمن كانت حالة طارئة على سياقهم المعتاد.
أمريكا من جانبها تريد من الحلفاء أن يحاربوا نيابةً عنها وتتولى هي تقديم الدعم لهم. ولما اندلعت الحرب على إيران مؤخراً قادها الأمريكان والإسرائيليون معتقدين أن حسمها قاب قوسين او أدنى، فلما انتكسوا طلبوا من الحلفاء في الخليج واوربا المؤازرة. عندها وجد الخليجيون أنفسهم في مأزق، فهم ليسوا كفؤاََ لحروب بهذا الحجم والمستوى. لذلك عاشوا التناقض بأشد وطأته، فمن جهة ينكرون انخراطهم في الحرب ويحتجون على استهداف ايران لبلدانهم، ومن الجهة الأخرى تستبيح القوات الأمريكية والاسرائيلية أجواءهم واراضيهم في عملياتها العسكرية ضد ايران دون أن يكونوا قادرين على منعها او الحد منها ولو إعلامياََ، بل حرص ترامب في كل المناسبات على تأكيد اشتراكهم في الحرب وتقديم الشكر لهم.
وتوقفت الحرب مؤقتاً بالشكل الذي تعرفونه فانزعج الخليجيون من هذه النهاية، وسمع منهم وزير الخارجية الأمريكي روبيو لوماََ شديداً خلال اجتماعه بوزراء خارجيتهم في المنامة قبل ايام. إنصب سخطهم على أن الاتفاق منح ايران اليد الطولى في مضيق هرمز، فالسفينة الخليجية المارة عليها الامتثال للتعليمات الإيرانية حرفياً. مشكلة الخليجيين أنهم يعترضون دون تقديم البديل، يعيشون في عصر ويفكرون بعقلية عصر غادروه ولا مجال لاعادته. هنا التقط روبيو اللحظة السانحة وقال لهم: ان الممر الملاحي الرئيسي في المضيق يقع ضمن مياهكم الاقليمية، فما عليكم إلا الإعلان عن فتحه للمرور الآمن والمجاني، وادعوا السفن لسلوكه. وصدّقوا أنفسهم وأعلنوا بلسان عُمان عن ممر آمن لا يخضع للإدارة الإيرانية! وأقبلت السفن فضربتها ايران.. وأُسقط في ايديهم لأنهم لا يملكون سوى الاستغاثة بأمريكا. وأمريكا جاهزة لاغاثتهم شرط أن يتقدموا هم الصفوف ولا يتنصلوا من مسؤولية الاشتراك في الحرب، فهل هم مستعدون لذلك؟.
نص الاتفاق واضح، يقول ان فتح المضيق شامل وبدون رسوم، وبالتنسيق مع ايران!! وهذه العبارة الأخيرة لغم شديد الانفجار لا حيلة لاجتنابه. وإنّ استحداث ممر عماني يتجاهل ايران لن يعبر بسلام. أمريكا تبدو سعيدة بالاعتراض الخليجي على الهيمنة الإيرانية في هرمز، فهذي بارقة أمل أمام الادارة الأمريكية المأزومة كي تجد أخيراً من يحمل عنها أعباء الورطة تاركاً لها مهمة الدعم الذي لا يثير اشكاليات في الداخل الأمريكي. وستكون ايران أسعد بخروج أسراب الدراج من مخابئها لتكون صيداً سهلاً أمامها. فهل يُقدم الخليجيون على دخول الحلبة بعدما رأوا عياناً جولات المصارعة الكبرى فيها؟ طبعاً لا! إنهم الآن أضعف من أي وقت مضى، والحل الوحيد أمامهم هو المرور تحت الراية الإيرانية، أما احتجاجاتهم على التهاون الأمريكي فربما قصدوا منها الاستئذان لقبولهم بالأمر الواقع المجحف.
أنا استطيع تصوّر أن تذعن أي دولة خليجية، عدا السعودية، للإملاءات الإيرانية المتعسفة ضمن ترتيبات العبور. أما السعودية (العظمى) فمن اسمها ندرك مقدار الضيم الذي يعتري إقرارها بإيرانية هرمز.
لو كانت امريكا قادرة على مواصلة الحرب لما أنهتها بهذه الطريقة المذلة. اذن فالبديل ثنائية المناوشات والمفاوضات داخل حدود هذا السقف. وعلى الخليجيين أن يوطنوا أنفسهم على الدفع الرباعي للطرفين، أمريكا وايران معاََ. فهذا أقصى ما يتيحه لهم الهامش الذي تردّوا فيه.
( اضحوي _ 2402 )
2026-07-02