الكوميديا الأميركية والتراجيديا اليابانية!
نبيه البرجي
اذ احترفنا التزلج , حفاة , على الرمال , وقال برنارد لويس اننا نتزلج , حفاة , على أرصفة الغيب , دعونا نتخيّل لو قيّض لنا , كعرب , أن يكون عندنا , عام 1948 , زعيم بمواصفات كيم ايل ـ سونغ الذي فكّر لحظة تقسيم كوريا , عام 1953 , في حيازة القنبلة الذرية لمواجهة الحزام الصاروخي الذي أقامه البنتاغون في كوريا الجنوبية واليابان …
آنذاك تحدث الأوروبيون عن اصابة الرجل بـ”لوثة ترومان” , أو بـ”عدوى ترومان” , لتصف مادلين أولبرايت عائلته بـفصيلة بشرية من الدببة . من لاشيء , سوى الارادة الفولاذية , صنع القنبلة .
لطالما أشرنا الى تقرير البنك الدولي , لعام 1964 , وقد وصف فيه شبه الجزيرة بـ”المنطقة الميتة” لعدم توفر الموارد البشرية , والموارد الطبيعية , فيها . بالرغم من ذلك , بات الجزء الشمالي منها يمتلك ترسانة صاروخية هائلة , اضافة الى القنبلة الهيدروجينية , وبات الجزء الجنوبي فردوساً الكترونياً يضاهي أكثر البلدان تطوراً !
أجل , لنتخيل زعيماً عربياً , ولو قالت أولبرايت , انه ينتمي الى”فصيلة بشرية للقردة” , عام 1948 , وهو عام الهزائم الكبرى , والمرارات الكبرى , كاختبار لخروج العرب من قاع التاريخ , ان لم نقل من قاع الأزمنة . كان الملك عبدالله , سليل الأسرة الهاشمية , يلتقي بغولدا مئير , وقد تنكرت بثياب رجل , وكان رجال الملك فاروق يزودون الجيش بالمدافع الصدئة , ليتكرس مسلسل الهزائم , ومسلسل المرارات , الى أن باتت أكثرية العرب تطوف حول الهيكل بدل التطواف حول الكعبة .
نعلم ما كان حلً بأي دولة عربية حاولت الدخول الى النادي النووي , بالرغم من المسافات الهائلة التي تفصلنا عن الأمبرطورية , في حين غضت الطرف عن بناء مفاعل ديمونا , والذي استتبع انتاج نحو 300 رأس نووي , حتى اذا ما فكر جون كنيدي بايفاد بعثة تفتيش الى اسرائيل للتعرف على نشاطاتها في مجال الطاقة , أزاله الموساد من الوجود , ليدور تقرير لجنة وارن (آلاف الصفحات) في الحلقة المقفلة …
حتى ايران التي دقت , ولو تكتيكياً , ولأغراض جيوسياسية , الباب الفلسطيتي , لوحقت بلوائح العقوبات الرهيبة , من أجل برنامجها النووي , مع أن جارتها باكستان , وهي مسلمة أيضاً , تمكنت من صناعة القنبلة , لا لدعم البلدان العربية وانما لارساء التوازن مع الهند , ودون أن تبتعد دولة محمد علي جناح , ولو قيد أنملة , عن الحظيرة الأميركية .
ألم يسأل جون بولتون عما يمكن أن يحدث لاسرائيل (ولن يحدث شيء) اذا ما امتلك آيات الله القنبلة , وحيث التقاطع بين التكشيرة الايديولوجية والتكشيرة النووية ؟
في عام 1998 , أطلقت بيونغ يانغ أو صاروخ باليستي فوق الساحل الياباني . آنذاك كتبت “النيويورك تايمز” عن محاولة ثأرية قام بها كيم ايل ـ سونغ ضد الأرخبيل بعدما كان اليابانيون قد غزوا شبه الجزيرة , وخلعوا الامبراطور غو جونغ عام 1910 .
الغريب أن رئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا رجّح , ولم يجزم , أن يكون الصاروخ الأخير قد مرّ فوق بلاده , مع أن اليابان في طليعة البلدان التكنولوجية . كيف يرجح ولا يجزم , في حين أن محطات الاتصال الأميركية في الباسيفيك حددت , بدقة , مسار الصاروخ ؟
ردة فعل ادارة جو بايدن طرح المسألة على مجلس الأمن الدولي حيث “حائط المبكى” . حائط المبكى للعرب , كضحايا أبديين للآخرين , لا للأميركيين الذين يعنيهم الأمن الاستراتيجي لاسرائيل (أميركا الصغرى) أكثر مما يعنيهم الأمن الاستراتيجي لأميركا (اسرائيل الكبرى) !
غضب في اليابان من الموقف الأميركي , واستعادة لكلام ياسوناري كاواباتا , الحائز نوبل في الآداب , حيث “التماهي” بين ليل هيروشيما وليل بيفرلي هيلز …
دعوة الى دخول التادي النووي . واشنطن تخاف من ذلك “الصبي المجنون” . دونالد ترامب , صاحب شعار “أميركا العظمى” كاد يتبادل القبل مع كيم جونغ ـ أون .
الكوميديا الأميركية والتراجيديا اليابانية . لا أحد يعني البيت الأبيض , منذ هاري ترومان , سوى اسرائيل . الاخرون , أياً كانوا , أحصنة خشبية …
2022-10-17