القيادة الصارمة واطروحة الشرعية الديمقراطية!
أ.د. عامــر حسن فياض
في عالمنا المعاصر الذي يتمدد على التفاهة ويرقد على فرشات الفساد، أصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمراً صعباً، بيد أنه لم يصل بعد إلى الأمر المستحيل…
فقبل ٤٥ عاماً كانت ماليزيا البلد المتخم بالفساد والتخلف، فجاءها (مهاتير محمد) متفهماً أن الأمر بالمعروف صعب التحقق غير أنه ليس مستحيلاً، فتجنب قول ما سيفعله بل فعل ما سيقوله متسائلاً: (كيف نطلب من المواطن أن يكون شريفاً والمسؤول لصاً؟!)، مضيفاً أن الفساد يضع إنساناً فاشلاً وبلا خبرة في مكان شخص ناجح وذو خبرة، كما أن الفساد يعني إدارة المؤسسات بالواسطة والمحسوبية وليس بالكفاءات.
نعم، الدول الناجحة ليست مثالية ولكنها تتمتع بثلاث مزايا هي: مزية القيادة الصارمة الحازمة، وقانون عادل مع الجميع يطبق دون استثناء على الجميع، ومجتمع واعٍ لا يمنح للفاسدين مبررات.. هذا المجتمع يعي جيداً أن الكرسي تكليف وليس تشريف، وأن المال العام أمانة وليس غنيمة، وأن الأوطان تكبر وتتحرر عندما تصبح النزاهة سلوك حياة، سواء كانت فردية أو مجتمعية.
إن القيادة الحازمة الصارمة سواء كانت لفرد اونخبة ستقودنا إلى القبول بالمستبد إذا كانت تمارس سياسة التجهيل (أي إقصاء واستبعاد العلماء والعقلاء واحتضان الجهل وتقريب الجهلاء)، وإذا كانت تمارس السياسة الأبوية لتمرير ما يُطاع دون مناقشة أو اعتراض، وإذا كانت تمارس سياسة الإلهاء للجمهور بالمهرجانات وتفاهات بناء المشاريع الاستهلاكية المخاصمة للمشاريع الإنتاجية، وإذا كانت تمارس سياسة تشكيل قاعدة اجتماعية زبائنية تقتات وتحتكر الفضلات المسروقة من المال العام وتحمي القائد لأنها تستفيد منها.
هنا لا نريدها هكذا كما وصفناها أعلاه، بل نريدها قيادة حازمة وصارمة تعتمد سياستها على التجسير المتفاعل لثلاثية: (المواطن – المجتمع – السلطة الدستورية)، وهذا التجسير المتفاعل هو القابلة المأذونة لحكم صالح يقوم على اساس الشرعية الديمقراطية والمستمرة، المستندة إلى عنصرين هما: عنصر (الرضا والقبول) بالانتخابات، وعنصر استمرار الرضا والقبول بالمنجزات عبر التقدم بمسارين هما: مسار ضمان وتنظيم ومأسسة الحقوق والحريات لتمكين ممارستها، ومسار تحقيق العدالة الاجتماعية لمكافحة آفات الفقر والبطالة والفساد.
وعليه، فإن خارطة التفكير السليم بقيادة حازمة صارمة لها القدرة على بناء حكم صالح لا بد أن تقوم على شرعية ديمقراطية.
فمن حيث المبدأ: انشغلت أدبيات علم السياسة المعاصرة بأطروحة ديمومة شرعية السلطة والحكم المنتخب. وتلك الأطروحة تفيد، باختصار، أن الشرعية تبدأ بالانتخاب ولا تتكامل به فقط، كما أنها إن بدأت بالانتخاب لا تدوم إلا بشرط تجددها المتأتي من استمرار رضا وقبول الشعب (مصدر السلطات) عن مهمات ووظائف ومنجزات قيادتها ومؤسساتها الدستورية، عندها نلمس الحزم والصرامة لقيادة لا تشخصن المناصب بل تعمل بحزم وصرامة على مأسسة المناصب.
2026-07-21