القنابل العنقودية الأمريكية إلى أوكرانيا تصعيد ضد الإنسانية!
توفيق سلام
تحوّلت حرب أوكرانيا بعد 16 شهرا على نشوبها إلى حرب بلا نهاية، وقد تؤدّي الى إعصار جيوسياسي هائل، ربما يعيد رسم خريطة العالم على غير ما نعرفه اليوم. وكما صنعت أحداث كبرى في التاريخ، مثل الثورة الفرنسية، أو الحربين العالميين، أو سقوط جدار برلين، تحوّلاتٍ مفصلية على أصعدة مختلفة، فإن حرب أوكرانيا مرشّحة هي الأخرى لإحداث تغييرات جوهرية في التوازنات الدولية، لتشكيل عالم التعدد القطبي الذي بدأ للتو بالتزامن مع الحرب الأوكرانية، ليصبح ظاهرة كونية حتمية وضرورية في التحولات الجديدة، تتخطى مفاهيم الليبرالية والاستعمار الجديد لاحتلال العالم.
فهل ارسال القنابل العنقودية إلى أوكرانيا، سيغير من طبيعة المعركة، بعد فشل الهجوم الأوكراني المضاد على هذا النحو من التصعيد الأمريكي خارج سياق حظر استخدام هذه الأسلحة المحرمة دوليا، التي رفضت واشنطن التوقيع عليها في اتفاقية أوسلو 2008 ؟
إرسال القنابل قرار تصعيدي
قرار البيت الأبيض إرسال ذخائر عنقودية إلى أوكرانيا هو قرار تصعيدي خاطئ، ومحل انتقاد دول العالم والمنظمات الحقوقية والإنسانية. قالت المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، مارتا هورتادو “استخدام مثل هذه الذخائر يجب أن يتوقف على الفور، وأن لا تستخدم في أي مكان”، من جانبه انتقد سفير روسيا لدى الولايات المتحدة قرار بايدن، ونقلت وكالة تاس الروسية للأنباء عن أناتولي أنتونوف قوله إن “القسوة والسخرية التي تعاملت بها واشنطن مع قضية نقل الأسلحة الفتاكة إلى كييف أمر غريب”، وأضاف: “الآن بسبب خطأ الولايات المتحدة، سيكون هناك خطر لسنوات عديدة، بأن المدنيين الأبرياء سيتم قتلهم بواسطة الذخائر العنقودية”. واتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الولايات المتحدة وحلفاءها بخوض حرب موسعة بالوكالة في أوكرانيا. وأكد بوتين أن لدى جيشه مخزونا كافيا من القنابل العنقودية المختلفة الأنواع، متوعدا باستخدامها على الجبهة في أوكرانيا في حال استعملت كييف هذه الأسلحة التي تسلمتها من الولايات المتحدة، وأضاف “حتى الآن، لم نستخدمها، لم يكن هناك ضرورة لذلك، رغم أننا واجهنا نقصا معروفا في الذخائر في وقت ما”. وتدارك “ولكن إذا تم استخدامها ضدنا، نحتفظ لأنفسنا باتخاذ إجراءات مضادة”، وأوضح بوتين أن “الجيش الاوكراني يستعمل يوميا ما يصل من خمسة آلاف إلى ستة آلاف قذيفة عيار 155 ملم، والمعروف أن الولايات المتحدة تنتج 15 ألف قذيفة مماثلة كل شهر. وليس لدى الأمريكان ما يكفي، وأوروبا أيضا ليس لديها ما يكفي، لا شيء يقترحونه أفضل من استخدام القنابل عنقودية”، لمحاولة كسر الجيش الروسي.
زيلينسكي يرحب بالدعم العسكري
وعلى العكس من ذلك شكر الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي نظيره الأمريكي على حزمة المساعدات العسكرية الواسعة، التي تبلغ قيمتها نحو 800 مليون دولار، ووصفها بأنها “مطلوبة بشدة وجاءت في الوقت المناسب”. وقال عبر موقع تويتر إن ذلك “سيجعل أوكرانيا أقرب إلى النصر على العدو، والديمقراطية أقرب إلى النصر على الديكتاتورية”، حسب تعبيره، بالرغم أن الحكومة الأوكرانية حكومة متطرفة. في الأسبوع قبل الماضي، قال القائد العام للجيش الأوكراني فاليري زالوجني إن الهجوم الأوكراني المضاد على القوات الروسية تعثر بسبب الافتقار إلى القوة النارية الكافية، وأعرب عن إحباطه من بطء تسليم الأسلحة التي وعد بها الغرب.
وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، كولين كال، إن تزويد أوكرانيا بذخائر عنقودية سيجعل “الروس يعرفون أن الأوكرانيين سيبقون في اللعبة” عندما يتعلق الأمر بالحرب، ومع كل هذه النعرات الصبيانية الطائشة باستخدام الأسلحة العنقودية التي قوبلت بانتقادات لاذعة من جماعات حقوق الإنسان لمثل هذا القرار، حيث قالت منظمة العفو الدولية إن الذخائر العنقودية تشكل “تهديدا خطيرا لأرواح المدنيين، حتى بعد فترة طويلة من انتهاء النزاع”.
وقال تحالف “الذخائر العنقودية الأمريكية”، وهو جزء من حملة المجتمع المدني الدولية التي تعمل على القضاء على هذا النوع من الأسلحة، إنها “ستسبب بمعاناة أكبر، ولعدة عقود قادمة”. وكان رد فعل المشرعين الأمريكيين في الكونغرس على قرار إرسال ذخائر عنقودية إلى أوكرانيا متباينا، حيث وصفه بعض الديمقراطيين بأنه “مقلق” و”خطأ فادح”. لكن آدم سميث، وهو عضو ديمقراطي في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب، له وجهة نظر مختلفة إذ صرح لوسائل إعلام إن البيت الأبيض اتخذ “القرار الصحيح”، وقال: “إن التأكد من أن الأوكرانيين يمكنهم استعادة أراضيهم هو أحد أهم الأشياء التي يمكننا القيام بها، للمساعدة في تقليل الخسائر في صفوف المدنيين”.
وفي بيان مشترك، قال زعماء جمهوريون في لجنتي الشؤون الخارجية في مجلسي النواب والشيوخ إن تحرك الرئيس بايدن سيسمح للقوات الأوكرانية “باستهداف القوات الروسية والقضاء عليها بشكل أكثر كفاءة”. بينما تلتزم أكثر من 120 دولة باتفاقية حظر الذخائر العنقودية، ووافقت على عدم استخدام، أو إنتاج أو نقل أو تخزين مثل هذه الذخائر، لكن الولايات المتحدة وأوكرانيا ليسوا أطرافا في الاتفاقية.
صحيفة الغارديان البريطانية علقت على استخدام الولايات المتحدة القنابل العنقودية، في عدة بلدان من العالم. وأشارت الصحيفة البريطانية إلى مقتل وإصابة عشرين ألفا من اللاوسيين، نصفهم تقريبًا من الأطفال، بسبب القنابل غير المنفجرة منذ انتهاء حرب فيتنام، وأضافت أن “نصف قرن مر على وقف الولايات المتحدة قصف لاووس، بعد أن أسقطت أكثر من مليوني طن من القنابل العنقودية، وبعد عقود، لا يزال هؤلاء الذين لم يكونوا قد ولدوا في ذلك الوقت يدفعون الثمن اليوم. بينما تشير تقديرات إلى أن الأمر قد يستغرق مائة سنة أخرى لتطهير البلاد بالكامل من تلك القنابل، وأشارت الصحيفة إلى أن هذا هو الثمن الحقيقي لاستخدام القنابل العنقودية، فهي ليست فقط عشوائية يتم استخدامها لإمطار مساحات شاسعة من الأراضي بمئات القنابل الصغيرة، لكنها تركة كارثية قاتلة يرثها هؤلاء الذين لم يكن لهم وجود في وقت الحرب لعشرات السنوات بعد انتهائها، والتي قد تفضي بهم إلى الموت أو الإصابات البالغة بسبب القنابل غير المنفجرة، وذكرت الصحيفة أن هذه الطبيعة الكارثية لهذا النوع من الأسلحة، الذي يتجاوز ضرره الحرب إلى أجيال طويلة بعدها، هي التي دفعت حوالى 120 دولة للتوقيع على اتفاقية حظر القنابل العنقودية واستخدامها وإنتاجها ونقلها وتخزينها وجميع الأنشطة المرتبطة بها”. هذا فضلا عن استخدام الولايات المتحدة لهذا النوع من القنابل ضد العراق، وفي يوغسلافيا وافغانستان.
القنابل العنقودية
القنبلة العنقودية الواحدة عبارة عن حاوية تحوي ما قد يصل إلى ألف قنبلة صغيرة، ما أن تنفجر هذه الحاوية حتى تنطلق القنابل الصغيرة باتجاهات مختلفة، لا تميز بين البشر والحجر، وتنتشر على مساحات واسعة أشبه بعمليات القصف العشوائي، وعند ارتطامها بالأرض أو بأي جسم آخر من المفترض أن تنفجر القنابل الصغيرة، ولكن نسبة كبيرة تصل إلى 40% منها لا تنفجر فورا، خاصة إذا هبطت على أرض رطبة أو ناعمة، أو رخوة، مما يبقى خطر انفجارها قائما في أي لحظة بمجرد إلتقاطها، أو دهسها من شخص ما، مما تتسبب بقتل الكثيرين أو تشويه أجسادهم، وغالبا ما يكون الأطفال هم أكثر الضحايا. وهي بهذا تشابه طريقة عمل الألغام الأرضية وتتسبب بكوارث مشابهة في المناطق التي أسقطت عليها، مما يجعل الكثير من المناطق المستهدفة غير صالحة للعيش ما لم يتم تطهيرها من هذه المتفجرات، لأن نسبة عدم الإنفجار في هذه القنابل كبيرة وتزداد مع تقادمها ويمكن إطلاقها من الطائرات أو المدافع أو راجمات الصواريخ أو من البحر. وما يهمنا هنا أن القرار الأمريكي جاء يائسا، ودليلا واضحا على الفشل التام للهجوم الأوكراني المضاد، وتخشى أمريكا من هجوم روسي مباغت يصل إلى كييف، ويفرض سلاما كما تراه روسيا، وبذلك تنكسر شوكة أمريكا والغرب، وهذا النوع من القنابل لا يخدم القوات الأوكرانية المهاجمة فتأثيره فاعلا فقط في حالة الاعتراض على القوات المهاجمة، فقد يؤدي إلى خسائر بين صفوف المهاجمين ويعيق تقدم القوات المهاجمة، لهذا السبب قد يكون لهذه القنابل أثر محدود في الهجوم الأوكراني المضاد، لكن الخطورة تكمن هنا بأن نظام كييف سوف يستخدم هذا السلاح ضد السكان المدنيين، مثلما استخدم صواريخ ستورم شادو، وفي الحالتين، سيدفع هذا بالقوات الروسية على الرد بالسلاح المماثل، وهو أكثر فاعلية وتنوعا.
يرى محللون، ربما يكون هذا القرار الأمريكي هو القرار الأخير قبل إستسلام وإنهيار القوات الأوكرانية أمام استخدام روسيا أسلحتها العنقودية بشكل أوسع، إذا لم تتراجع أمريكا عن إرسال هذا النوع من القنابل بشكل منفرد عن دول الناتو التي أعلنت رفضها إرسال هذا النوع من الذخائر، لأن بعض دول الناتو موقعة على الإتفاق الدولي الذي يجرم هذا النوع من القنابل، فمتى تتوقف أمريكا وإسرائيل ومعهما الغرب عن إرتكاب جرائم ضد الإنسانية خارج نطاق القيم التي تتدعي أمريكا والغرب أنهم يتبنوها وينادون بها ؟ بالأمس القريب شاهد العالم كيف تعاملت فرنسا مع المحتجين، ونكلت بهم، وزجت بأعداد هائلة في السجون، بدرجة لم تحدث من قبل في أي دولة أخرى، ومع ذلك تعترض على قرارات الأمم المتحدة المنددة بالعنف الفرنسي، وفي السويد أيضا تمنع الحكومة حرق علم المثليين، لأن ذلك يجرح شعور الناس، بينما تسمح بحرق نسخة من القرآن الكريم، ولا تهتم لمشاعر ملياري مسلم، وهذا يجسد حقيقة الغرب، فلم يعد هنالك مجالا لإخفاء ظلم واستبداد بعض الدول الغربية….!
وآخر القول فإن التصعيد الامريكي – الأوروبي لدعم أوكرانيا، أخذَ مؤخّرا يتزايد بشكل كبير، وعلى عدة أوجُه، أبرزها:
قرار بريطانيا بتزويد أوكرانيا بذخائر تحتوي على اليورانيوم المُنَضّب(أو المُستنفَد)، وهذا تصعيد خطير في فتح أسلحة فتاكة، إذ ستضطر روسيا لاستخدام ذات السلاح.. وقد استخدمت الولايات المتحدة هذا السلاح في عدوانها، على أبواب بغداد عام 2003 فكانت الدبّابة تنصهر بالكامل. وفور ذلك عقب فشل الهجوم الأوكراني المضاد جاء القرار الأمريكي بتزويد أوكرانيا بالقنابل، أو الذخائر العنقودية، المُحرّمة دوليا، لخطورتها على المدنيين.. وهذا الأمر أثار حفيظة الدول المناهضة للذخائر العنقودية، بما فيها حلفاء أمريكا في الناتو.. وهو انتهاك صارخ لاتفاقية أوسلو بشأن الذخائر العنقودية المُوقّعة عام 2008، والتي لاتقلُّ خطرا عن أسلحة الدمار الشامل الكيماوية.. لأن هذه عبارة عن عبوات تحوي كلاٍّ منها مئات القنابل الصغيرة، وحينما تُرمى، لا تنفجر جميعها، فتبقى أخطارها قائمة على المدنيين إلى أن تتمّ إزالتها..
فالولايات المتحدة لا تلتزم بأي اتفاقات دولية، وأي قانون دولي، في حروبها.. المهم أن تكسب أخيرا…!
قرار البرلمان الأوروبي يوم الجمعة 7 تموز/ يوليو، والدول الأعضاء، بإنتاج ذخيرة بقيمة نصف مليار يورو، لتعزيز ترسانات الدول الأوروبية، وترسانة أوكرانيا.. يندرج في سياق التصعيد، وتوسيع جبهة الحرب، هذا فضلا عن قرار الولايات المتحدة مُجدّدا تقديم مساعدات عسكرية بقيمة 500 مليون دولار، تُسحَبُ مُباشرة من مخزون وزارة الدفاع، وتشمل دبابات ومنظومات دفاع جوي، وغيرها..
بالاضافة إلى موافقة واشنطن على تزويد أوكرانيا بطائرات إف 16، ولكن من الموجودة لدى حلفائها الأوروبيين، وليس منها مباشرةَ، في إطار برنامج تدريبي يتم الإعداد له لتدريب الطيارين الأوكران على استخدام الطائرة F16 التي يمكنها حمل رؤوس نووية.
وأخيرا موافقة الإتحاد الأوروبي مؤخّرا على حزمة عقوبات جديدة ضد روسيا، الحزمة رقم 11 .. كل هذا، لا يُمكن أن ينظَر له سوى تصعيدا للحرب وربما قد تنزلق الأمور إلى مآلات لا يحمد عقباها…!
2023-07-18