تلازم القضية الوطنية والحركة الثورية (لا وجود لأي منهما في غياب الأخرى)، يمنح الحركة الثورية شرعيتها، ويحدد هويتها ومهامها. فلا شرعية لحركة “ثورية” إذا لم تناضل من أجل قضية وطنية واضحة، ولا وجود لقضية وطنية لا تحملها حركة ثورية. إلا أن بعض الدعوات السياسية التي تكتسب هويتها من اسقاطات فكرية وسياسية غير علمية، وغير ديمقراطية، وتقدم خدمات مجانية للمستبد الفاسد وعائلته وحواشيهم، حيث أنها تربك -بشكل مقصود ومنظم- الحوار الوطني، وتحول دون توضيح القضية الوطنية الأردنية. وأخطر هذه الدعوات هي التي تكرس خطوط الانقسام الوهمية التي رسمها المستبد الفاسد بين مكونات الشعب الأردني.
التناقض الموضوعي ليس بين مكونات الشعب الأردني، بل بين الاستبداد والفساد من جهة والشعب الأردني بكل مكوناته من جهة أخرى. الأطروحات السياسية التي ترى مكونات الشعب أعداء لبعض (على افتراض حسن النية، وأنها ليست مرتبة مع المستبد الفاسد وادواته)، إما أنها تعبير عن خوف من دفع ثمن الاصطفاف إلى جانب الشعب في تناقضه الموضوعي مع المستبد الفاسد، أو عجز فاضح عن المساهمة في تدعيم وحدة الشعب وحمايتها.
اعتبار أن مكونات الشعب الأردني أعداء لبعض، هي خدمة مجانية للمستبد الفاسد الذي يستعمل وسائل وتكتيكات استعمارية لتفريق وحدة الشعب الأردني، وتهديد السلم الأهلي، واجترار لمضامين فاشية غير مقبولة سياسياً وأخلاقياً، وتتنافى مع أبسط قواعد الديمقراطية، وتعكس فهماً ضحلاً لفكرة الدولة وآليات عملها. يضاف إلى ذلك أن تقسيم الشعب على أساس قطاعي (عمودي، وليس طبقة أو شريحة)، اسقاط غير علمي للتصورات الماركسية على المشهد الوطني الأردني، التي ربطت الانقسامات الاجتماعية (على أسس طبقية) بحيث تتميز كل طبقة بمصالح واضحة.
وبالرغم من اعتماد المستبد الفاسد وعائلته تقسيم العمل على أساس إقليمي وعرقي منذ فترة طويلة، إلا أن شبكات المصالح، وآليات التشكل الطبقي عابرة لخطوط الانقسام العمودية والإقليمية. كما أن الاستبداد والفساد يعمق فقر الفقراء، ويعيق فاعلية الرواد الاقتصاديين، أو ما يعرف بالأدبيات الماركسية بالرأسماليين أو “أصحاب الأعمال”، كما تسميهم الأدبيات المعاصرة، أو” رواد الأعمال” كما وصفهم عالم الاقتصاد النمساوي جوزيف شومبيتر. وهذا يعني أن هناك مصلحة مشتركة لكل مكونات الشعب الأردني، بكل طبقاته وقطاعاته، في التخلص من الاستبداد والفساد. فالجميع رأسماليين وفقراء وعمال، تنتهك حقوقهم ويعانون من آثار نهب الموارد وتبديدها.
وعليه فإن الخطاب الذي يعبر عن القضية الوطنية الأردنية بمكوناتها الأربعة: (مبادئ عامة بديهية توضح القواعد التي يجب أن تمارس بموجبها السلطة، ووقائع تكشف مدى الانحراف في ممارسة السلطة عن هذه المبادئ البديهية، ومسارات نضالية من أجل رد الأمور إلى نصابها، وصورة واضحة للمستقبل)، يجب أن يؤكد على وحدة شعبنا، وأن يقدم صورة واضح لدولة المستقبل الحقيقية التي ستعبر عن الضمير المشترك للشعب، وتخدم مصالح كل مكوناته. فالحركة الثورية التي تكتسب هويتها من قضية وطنية مركزية، تتكرس شرعيتها عبر كل مكونات شعبنا وليس عبر قطاع منه.
من جهة أخرى، القضية الوطنية الأردنية لا يمكن اختزالها بالتخلص من المستبد الفاسد، باعتباره العقبة التي تمنع بناء الدولة الحقيقية. إذا أن غياب كل مكونات القضية الوطنية عن الحوار الوطني الأردني، يزيد من مخاطر تحول بعض أصحاب الدعوات الإقليمية إلى مجرد “وسيلة تفكيك” لمنظومة الاستبداد الراهنة، وتهيئة المناخ السياسي المحلي لإخضاع الشعب لمستبد فاسد جديد، بدلاً من أن تكون رافعة لتحرير الشعب وتمكينه من استرداد دولته وبناء الدولة الحقيقية وضمان استقلال الضمير المهني لمؤسساتها.
أخيراً، فإن على الحركة الثورية التصدي لكل الأطروحات المشبوهة، وبالذات تلك التي تهدد السلم الأهلي وتجعل من مكونات شعبنا أعداء لبعض، وتعيق تشكل قضية وطنية واضحة، وحركة ثورية لها منطلقات ومآلات مشتركة. فتوحيد الحركة الثورية الأردنية، لا يتحقق بوحدة التنظيم، بل تكريس فكرة مشتركة توحد مسير السواعد، وتؤسس لتوافقات تاريخية تجعل من تعدد المسارات والوسائل والأدوات، اغناء لمسيرة نضالية عظيمة لاسترداد الدولة سلطة وموارد وبناء الدولة الحقيقية.