مرارة الواقع والشكوى منه لا تكفي لتأسيس ثورة. كل ثورة تحتاج إلى فكرة تمكن من تجاوز الواقع وبناء الواقع البديل، ومهمتها المركزية الثانية هي الحفاظ على وحدة المجتمع، اثناء انتقاله من اللحظة الراهنة إلى الواقع البديل، فلا يمكن السيطرة على حالة عدم اليقين التي تترافق مع المراحل الانتقالية، دون فكرة واضحة تحدد المسارات والمآلات.
تاريخ تطور الفكر الإنساني يقدم العديد من الأدلة على أنه لا يمكن التخلص من الأفكار الخاطئة إلا بحضور الفكرة الصحيحة. إذ تبقى الفكرة الخادعة والخاطئة مسيطرة وتقود وتوجه الفعل الإنساني الفردي والجماعي في كافة المجالات، حتى تتطور “الفكرة الصحيحة” وتنضج وتأخذ موقعها في الوعي وطريقة التفكير، وتصبح هي القائد والموجه للفعل الإنساني.
وفي تاريخ العلم والفكر، استعان فرانسيس بيكون بفكرة التشابه والاختلاف بين العقل الإنساني وبين “اللوح”. واستناداً لهذا النموذج التوضيحي قال بيكون، أنه لا يمكنك أن تكتب على اللوح “حقيقة جديدة”، إلا إذا قمت بإزالة “ومحي” الخطأ المكتوب عليه في السابق. إلا أن العقل الإنساني مختلف، فلا يمكنك محو الأخطاء المكتوبة عليه سابقاً إلا إذا قمت بكتابة الحقيقة البديلة. ممحاة الأفكار القاصرة والخاطئة هي الفكرة الجديدة، وهو ما برر عبارة “كل حقيقة هي خطأ مصحح” التي أطلقها فيلسوف العلم الفرنسي جاستون باشلارد في خمسينيات القرن الماضي. فحضور الحقيقة البديلة هي الوسيلة الوحيدة لتخليص العقل الإنساني من أن يبقى أسيراً للخطأ والجهل والخديعة والاستبداد.
المختلف في مسير الفكرة الثورية بين العلم والسياسة هو دور المجتمعات. العلماء يطورون فكرتهم ويخوضون معاركهم في المختبرات وقاعات الحوار في الجامعات ومراكز الدراسات، وكلها سياقات معزولة عن الحياة العامة، وإن كانت نتائجها ذات أثر حاسم على شكل الحياة وطرائقها. اما الفكرة الثورية البديلة في السياسة فهناك حالة “اشتباك إنساني” مختلفة، تربط بين التخلص من الخداع والتضليل ومجمل مكونات الفكرة القديمة الخاطئة، وبين حضور الفكرة البديلة. الفكرة البديلة في السياسة تتطور وتنضج عبر مسارات معقدة وسلسلة طويلة من المساومات والمصادمات، وصولاً إلى طرح الفكرة الحاسمة والنهائية التي تمثل قطيعة بين الواقع الراهن وبين المستقبل.
ففي كل الثورات (ومن أبرزها الثورة الإسلامية في القرن السابع الميلادي) حضرت فكرة التوحيد البديلة بكامل زخمها واستحقاقاتها منذ لحظتها الأولى، المتمثلة بنزول الوحي وإعلان الشهادتين، لتنهي مخاض طويل من المساومات بين حركات دعاة التوحيد، مثل حركة الاحناف وزعيمها عبد الله بن جحش، وبين الوثنية. وبدلاً من المساومات حول الفكرة، التي ميزت مرحلة ما قبل الإسلام، تميز الإسلام بالاشتباك المباشر لتحقيق النصر النهائي عبر سلسلة من المناورات، لإدارة الانتصارات والانتكاسات المكونة للنصر الكبير، وصولاً إلى فتح مكة وتدمير الأصنام وإنشاء منظومة سياسية اجتماعية بديلة.
كذلك في أولى ثورات العصر الحديث، ثورة الاستقلال الأمريكي، جاء إعلان الاستقلال بعد سنين من المساومات بين سكان الولايات مع الحكومة البريطانية، التي قاتلوا في صفوف جيشها ضد فرنسا في حرب السنوات السبع 1756-1763. رفضُ الملك للمطالب لم يؤد لاختفائها، بل أدى إلى تحول سكان الولايات من جنود في صفوف الجيش البريطاني إلى ثوار ضدها، واعُتبر تجاهل لندن لـ “عريضة المطالب” مبرراً كافياً، ومستند وافياً لاستكمال الفكرة الثورية بإعلان الاستقلال في تموز 1776.
الملك جورج الثالث، كان يعتقد أن تفوق بريطانيا في ميزان القوى العسكري، في مواجهة سكان المستعمرات سينهي أي تمرد لهم، فلم تتوفر لديه تجارب تاريخية كافية (كما هو الحال الآن) تساعد على فهم أخطر ميزة للصراعات الثورية، وهي ان “فكرة التغيير الثوري” نفسها تستحضر ديناميكا استثنائية لتعديل موازين القوى وتغييرها، إذ تنطلق الفكرة في ذروة تفوق الحاكم وتنتهي بقطع رأسه على المقصلة.
والأردن الذي يقف في مواجهة الملك عبد الله الثاني وعائلته، الذين ينهبون الموارد ويركزون السلطة بين أيديهم، مر بطريق طويل من المساومات، بحثاً عن فرصة لتجنب المسارات الثورية الخطرة. إلا أن لجوء الملك للكذب والخداع، وتعديل الدستور لتركيز السلطات بين يديه، وهو يتحدث عن الإصلاح والديمقراطية، نسف كل فرص الثقة بكلماته ووعوده. فالملك الذي يتجاوز خطوط الكذب والخداع، يضع المجتمع امام خيار واحد، هو تطوير الفكرة الثورية وتقديمها، لتخليص الشعب من الاستبداد والفساد، وكل الخداع المصاحب لهذه الممارسات الشائنة التي لا تليق بالملوك.
إن الأساس الموضوعي للفكرة الثورية مستند إلى أربعة عناصر أساسية: الأولى هي المبادئ التي تجعل منها فكرة إنسانية عامة تكتسب بداهتها من حضورها، والثانية هي المظالم التي يعاني منها الشعب بسبب ممارسات الحاكم، والثالثة هي شكل الدولة البديل، والقواعد الناظمة لممارسة السلطة فيها، لصياغة توقعات الأفراد والجماعات من دولتهم الحقيقية البديلة لدولة الاستبداد والفساد التي تحكم الآن، والرابعة هي الطريقة او المسار للتخلص من الظلم وبناء الدولة الحقيقية. ويترافق نجاح الثورات مع عجز الحاكم من استيعاب منجزات التقنية من جهة، وتوفر جيل جديد من “نشطاء التغيير” قادر على استعمالها والتكيف مع آثارها الاجتماعية.
أخيراً، من الضروري التأكيد على أن الثورة تبدأ من تحرير شعاراتها وفكرتها من المساومات، إن المناورات متعلقة بالمسارات النضالية العملية وليس بالفكرة. والمصدر الحقيقي لقوة الحركات الثورية هو تداعي شرعية الحاكم، وهو ما يحوله لنمر من ورق عاجز عن تعبئة قوى الاستبداد ضد قوى التحرر والتغيير، وعليه فإنه من الضروري الاستمرار بكشف غطاء الشرعية عن الحاكم، وتعزيز شرعية الموقف والمشروع الثوريان بالحفاظ على فكرتهم نقية وواضحة.