العولمة بين ايجابياتها وسلبياتها على مجتماعتنا!
رنا علوان
عندما نستهل بالحديث عن العولمة ، يصعُب علينا حصرها او تأطيرها لشدة تشعبها
ان الهوية الثقافية ، هي تعريف للقيم التي يتميز بها [ مجتمع ما ] تبعًا لخصوصياته التاريخية والحضارية ، وكل شعب من الشعوب البشرية ينتمي إلى ثقافة معينة ، يمتاز بها عن غيره ، وهي كيان يتطور باستمرار ويتأثر بالهويات الثقافية الأخرى ولهذه الأخيرة مستويات ثلاث هوية فردية ، هوية جماعية ، هوية وطنية
لكن بإمكننا القول ، ان الإطار الفكري أو الثقافي لأفكار دعم الرأسمالية يعمل بدأب على إقناع الشعوب ، بموافقته للعقل لأنه يحقق رغبات الأفراد بحرية مطلقة
إن فكرة العولمة متجذرة [ منذ خمسة قرون تقريبًا ] بظهور فكرة الدولة القومية محل فكرة الإقطاعية
وهي مسار انفتاح شعوب العالم اقتصاديًا وثقافيًا على بعضها البعض ، حيث يتم تصدير الثقافة الى جانب الموارد
إذًا هي ظاهرة [ التداخل والتبعية المتبادلة اقتصاديًا بين شعوب العالم ]
ومع زيادة التقدم ، ظهرت الشركات المتعددة الجنسيات ، وحلت فى مجال السوق محل الدولة تدريجيًا ، حتى اضحى العالم كله سوقًا واحدة مترامية الأطراف ، وهذا بالطبع زاد من حظوظ العملات المهيمنة من ناحية التعويم عبر التداول من خلالها ، كما أحدث رأس المال الدولي العائم آثارًا هائلة على السلامة الاقتصادية والاستقرار المالي للبلدان النامية
ولقد وفرّت العولمة للشركات ميزة تنافسية من خلال السماح لهذه الشركات بالحصول على المواد الخام بطريقة غير مكلفة ، وأتاحت للمنظمات الفرصة للاستفادة من انخفاض تكاليف العمالة في البلدان النامية ، مع الاستفادة من الخبرات الفنية وتجربة الاقتصادات الأكثر تقدمًا
اما المستلك فمن جهته استفاد ، من تقليل تكلفة التصنيع ، هذا يعني أنه يمكن للشركات تقديم سلع بسعر أقل للمستهلك ، حيث يُعد متوسط تكلفة البضائع جانبًا رئيسيًا يساهم في رفع مستوى المعيشة ، كما يمكن للمستهلكين أيضًا الوصول إلى مجموعة متنوعة من السلع
ولقد اختلفت الأراء بين من كان يدعو إلى العولمة والأخذ بها ، وبين من يُحذّر منها ، لٍمَ قد تشكله من خطر على هويتنا وثقافتنا
لأنه لا يمكن تجزأتها ، حيث يجب الأخذ بها بجميع نواحيها
وما حدث هو ان مجتمعاتنا العربية سريعة التأثر بالغرب ، ولا تقوم بغربلة ما يتم تصديره لنا ، دائمًا يُشعرنا الغرب بالدونية حتى بتنا نصدق هذا ، مع ان عصر التنوير الذي يتباه به الغرب ، ما حصل عليه لولا نهبه لأرضنا [ لقد كنا خير أمة أُخرجت للناس ]
كانت الحداثة في ربوعنا ، كان الطب والثقافة (من علوم وادب ، وكانت العديد والعديد من الاختراعات ، بينما الغرب كانوا في ظلامهم يعمهون ، فما الذي مكنهم منا ؟!؟
لا بأس فما مضى قد مضى ، ولكن يتعيّن علينا مواجهة تحديات العولمة والتركيز على وجهها الإيجابي ، وخاصةً أننا بتنا في خضمها فلقد أدت العولمة إلى فقدان التوازن بين القيم المادية والروحية والإنسانية من خلال الصراع بين الإيديولوجية والتكنولوجية
كما خلقت (ازدواجية المعايير) في طبيعة التعامل مع المواقف والصراعات المحلية والإقليمية
ناهيك عن انها فرضت شكلاً من أشكال التبعية الاقتصادية من قبل مراكز العولمة الاقتصادية ، لذلك أثرت العولمة في المسيرة التنموية لبعض المجتمعات والبلدان النامية
أولاً ، يجب الإنتباه الى أهمية الإعلام فهو بمثابة ( السلطة الرابعة ) ، والعمل على خلق [ إعلام واعٍ غير مدسوس ] ، يهدف الى بناء الإنسان العربي الواعي والقادر على أن يكون فاعلاً فى حوار الثقافات ، ومصونًا ضد أخطار العولمة ، نابذًا بذلك كل ما هو شاذ عن مفهومما الأخلاقي ، ومحافظًا على هوية الأمة وقيمها
ثانيًا ، التعرف على العولمة الثقافية ، والكشف عن مواطن القوة والضعف فيها بغية بلورتها ، من خلال دراسة سلبياتها وإيجابياتها برؤية منفتحة ، غايتها البحث والدراسة العلمية ، وفى نفس الوقت نعرّف تلك الثقافات العالمية بما لنا من تراث وتقاليد وقيم اجتماعية عريقة
ثالثًا ، بصياغة استراتيجية عربية للتعامل مع العلم والتكنولوجيا الحديثة ، وإعادة النظر فى المناهج الدراسية والجامعية على نحو يهدف إلى تأصيل الملامح الحضارية فى الشخصية العربية لمواجهة التحولات
ختامًا ، نجد انه كيف غدا مع العولمة أي أمر يحدث في أي مكان في العالم كأنه يحدث على مرآى من كل منا ، وقد خلق ذلك إنطباع [ أنه في متناول أيدينا ] نطلع عليه ونتأثر به كما نؤثر فيه أي نتفاعل معه
لذلك بتنا نرى أن سكان الكرة الأرضية بمجملهم تقريبًا يتأثرون في اللحظة نفسها ، مع حدث يحصل في مكان بعيدًا عن معظمهم
لذلك أصبحت الكرة الأرضية تسمى بـ “القرية الكونية” هذا هو المصطلح الذي يستعمل عادة كرمز للعولمة Globalisation
ومن يعتقد أن العولمة هي عبارة عن [ الكمبيوتر والكابل وغيرها ، من التكنولوجيا عليه ألاّ ينسى أن هناك ثقافة مرتبطة إرتباط وثيق بهذه التكنولوجيا
ومن يعتقد أن العولمة ما هي إلا غزو غريب لحضارتنا وغزو من سلع جديدة لسوقنا المحلية ، يمكنه أن يرى أن هذه العولمة تسمح لحضارتنا بالوصول والإنتشار لدى حضارات أخرى ، وتسمح أو تلزم حضارة بالمقابل كالحضارة الصينية مثلًا ، ألا تبقى محجوزة داخل سور الصين العظيم
نعلم أن كثيرين ومنهم توماس فريدمان في كتابه الصادر عام 1999 [ سيارة الليكساس وشجرة الزيتون ] إعتبروا أن العولمة انطلقت في اللحظة التي تمّ فيها هدم جدار برلين
إذن ، التكنولوجيا هي كل ما يسمح بتوسيع الأفق لحواس وقدرات وطاقات الإنسان لمدى بعيد جدًا عنه
والعولمة هي إستخدام وتوظيف ذلك على مستوى العالم أو الكرة الأرضية
لذلك علينا قدر الإمكان ، التمكن من تلك التكنولوجيا وتسخيرها ، بدلاً من أن نكون أسرى لها ، ولا طريق آخر غير هذا لتأمين الحد الأدنى من الحصانة والسيادة والاستقلالية في مواجهة رياح العولمة العاتية
2023-07-24