العقل الأداتي تحت النار: الحروب وفخ الأزمات المركّبة في النظام العالمي!
غانية ملحيس
أولا: مأزق حضارة الحداثة الغربية المادية*
العقل الأداتي الذي حكم الحداثة المادية، والقائم على تحويل العالم إلى منظومة موارد قابلة للإدارة والسيطرة، يجد نفسه اليوم أمام حدود قدرته على إنتاج الاستقرار الذي وعد به. فبدلا من نظام عالمي مستقر تقوده السوق والتكنولوجيا، يتشكل تدريجيا فضاء دولي أكثر هشاشة وانقساما، تتنافس فيه الكتل الجيوسياسية على التحكم في الموارد والممرات الاستراتيجية. ومن هذه الزاوية، لا تبدو الحرب الأمريكية – الاسرائيلية على إيران والمنطقة مجرد أزمة إقليمية، بل لحظة كاشفة لمرحلة انتقالية يعيشها النظام العالمي نفسه، حيث تتآكل الأسس التي قامت عليها العولمة الليبرالية، دون أن تتبلور بعد قواعد نظام بديل قادر على تنظيم العلاقات السياسية والاقتصادية على مستوى الكوكب.
فالأزمة التي تكشفها الحرب الحالية على فلسطين وإيران ولبنان لا تقتصر على اختلالات الاقتصاد العالمي، أو إعادة توزيع القوة والنفوذ داخل الإقليم، بل تمسّ البنية الأعمق للخيال الحضاري الذي حكم الحداثة الغربية المادية العنصرية منذ قرون. فقد قام هذا الخيال على تصور العالم بوصفه منظومة قابلة للقياس والإدارة، حيث تُختزل الطبيعة والإنسان والمجتمعات إلى موارد داخل شبكة عقل أداتي تسعى إلى التحكم الغربي وتعظيم السيطرة. لكن حين تصل هذه المنظومة إلى حدودها، لا تجد أمامها سوى توسيع مجال إدارتها للأزمات، حتى لو كان ذلك عبر إنتاج أشكال جديدة من الحروب المدمرة والعنف المنظم.
في هذا السياق، لا تبدو الحروب المعاصرة مجرد وسائل لتحقيق أهداف سياسية، بل تتحول إلى جزء من آلية أوسع لإدارة الاختلالات البنيوية للنظام نفسه. فبدلا من ان تعالج الأزمات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية جذورها العميقة، يجري تحويلها إلى صراعات جيوسياسية يعاد من خلالها ترتيب الموارد والأسواق وموازين القوة. وهنا يظهر التناقض الأكثر خطورة في منطق الحداثة الأداتية: فهي قادرة على إدارة التعقيد التقني الهائل الذي أنتجته، لكنها تفشل في إنتاج معنى أخلاقي أو حضاري يحدّ من اندفاعها نحو الحروب. ومن هذه الزاوية، تصبح مشاهد التدمير والإبادة التي يشهدها العالم اليوم – من غزة إلى لبنان وإيران وجبهات أخرى في المنطقة وخارجها – ليست مجرد انحرافات عن النظام الدولي، بل أعراضا لنموذج حضاري بلغ حدا من الاختزال جعل إدارة الحياة نفسها تمرّ عبر إدارة الموت. ولذلك فإن السؤال الذي تطرحه هذه اللحظة التاريخية لا يتعلق فقط بمن سيربح هذه الحرب أو تلك، بل بما إذا كان النظام الذي أنتجها ما يزال قادرا على الاستمرار دون أن يقود العالم إلى دورات متزايدة من الفوضى تهدد استمرار الوجود الانساني على كوكب الأرض.
ثانيا: من إبادة غزة إلى الحرب على إيران:
لم تعد الحروب المعاصرة مجرد صراعات على الأرض أو الموارد، بل أصبحت مرايا تكشف عن أعمق أزمات النظام العالمي نفسه.
الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على فلسطين وإيران ولبنان والمنطقة ليست مجرد مواجهة جيوسياسية حول النفوذ أو الأمن الإقليمي. فالأحداث الجارية تكشف، على نحو متزايد، عن مأزق بنيوي أعمق في النظام السياسي والاقتصادي الدولي، الذي تشكّل منذ نهاية الحرب الباردة في مطلع تسعينيات القرن العشرين. لقد قام هذا النظام على افتراض أن القوة العسكرية والعولمة الاقتصادية سيضمنان استقرارا دائما للأسواق الدولية وممرات الطاقة والتجارة. غير أن الحروب المتكررة في العقود الأخيرة، من أفغانستان إلى العراق إلى أوكرانيا، ومحاولة حسم الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وعموم الصراع العربي – الصهيونى بالقوة لاستيلاد شرق أوسط جديد يقوده الكيان الاستعماري الغربي الصهيوني الإحلالي، وصولا إلى حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية المتواصلة منذ السابع من تشرين الأول 2023، واتساع ساحات الحرب في لبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران، تشير إلى أن هذا الاستقرار لم يكن سوى توازن هشّ، يعتمد في جوهره على إدارة الأزمات بالقوة.
ثالثا: لحظة انكشاف العقل الأداتي في اختبار الفخ المركب
الحرب الأمريكية – الصهيونية على فلسطين وإيران ولبنان وعموم المنطقة العربية – الإسلامية ليست استثناء. وتمثل تطبيقا حيا لمفهوم الفخ المركّب، كما بينه المقال السابق“ الفخ المركّب: تفكّك المعنى وتزامن الاختبارات في عالم يتجاوز حدوده ” ، الذي يشير إلى تأثير تزامن الأزمات الاستراتيجية، على بعضها البعض في منظومة واحدة متشابكة. إذ لم تعد الأزمات والحروب أحداثا منفصلة، بل نظاما معقدا تتقاطع فيه الحروب العسكرية والاقتصادية وحروب الطاقة في لحظة واحدة.
خلال الأسبوع الأول من الحرب الأمريكية – الاسرائيلية على إيران، والتي امتدت إلى لبنان والقواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية والفرنسية في دول الخليج والعراق والأردن وقبرص، وإلى ومضيق هرمز الذي تعبر منه خمس التجارة النفطية العالمية. تتجلى تأثيرات الحرب بوضوح في ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميا، اضطراب أسواق الأسهم، تعطل سلاسل الإمداد، وتحويل الاستثمار نحو الصناعات العسكرية. كل هذه المؤشرات تؤكد أن الصراع ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل آلية لإعادة ضبط النظام الاقتصادي والسياسي العالمي. فالحروب اليوم ليست مجرد أحداث عابرة، بل اختبار عملي للفخ المركّب، واختبار لحدود العقل الأداتي، ولقدرة الحداثة المادية على الاستمرار.
وهذا يطرح سؤالا جوهريا: ” إلى أي حد يمكن للنظام الذي صاغ الحداثة المادية أن يواصل إدارة العالم دون أن يفقد مشروعيته الأخلاقية؟”
لقراءة المزيد ..أضغط على الرابط
https://alantologia.com/blogs/92021
2026-03-12