حرب الاختيار والمختارين!
مهدى مصطفى
الحروب فى ظاهرها تبدو استجابة لضرورة أو رد فعل على خطر، غير أن ذاكرة التاريخ تكشف شيئا مختلفا، فمعظم الحروب كانت فى حقيقتها اختيارا سياسيا وفكريا أكثر منها اضطرارا.
وإذا عدنا إلى أى حرب كبرى سنجد أن مشعليها كانوا يحملون تصورات عن العالم، بعضها حقيقى وبعضها متخيل، ولديهم أحلام إمبراطورية أو تبشيرية أو توسعية، أو مشاريع فكرية يعتقدون أنها صالحة لقيادة البشر، وتمدين من يرونهم خارج مسار الحضارة.
وفى عمق التاريخ تكاد الحروب تكشف نمطا واحدا، فهى غالبا حروب دينية أو عقائدية، حتى عندما تتخفى خلف شعارات سياسية أو اقتصادية، بعضها حمل سمات سماوية مباشرة، وبعضها ارتدى لباس الأيديولوجيات الأرضية، غير أن الجوهر ظل واحدا، الاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة.
وفى كثير من الأحيان يتحول هذا الاعتقاد إلى فكرة تنطلق من تفوق عرقى أو أخلاقي، يقسم العالم إلى أخيار وأشرار، مختارين وغير مختارين، وفى تلك اللحظة يصبح محو الآخرين أو قتلهم فعلا مبررا، وأحيانا يصبح واجبا مقدسا، وهنا تبلغ الحروب ذروتها المأساوية، حين يجرى التدمير باسم السماء، أو باسم رسالة كونية.
فى هذا السياق، تبدو منطقة غرب آسيا، أو المثلث الجغرافى الذى يربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، كأنها اختيرت تاريخيا لتكون مسرحا دائما للصدامات الكبرى.
هذا الإقليم الذى كان موطن الرسالات السماوية، ومهد الحضارات الكبرى، لم يسمح له فى العصر الحديث أن يدخل الحداثة بصورة مستقرة، فمنذ انهيار الإمبراطوريات القديمة تعاقبت عليه الحملات والغزوات، مرة باسم الدين، ومرة باسم التجارة، ومرة باسم التمدين، ومرة باسم نشر الديمقراطية.
والمفارقة أن هذه المنطقة، وقد صاغت أهم عقائد البشر، تحولت إلى أكثر مناطق العالم تعرضا للحروب ذات الطابع العقائدي، ولو أحصينا الحملات التى مرت عليها، من الحروب الصليبية إلى الغزوات الاستعمارية الحديثة ثم الحروب المعاصرة، لوجدنا أن فكرة الإغارة تكاد تكون سمة متكررة فى تاريخ هذا الإقليم.
وإذا انتقلنا إلى الذاكرة القريبة، سنجد أن آخر حرب كبرى شاملة فى المنطقة كانت غزو العراق عام 2003، حين قادت الولايات المتحدة تحالفا ضم عشرات الدول، وقدمت الحرب تحت ذرائع متعددة، أبرزها امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، ثم شعار نشر الديمقراطية، وإزالة الديكتاتورية.
غير أن ما جرى بعد ذلك كشف أن تلك الذرائع لم تكن سوى واجهة سياسية، إذ أدى الغزو إلى تفكيك دولة مركزية، وفتح الباب أمام موجة اضطرابات واسعة، امتدت إلى أنحاء عديدة من الإقليم، فيما عرف لاحقا بموجات الاضطراب السياسى أو الثورات الملونة.
أما الهجوم الإسرائيلى – الأمريكى على إيران، فيأتى فى سياق أوسع من مجرد صراع مباشر، فالمشروع الإسرائيلى يقوم على إعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية المحيطة به، بما يضمن تفوقه الدائم فى الإقليم، مستفيدا من حالة التهشيم الذاتى التى تعانيها المنطقة.
وفى المقابل ترتبط الإستراتيجية الأمريكية بهدف أوسع، يتمثل فى السيطرة على الممرات البحرية والبرية الحيوية التى تربط الشرق بالغرب، من مضيق هرمز إلى باب المندب، فضلا عن إحكام النفوذ على أحد أهم أقاليم الطاقة فى العالم.
وتزداد خطورة هذه اللحظة، لأن هذه التحركات تجرى فى سياق دولى مضطرب، حيث يبدو النظام الدولى نفسه فى حالة سيولة، ولم تعد المؤسسات الدولية قادرة على ضبط الصراعات كما كانت الحال فى عقود سابقة، وفى مثل هذه اللحظات التاريخية تتسع الحروب، لأن غياب الضوابط يفتح الباب أمام مغامرات القوة.
إزاء هذه الصورة الممزقة يصبح الخروج من الدائرة المغلقة ضرورة إستراتيجية، فالإقليم العربى ظل طويلا ساحة لصراعات الآخرين، بينما ترى القوى الكبرى فيه مجالا للمصالح والمطامع، ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى تصور عربى ينطلق من المصلحة الذاتية، ويعيد تعريف موقع الإقليم فى العالم.
فالتاريخ يعلمنا أن المناطق التى لا تبادر بصياغة مستقبلها تتحول إلى ساحات لمشروعات الآخرين، وربما تحمل المحنة الراهنة فرصة نادرة لقراءة كتاب التاريخ بوعى أعمق، حتى لا يبقى هذا الإقليم مسرحا لحروب يختارها الآخرون، بينما يدفع أبناؤه الثمن.
2026-03-12