العقاد فيلسوفا!
د.حسن حنفي .
بأى معنى يمكن اعتبار العقاد فيلسوفا؟ فما هى الفلسفة؟ وما هى روح أعمال العقاد التى تفوق الخمسين؟ وهل الفلسفة لها معنى واحد أم يختلف معناها من حضارة لحضارة بل ومن عصر إلى عصر؟ وهل المعنى يختلف عن الوظيفة؟ وهل المعنى يتم تحديده عقلا أم يتم وصفه واقعا؟
تعنى الفلسفة عند اليونان وطبقا للمعنى الاشتقاقى محبة الحكمة. والحكمة نظرية وعملية. وهو ما سار عليه الفلاسفة المسلمون بتقسيم الحكمة النظرية إلى منطق وطبيعيات وإلهيات، والعملية إلى أخلاق وسياسة وتدبير منزل أى اقتصاد. ولم تتغير وظيفة الفلسفة عند اليونان باعتبارها بحثا عن الحكمة.
أما عند الفلاسفة المسلمين فقد التقت الفلسفة والدين معا فى البحث عن الحكمة كموضوع، والعقل والنقل كمنهج. وظيفة الفلسفة الشك عند قدماء اليونان واليقين عند حكماء المسلمين والبرهنة على العقائد عند المتكلمين.
وفى الفكر الإسلامى الحديث الذى يندرج العقاد فيه فى القرن العشرين ظهر مفهوم المفكر بديلا عن الفيلسوف.
فالمفكر أكثر تواضعا، مجرد اجتهاد فى موضوع وبمنهج دون ادعاء أن ذلك فلسفة واقتصرت الفلسفة على الوافد من الغرب كما وفدت قديما من اليونان. ديكارت مثل وسقراط، وكانط مثل أفلاطون، وهيوم مثل أرسطو، وانقسام الفلسفة بعد ديكارت بين المثاليين والواقعيين حتى ضمهما من جديد فى الظاهريات وفلسفة الوجود، الأنا موجود بعد الأنا أفكر. وأصبحت الفلسفة أقرب إلى فلسفة الحضارة، فى حوار الحضارات.
وهنا ظهر العقاد فيلسوف حضارة مثل باقى المفكرين الإسلاميين، مفكرى الحضارة، مثل مالك بن نبى حيث يصعب التفرقة لديهما بين المفكر الإصلاحى. واقتصرت الفلسفة على ما يكتب شرحا للحكماء القدماء، الكندى، والفارابى، وابن سينا، وابن رشد مثلا أو فلاسفة الغرب المحدثين ديكارت وكانط وهيجل وهوسرل.
وكتابات العقاد الفلسفية متداخلة مع كتاباته الإسلامية والتاريخية، وهى نوعان: كُتب ومقالات. والكُتب نوعان: كتب فى الفلسفة الإسلامية مثل “الشيخ الرئيس ابن سينا”، “ابن رشد”، “الغزالى” ويعود إلى الأصول فى “الفلسفة القرآنية”. وكتاب واحد فى الفلسفة الغربية “فرنسيس بيكون ومقالات فلسفية متناثرة وهى الأكثر فى التراث العربى الإسلامى”. وفى الفلسفة الغربية مثل روسو، فولتير، لسنج، فورد، الفيلسوف مذهب. نيتشه، وإيمانويل كانت 1- ترجمته، حياته 2- عمله فى الفلسفة والنطق بالإنجليزية، بالتاء، وليس بالألمانية، بالطاء وكما ينطق به أهله. وفيهما تلخيص كفلسفة كما هو الحال فى القواميس والموسوعات الفلسفية. والتفكير الفلسفى الخالص مثل “فلسفة الملابس”. الفيلسوف ليس هو صاحب المذهب الشاذ أو الغريب أو المثقف واسع الاطلاع بل هو الباحث عن الحقيقة والتعبير عنها بأبسط الأساليب وأوضحها. لا فرق فى الكتابة بين الألياذة والحلاق، وبين الإلحاد وريا وسكنية وفلسفة الجمال والحب كلاهما تحليل للتجارب الذاتية.
ويكتب العقاد بأسلوب المقال. فقد كان صحفيا. وكانت الصحافة فى ذلك الوقت منبرا للأدب والفلسفة والفكر والعلم والفن، صحافة الثقافة وليست صحافة الخبر. ثم تجمع المقالات حول موضوع واحد أو محور بارز ويصبح كتابا كما حدث فى المجموعة الكاملة لمؤلفات العقاد: العبقريات الإسلامية، الإسلاميات، تراجم وسير، السيرة الذاتية، الأدب والنقد. لم تكن الفلسفة دراسات علمية موثقة بمراجع ومعتمدة على نصوص بل مجرد طرح أفكار الفلاسفة كما يعرفها العامة وكما هو شائع عنها مثل نيشته فيلسوف القوة، ولسنج الناقد الرومانسى.
ويصعب التفرقة بين الفلسفة والأدب عند العقاد. إذ يكتب الأدب بأسلوب فلسفى كما فعل مع جوته وبرنارشو وغيرهم من أدباء الغرب. ويكتب الفلسفة بأسلوب أدبى كما فعل فى فرنسيس بيكون فى الفلسفة الغربية. فمؤسس مناهج العلم الحديث وواضع أسس المنهج التجريبى فى مقابل ديكارت واضع أسس المنهج العقلى. فبعد وصف عصره ونشأته وأخلاقه ورسالته. يبدأ تفصيل بيكون الأديب مع مقتطفات من كتاباته عن الحق، والدراسة، والإلحاد، والظن، والخرافة، والجمال، والانتقام، والشدة، والموت، وحكمة المعاش، والمكر، والفتن والقلاقل والمناصب الرفيعة، والصداقة، وعظيمة الممالك والدول، يكتب فلسفته بالإضافة إلى نشأته وعصره. وفى كتاب “الشيخ والرئيس ابن سينا” جزء عن “الأديب”. و المتنبى ليس فقط شاعرا بل هو فيلسوف. ويقارن العقاد بين فلسفته وفلسفة نيتشه وفلسفة دارون. وبنيامين فرانكلين ليس هو فقط العالم والكاتب والسياسى والإنسان بل هو أيضا الفيلسوف كما سماه هيوم بالمعنى القديم للكلمة وهو محبة الحكمة ورياضته النفس عليها بالمعنى الحديث وهو البحث عن العلل. وآمن بالدين الطبيعى وهو نوع من الدين الفلسفى أو الفلسفة الدينية. وأخذ وكانت مصادر السيرة الذاتية من مصدر ثانوى. وفى “الشيخ الرئيس ابن سينا” بعد عرض آراءه الفلسفية فى النفس والعالم والخير والشر والحرية الإنسانية وموقفه كطبيب عرض إبداعاته الأدبية خاصة الشعرية.
وقد ولدت الفلسفة الإسلامية عن طريق جدل الفرق الكلامية. وولدت الفلسفة اليهودية بنفس الطريقة من جدل الفرق اليهودية، وولدت الفلسفة المسيحية من جدل الفرق المسيحية أى أنها ولدت ولادة داخلية وليست خارجية وقد تكون المشاكل واحدة فى تفسير النصوص والتأويل والتوحيد، والقضاء، والقدر، والأخرويات. فهو دين واحد، دين إبراهيم، على مراحل متتالية. وتشابه اللاهوتيون، فيلون فى اليهودية، وآريوس فى المسيحية فى الإسكندر، ونسطور فى سوريا. وخرج الإسلام من ثنايا هذا اللاهوت اليهودى المسيحى. وفى كتاب “الله” يطبق العقاد المنهج التاريخى لدراسة تطور هذا المفهوم، من الفلسفة إلى الدين إلى الفلسفة من جديد. فتدمر المفهوم وبالتالى العقيدة بأطوار ثلاثة: الأول الوعى الكونى فى مصر والهند والصين واليابان وفارس وبابل واليونان. والثانى الله كذات لدى بنى إسرائيل فى اليهودية والمسيحية. والثالث الإسلام والبراهين القرآنية على وجود الله. ثم أتى الغرب وأضاف البراهين الطبيعية المعتمدة على العلم الطبيعى.
وفى “الشيخ الرئيس ابن سينا” يبدأ العقاد بالموقف السياسى للفلاسفة وكيف أنهم نشئوا فى بلاط السلاطين. فكان للدولة موقف من الفلسفة تأييدا لها أم ضد دفاعا عن نفسها ضد نقدها. ويعرض آراء الفلاسفة قبله، أرسطو وأفلاطون وأفلوطين والفارابى دون الكندى. ثم يعرض مذهبه الخاص فى المنطق والطبيعيات والإلهيات اعتمادا على “الشفاء” و”النجاة” دون الرجوع إليهما بل يكتفى بما هو شائع عن ابن سينا فى الدراسات الثانوية.
وفى “ابن رشد” يعرض العقاد ابن رشد فى عصره، داخل الحركة العلمية والحركة السياسية وأثرهما فى الثقافة. كما يعرض حياة ابن رشد ونكبته وأسبابها. ثم ينتهى إلى أعمال ابن رشد وفلسفته وآثارها فى نقطة واحدة مثل غيرها. وهى نوعان فلسفة ابن رشد كما فهمها العصر الوسيط الأوروبى فيما عرف فيما بعد باسم والرشدية اللاتينية والمستمدة من شروحه على أرسطو، وفلسفة ابن رشد كما عرضها هو فى “فصل المقال” و”مناهج الأدلة”. الأولى تؤدى إلى الإلحاد الصريح. والثانية تؤدى إلى الإيمان العميق. لقد حاول ابن رشد الدفاع عن العقل ضد هجوم الغزالى عليه قبل قرن من الزمان ولكن يبدو أن ضربة الغزالى ضد الفلسفة لصالح التصوف كانت قوية للغاية. وكان أثر “تهافت الفلاسفة” للغزالى أقوى من “تهافت التهافت” لابن رشد. نقد ابن رشد التصوف وبيّن أنه ضد النظر العقلى ونقد المعجزة وأثبت الأسباب. وينهى العقاد كتابه بشرح ابن رشد لكتاب الخطابة لأرسطو وموضوعه السياسة. ويعنى أرسطو بالخطابة الخطاب السياسى. وينتهى الكتاب بابن رشد الطبيب وبيان صناعة الطب وأمراض الدماغ وبعض الأغذية، وأهمية الرياضة البدنية، وشرح أرجوزة ابن سينا فى الطب، وابن رشد فقيها.
أما كتابه “الغزالى” فهو أصغر الكتب الثلاثة. وهى مجرد محاضرة للجمهور العريض عن الأفكار الشائعة عن الغزالى وتصوفه. فى حين أنه فى “تهافت الفلاسفة” يبدو فيلسوفا يتناول موضوعات القدم والحدوث، وقضية السببية، وقضية البعث فلسفيا كما يفعل الفلاسفة.
وفى دراساته عن الأنبياء مثل المسيح يعتمد على كشوف قمران وعلى فلسفة التاريخ. فهى نصوص عبرية ترجمت إلى الإنجليزية ثم إلى العربية وتدرس هذه الملفات بطريقتين: الأولى التأملات الفلسفية. والثانية النقد التاريخى وينكر الفلاسفة الوجوديون كما ينكر الفلاسفة العقليون والفلاسفة الماديون أية دلالة لهذه المخطوطات. ومن بين الفلاسفة العقليين سدنى هوك وكولنجوود الماديين مواقفهم. كما يعرض برود براهين الإيمان. كما عارض جرد المادية.
ورويس فى أمريكا يشارك زملاءهم فى أوروبا مثل أونامونو كما شارك الوجوديون الروس مثل سولوفييف، وشستوف، وبردياتيف زملاءهم الأوروبيين. وحاول كارل باروت تأسيس لاهوت وجودى مؤمن على عكس بولتمان الذى أقام عقائد الإيمان على قواعد النقد التاريخى للكتب المقدسة. وكانت هذه أول مرة يسمع فيها القراء العرب عن هذه المدارس الحديثة فى النقد الدينى.
وبالرغم من أن العقاد لديه نسقا فلسفيا يدور حول الله والإنسان فى كتابيه “الله” و”الإنسان”، ويضاف إليه النبوة فى “مطلع النور” إلا أنه أجمل ذلك فى “الفلسفة القرآنية”. يتحدث فيه فى القسم الأول عن القرآن والعلم، والأسباب والخلق، والأخلاق، والحكومة، والطبقات والمساواة، والمرأة. وفى القسم الثانى عن الإنسان فى مذهب العلم والفكر مستندا إلى نظرية التطور كما هو الحال فى كتابه عن “الله”. وقد حاول تحديد عمر الإنسان كما حاولته نظرية التطور فى الغرب قبل دارون وبعده وفى الشرق العربى. ومادام الإنسان موضوع علم الحيوان وعلم الأجناس البشرية فإن له وضع فى علوم النفس والأخلاق، وله مستقبل فى علم الأحياء.
ويكتب العقاد “التفكير فريضة إسلامية”. وقد يُمنع التفكير الحر من النظام السياسى، وقد يقدم المفكر الحر أعذارا من الخوف والجُبن. وقد استطاع التفكير الحر أن يضع عدة علوم مثل المنطق والفلسفة والعلم والفن، مؤيدا الاجتهاد فى الدين دون معجزات أو غيبيات تتطلب التصديق دون برهان. ويحاور الإسلام المذاهب الاجتماعية والفكرية ليبين موقف الإسلام منها ودور العرف والعادات العربية فى تكوين النظم الإسلامية.
وفى “أثر الحضارة العربية فى الحضارة الأدبية” يبين العقاد أثرها فى الطب والعلوم، والجغرافيا والفلك والرياضة، والأدب، والفنون الجميلة، والموسيقى، وأيضا فى الفلسفة والدين. والشائع أن اليونان هم معلمو البشرية. والحقيقة أن مصر وبابل وآشور والهند كانوا قبل اليونان. بل كان الإغريق تلامذة المصريين فى جامعة منف التى زارها فيثاغورث وأفلاطون. فالفن المصرى أصل الفن اليونانى. والنحت المصرى لمثل الأشياء هى نظرية المثل عند أفلاطون. والمنطق الصورى اليونانى أصله منطق نيايا الصورى الهندى. وكان الكندى فيلسوفا مبدعا. وفلاسفة الأندلس أساتذة الفلاسفة الأوربيين. وأثر ابن عربى مشهود له فى التصوف الأوروبى. والبيرونى مبدع بعد أرسطو وليس مجرد شارح يبنى عليه الأندلسيون. وترجم لوثر التوراة إلى اللغة الألمانية كى يقرأها الألمان بلغتهم الوطنية كما يقرأ العرب القرآن بلغتهم القومية.
وقد تأتى الفلسفة فى سيرته الذاتية: “فلسفتى فى الحب”، “فلسفتى فى الحياة”. إذ يعرف الحب عن طريق النفى، ما ليس بحب أسهل مما يعرف عن طريق الإيجاب، ما هو الحب. ليس الحب هو الجنس. وليس بالشهوة. فقد يشتهى الإنسان ولا يحب. وقد يحب ولا يشتهى. وليس بالصداقة لأن الصداقة بين اثنين من جنس واحد. وليس بالانتقاء أو الاختيار. فقد يحب الإنسان ضرورة. وليس بالرحمة لأن قد يكون فى الحب عذاب وكما تعبر الأغنيات الشهيرة عن ذلك. فى الحب شئ من العادة والخداع والعداوة والأنانية والغرور والقضاء والقدر. الحب عواطف كثيرة وليس عاطفة واحدة. فيه حنان الأبوة، ومودة الصديق، والأثرة والإيثار، والمشيئة والاضطرار، والغرور والهوان، والرجاء والقنوط، واللذة والعذاب، والبراءة والإثم، والوحدة والتعدد. يقارب البعيدين، ويباعد القريبين كما هو معروف فى الأغنية الشهيرة.
وفلسفة الحياة تعتمد على الطبع الموروث أو الدرس والاطلاع، تقوم على قوة وأصالة. فلماذا التكالب على الضياع والقصور والتوسع فى الفتح كالتوسع فى الثراء. الفلسفة فى الحياة هى مع الناس والتعلم من التجربة. وإذا كانت الحياة هى العمل فأن العمل قيمته، بواعثه لا غاياته ونظامه. فلسفة الحياة فى سطور “غناك فى نفسك، وقيمتك فى عملك، وبواعثك أحرى بالعناية من غاياتك. ولا تنتظر فى الناس كثيرا”. فواضح أن فلسفته فى الحب والحياة مجرد تأملات عامة لا تتعلق بتجارب خاصة يعرف منها العقاد كشخص. قد تصل إلى حد من التجريد.
ولما كان العقاد ابن الحركة الوطنية المصرية وثورة 1919 ثم الصراع ضد الملكية دفاعا عن الشعب ممثلا فى حزب الوفد كانت مصر فى عيونه فى دراساته الأدبية مثل “شو ومصر” فى دراسته عن برنارد شو. لا فرق بين العلم والثقافة والوطن.
2020-10-22