فقرات من الندم السياسي!
اضحوي جفال محمد*
عندما سمحت ايران لأتباعها في العراق بأن يعرقلوا قيام دولة محترمة، وهم المتصدرون للمشهد منذ 2003، كانت تعتقد انها أقدر من غيرها على التصرف في عراق مستباح. وفاتها أن الواهن يكون واهناََ أمام الجميع بمن فيهم اعداؤها. وعندما تتقلب صروف الدهر يتحول العراق إلى (سچينة خاصرة) كما يقول العراقيون.. وهكذا كان.
وعندما سمحت قيادة اقليم كردستان لأتباعها في المؤسسات الاتحادية أن يسرقوا دون رادع، ووفرت لهم الملاذ الآمن كلما انكشف فسادهم ولاحقتهم المحاكم العراقية، كانت تعتقد ان الفساد لن يعبر الحدود اليها فطبقت مبدأ (شعرة من جلد خنزير تنفع). لكن مندوبيها خارج الاقليم، وبعدما ذاقوا طعم المليارات، وأدمنوا عليها، لم يعودوا قادرين على الاقلاع عنها حتى وهم يؤوبون على مسقط الرأس. ولما عادوا بالجملة عام 2014 وما تلاها أحدثوا نقلة نوعية هناك جعلت أربيل تنافس بغداد على ذروة الفساد.
وعندما سمحت حكومة سوريا الجديدة للحاقدين والمتعصبين بأن يتولوا بأيديهم ممارسة أحقادهم بحق العلويين وغيرهم كانت تعتقد أنها تكافئهم وتشد بذلك ولاء الجمهور المنفعل نحوها. وفاتها ان ثقافة (كل من ايده إلُه) ستنجب عاهات غير قابلة للشفاء. فالاعتداءات وبعد ان تتجذر تتغير اهدافها، والخطف يصبح وسيلة ثراء عبر مقايضة الضحايا بالمال. وحين يصبح المال وليس الانتقام غاية العملية تفقد الهوية الطائفية للمستهدفين أهميتها. وهكذا يصبح الامر جريمة منظمة وأُسّاََ رياضياً للفساد لا يبقي ولا يذر.
نعم دفع العلويون والدروز، وبدرجة أقل المسيحيون والأكراد، الثمن الأثقل فيما جرى، أما الان فلم تعد الفوضى حكراً على منطقة او مكوّن. ودور السلطة ينحصر في التكتم إن أمكن على أخبار الفظائع، او اعادة منتجتها إذا تعذر الإنكار. وكما كان متوقعاً أصبحت داخل المكون الذي تدّعي السلطات تمثيله وتتظاهر بالحرص على ارضائه.
ما حدث أمس في جديدة عرطوز، وقبلها في تل منين وغيرها، ليست بالضبط الموضوع الذي أقصده وإن كانت المناسبة التي جعلتني اكتب عنه. الذي أقصده أن السلطة وبعد شهور من محاولة تصوير السنّة وكأنهم حالة متماثلة في قربها من الحكم بدأت الفوارق تظهر بطريقة مناطقية تجعل الحواضر العريقة مثل دمشق وحلب في آخر الركب. وأهل الأرياف يتقدمهم الادلبيون ومن التحق بهم في الصدارة. وجاءت مناسبة المولد النبوي قبل ايام لتسلط الضوء على الشرخ بين مقدّس للاحتفال بالمناسبة ومكفّر لمن يحتفل. وكلها واجهات لصراعات اجتماعية تتغذى على فقدان الامل بالعيش الرغيد، مما يفتح الباب واسعاً لانعدام الامن.
من جانبي لا ارى الشرع والغاََ فيها من نفس المنظور، فأهدافه مختلفة عن اهداف جميع القائمين بها: في المرحلة الاولى كان ينساق مع المشاعر الجياشة لجمهور مشحون طائفياً، فلتكن (انتصارات) وهمية بلا تكاليف مادية، تنجزها الفزعات ويطلقها خطباء المساجد. وكان يدرك، بل ويرغب، في انتقالها من بُعد محدد إلى الفضاء العام ليكتوي بنارها الجميع وخاصة الحاضنة السنية لتكون الأرضية الضرورية للانقلاب على الإسلام الجهادي الذي ما عاد يمثل بالنسبة له سوى اداة تحقق منها المراد وباتت عبئاً يجب التخلص منه بطريقة حاذقة. ولقد عبّر عن ذلك بأشد التعابير وضوحاً عندما قال_ ولا اظنها زلة لسان_: (لا اعتبر نفسي امتداداً للتنظيمات الإسلامية الجهادية). وهذا يعني، فيما يعني، أنه يحبذ تأليب الجمهور، لا سيما السني، على تلك الممارسات والجرائم، كي تلقى في نهاية المطاف على الجهاديين ويؤخذوا بجريرتها عندما تحين ساعة الحسم.
( اضحوي _ 2432 )
2026-0830