مسيّرات لايبزيغ توسّع الشُّقَّةُ بين برلين وموسكو
فتحت محاولة استهداف طائرات شحن عسكريّ أوكرانية بمسيّرات في مطار لايبزيغ مواجهة جديدة بين ألمانيا وروسيا، ودشنت مرحلة تتحول فيها البنية التحتية الأوروبية إلى ساحة صراع سياسي وأمني متصاعد
سعيد محمد*
انتقلت المواجهة بين ألمانيا وروسيا إلى مستوى شديد الحساسية، بعدما حمّلت برلين أجهزة تابعة للدولة الروسية مسؤولية محاولة استهداف طائرات شحن أوكرانية في مطار لايبزيغ/هاله بواسطة مسيّرات مزودة بمتفجرات عسكرية، ثم رتبت على هذا الاستنتاج سلسلة إجراءات دبلوماسية وأمنية دفعت موسكو إلى رد مماثل طال الحضور الثقافي الألماني في روسيا. وتكتسب الحادثة أهميتها من طبيعة الموقع المستهدف ووظيفة الطائرات الموجودة فيه، أي منظومة الإمداد الغربي الداعمة لأوكرانيا.
وحدثت الواقعة مساء الرابع من أغسطس/آب الماضي، عندما رصد عامل في مطار لايبزيغ/هاله مسيّرة صغيرة داخل المنطقة الأمنية الخاصة بعمليات الشحن قرب المدرج الجنوبي، بجوار طائرات تابعة لجهة أوكرانية، فجرى إغلاق المدرج مؤقتاً واستدعاء خبراء المتفجرات الذين تعاملوا مع العبوة بواسطة روبوت متخصص. وكشفت المعاينة الجنائية أن المسيّرة حُمّلت بمادة شديدة الانفجار من الفئة المستخدمة عسكرياً وصاعقاً أصابه خلل تقني، فيما أظهرت تسجيلات المراقبة، كما تقول برلين، اصطدامها بجناح طائرة شحن أوكرانية من طراز أنتونوف أن-124، حيث تقع خزانات الوقود التي كانت ستضاعف أثر الانفجار وتحوّل الاستهداف إلى كارثة واسعة في نطاق المطار.
وبحسب السلطات الألمانية دائماً فقد توسعت العملية خلال الساعات التالية، إذ اصطدمت طائرة شحن أخرى بجسم طائر أثناء صعودها عقب إعادة فتح المدرج، ما دفعها للهبوط اضطرارياً في هانوفر حيث كُشف عن أضرار طفيفة، فيما رصد المحققون مسيّرة ثالثة مزودة بمتفجرات في حقل قريب بمنطقة كابلِسكتال. وترجّح هذه العمليات المتفرقة وجود جهد مترابط اعتمد تعدد الوسائط والأهداف، لأن توزيع ثلاث مسيّرات حول منشأة شديدة الحراسة، وتجهيز اثنتين منها على الأقل بعبوات معدة للانفجار، يكشفان مستوى من الاستهداف يتجاوز اختراقاً استثنائياً للمجال المحظور.
ويمثل مطار لايبزيغ/هاله واحداً من أكبر مراكز الشحن الجوي في أوروبا، ويؤدي دوراً مهماً في انتقال المعدات والإمدادات العسكريّة المخصصة لنظام كييف، الأمر الذي يمنح الطائرات الأوكرانية المتمركزة فيه قيمة تشغيلية ورمزية تتجاوز ملكيتها التجارية. ولا شكّ أن لإصابة طائرة أنتونوف دلالة مهمة إذ كان من شأنها تعطيل قدرة نقل ثقيل يحتاج إليها مسار الدعم الغربي، وتبعث رسالة بأن شبكات الإسناد الواقعة داخل أراضي حلف شمال الأطلسي أصبحت جزءاً من مساحة الضغوط المرتبطة بالحرب الأوكرانية.
وتعيد الحادثة إلى الواجهة واقعة يوليو/تموز 2024 في مركز الشحن التابع لشركة الشحن “دي إتش إل” داخل المطار نفسه، حين اشتعل طرد يحتوي على عبوة حارقة قبل تحميله على طائرة، بينما خلصت التحقيقات اللاحقة إلى الاشتباه بعملية تخريب روسية كان تأخر الرحلة سبباً في احتواء عواقبها. ويمنح تكرار محاولات الاستهداف في الموقع ذاته السلطات الألمانية أساساً لقراءة المحاولة الأحدث ضمن نمط يركز على نقاط الاختناق اللوجستي، حيث تحقق أدوات محدودة الكلفة أثراً أمنياً واقتصادياً وسياسياً يفوق حجمها المادي.
استغرقت التحقيقات الرسمية الألمانية قرابة أربعة أسابيع قبل إعلان الحكومة موقفها الرسمي، وجمعت خلالها الشرطة والادعاء العام وأجهزة الاستخبارات بيانات التحكم بالمسيّرات، وبنية العبوات، وآثاراً جنائية، وتسجيلات المراقبة، ومعلومات تتعلق بأسلوب التجنيد والتنفيذ. وقال وزير الداخلية ألكسندر دوبرينت إن حصيلة التحقيق الأمني ونمط العملية والمعلومات الاستخباراتية تثبت مسؤولية موسكو، موضحاً أن التخطيط والتجهيز حملا طابعاً احترافياً، بينما أسند التنفيذ الميداني إلى عملاء محدودي المستوى عملوا بتوجيه من أطراف مرتبطة بالدولة الروسية.
وتحدثت وسائل إعلام ألمانية عن تحديد مشتبهين اثنين تربطهما صلات بروسيا، وعن دخول أحدهما فضاء الاتحاد الأوروبي بتأشيرة سياحية إيطالية، فيما احتفظ الادعاء الفيدرالي الألماني بتفاصيل الهويات والأدلة التشغيلية ضمن ملف التحقيق. ويفرض هذا الفارق بين اليقين السياسي وسرية الملف القضائي قدراً من الانضباط في توصيف الحادثة، فبرلين قدمت اتهامها للجانب الروسيّ بوصفه خلاصة مؤسساتية تستند إلى مجموعة قرائن متقاطعة، بينما بقيت التفاصيل الفنية الكاملة وأساس الربط المباشر بأجهزة بعينها خارج المجال العام.
وفي إطار الرد، اتخذت حكومة المستشار فريدريش ميرتس جملة إجراءات شملت إغلاق القنصلية العامة الروسية في بون، وإنهاء الاتفاق المنظم لعمل “البيت الروسي للعلوم والثقافة” في برلين – بزعم شبهات باستخدامه غطاء لنشاطات استخباراتية -، كما وشُددت الضوابط على دخول المواطنين الروس، وتقرر زيادة الضغط على أسطول ناقلات النفط الذي تستعمله موسكو للالتفاف على العقوبات. وحَمَل وزير الخارجية يوهان فادفول القضية إلى الشركاء الأوروبيين، داعياً إلى توسيع قوائم العقوبات المرتبطة بالمجمع الصناعي العسكري الروسي وربط الرد على حادثة المطار بتشديد إجراءات حماية البنية التحتية الأوروبية المشتركة.
من جهتها، اختارت موسكو مسار النكران، واتخذت تدابير مضادة، فاستدعت القائم بالأعمال الألماني وقدمت احتجاجاً رسمياً وصفت فيه الاتهام بأنه ملفق ومصمم لدفع العلاقات الثنائية نحو مزيد من التدهور. وربط الرئيس فلاديمير بوتين موقف برلين بتراجع شعبية ميرتس والضغوط الاقتصادية والانتخابات الإقليمية، ثم أعلنت الخارجية الروسية إغلاق فروع معهد غوته في موسكو وسانت بطرسبرغ ويكاترينبورغ رداً على إنهاء نشاط البيت الروسي وإغلاق القنصلية الروسية.
الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي تعاملا مع الواقعة باعتبارها اختباراً يتجاوز الحدود الألمانية، لأن استهداف عقدة شحن تخدم أوكرانيا يمس قدرة الدول الحليفة على مواصلة الإمداد، ويختبر مستوى الحماية المتاح للمنشآت المدنية ذات الوظائف الاستراتيجية. ووصفت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس العملية بأنها تحمل سمات إرهاب ترعاه دولة، ورأت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين فيها تصعيداً جديداً على أراضي الاتحاد، فيما أكد الأمين العام للناتو مارك روته تضامن الحلف مع ألمانيا واستمرار تطوير قدراته الدفاعية في مواجهة الأنشطة التخريبية.
وقد ناقش وزراء خارجية الاتحاد تشديد القيود على التأشيرات للمواطنين للروس، وفرض حظر دخول على المقاتلين الروس السابقين، وإعداد عقوبات تطاول نحو 1600 فرد وشركة مرتبطة بالقطاع العسكري الروسي، إلى جانب سد القنوات التي تتيح وصول المكونات الغربية والآسيوية إلى صناعة السلاح الروسية. ويكشف اتساع جدول الإجراءات ضد موسكو أن الرد الأوروبي يستهدف البيئة التي تسمح للحرب الهجينة بالعمل، ابتداء من حركة العناصر البشرية والتمويل والواجهات الدبلوماسية، وصولاً إلى التجارة النفطية وسلاسل توريد التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج.
هذا وتزامن إعلان نتائج التحقيق بحادثة لايبزيغ/هاله مع عملية تخريب استهدفت خطوط الكهرباء قرب محطة تورنو-برايلاك في ولاية براندنبورغ الألمانية، بمحاذاة الحدود مع بولندا، ومع حريق يُشتبه في تدبيره داخل مصنع لمكونات الطائرات المسيّرة بمدينة سكاريسكو-كامينّا البولندية وتحقيقات في تخريب منشآت طاقة أخرى، فيما سبق أن شهدت بولندا اعتداءات على خطوط نقل ومواقع مرتبطة بالإمداد العسكري، وهو سياق وسّع مخاوف الحكومات الأوروبية من حملة روسية موزعة على أهداف صغيرة ومتعددة. وتحقق هذه العمليات، عندما تنجح أو تقترب من النجاح، نتائج تتجاوز الضرر المباشر عبر رفع كلفة الحراسة والتأمين، وتعطيل حركة النقل والإنتاج، وإجبار أجهزة الأمن على توزيع مواردها بين آلاف المنشآت ذات الصلة بالمجهود الحربي.
الاتهامات التي أطلقتها برلين أتت قبيل انتخابات إقليمية شديدة الحساسية في ولايات شرقي البلاد، وفي وقت يواجه فيه ميرتس تراجعاً حاداً في معدلات التأييد الشعبي وصعوداً ملحوظاً لحزب “البديل من أجل ألمانيا” – أقصى اليمين -، الذي يدعو إلى استعادة العلاقات الاقتصادية مع موسكو وتقليص المساندة المقدمة إلى كييف. وقد استثمر بوتين هذه الخلفية في خطابه، بينما وجد خصوم الحكومة داخل ألمانيا مساحة لمقارنة سرعة الرد الراهن بالجدل الطويل حول تفجير خطي “نورد ستريم”، الأمر الذي أدخل ملف لايبزيغ مباشرة في معركة الثقة بالحكومة واتجاه السياسة الخارجية.
ومهما يكن من أمر، فإن من شأن حادثة لايبزيغ/هاله في حصيلتها تدشين مرحلة تسرب أصداء الحرب الروسية الأوكرانية إلى شبكات النقل والسياسة والثقافة عبر القارة، وتوسّع المسافة بين برلين وموسكو بعد عقود كانت خلالها العلاقات الاقتصادية قناة للتقارب وإدارة الخلافات. وإذا تجنب المطار انفجاراً بالغ الخطورة بفضل اكتشاف مبكر وخلل في الصاعق، فإن الارتدادات التي أعقبت التحقيق تسببت بإغلاق مؤسسات دبلوماسية وثقافية، ورفعت سقف العقوبات على موسكو، ووضعت أمن الشحن الجوي في صدارة النقاش الأوروبي حيث لا يخلو المسرح من مراكز قوى تدفع باتجاه تبني عقيدة أمنية متشددة تمنح المطارات والموانئ ومحطات الطاقة وشبكات السكك الحديدية حماية شاملة تتناسب مع دورها الاستراتيجي في زمن الصراع مع الجار الروسي.
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-09-04