العرب والحرب: عدوان مشيخات الخليج على إيران!
زياد سمرين
لو قرأت الصحافة العربية، وخصوصا مقالات وتقارير الصحف التي يشرف عليها عزمي بشارة خصوصا، فلربما تعتقد أن ايران قد اعتدت على مشيخات الخليج التابعة. لكن الوقائع والتاريخ لا تفيد العكس فقط (أي ان مشيخات الخليج هي التي تعتدي على إيران) بل وأيضا أنهم يشاركون وبفعالية مع الكيان الصهيوني في حرب هدفها النهائي تصفية القضية الفلسطينية. فهذه المشيخات التي صدعت رؤوس العالم بالحديث عن القانون الدولي، تتجاهل حقيقة أن هناك تعريف قانوني ودولي صادر في قرار عن الأمم المتحدة يحدد بوضوح معنى العدوان من جهة ويحدد أيضا دور القواعد العسكرية الأجنبية في حالة استخدامها للعدوان على دولة ثالثة.
في كانون الأول/ ديسمبر ١٩٧٤، أقرت الأمم المتحدة قرار ٣٣٤١ والذي يتضمن توضيحا قانونيا تفصيليا لمعنى العدوان، وهو “استخدام القوة المسلحة من قبل دولة ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي”، من أجل المساعدة في تفسير حظر استخدام القوة الوارد أصلا في المادة ١٤ من ميثاق الأمم المتحدة. وهذا القرار، وبأجماع كل الخبراء ينطبق تماما على عدوان الولايات المتحدة الراهن على إيران.
لكن القرار أيضا يشمل أيضا تفسيرا ينطبق تماما على ما تقوم به مشيخات الخليج من عدوان على ايران. فالمادة (ف) من القرار تنص بوضوح على أن “سماح دولةٍ باستخدام أراضيها من قبل دولة أخرى لارتكاب عمل عدواني ضد دولة ثالثة يمكن اعتباره عملاً من أعمال العدوان”. بمعنى أن الدولة التي تسمح باستخدام أراضيها قد تتحمل جزءًا من المسؤولية إذا سمحت باستخدام أراضيها لشن هجوم غير قانوني.
لكن مشيخات الخليج لم ولا تشارك فقط في العدوان على ايران منذ الساعة الأولى. فهي لا تستضيف القواعد العسكرية الأميركية فقط، ما يجعلها مشاركة وتتحمل مسؤولية قانونية عن الخسائر والتبعات، ولكنها أيضا تدفع جزءا كبيرا من تكاليف الخدمات التشغيلية للقواعد العسكرية، وفي حالة قطر، مثلا، تدفع كل التكاليف وحتى التكاليف الإنشائية للقاعدة منذ البداية، وهو ما يجعلها مسؤولة مسؤولية كاملة ويتوجب عليها تعويض ايران عن الخسائر التي اصابتها.
الجانب الآخر، وهو البعد العملياتي، الذي يدين هذه المشيخات والأردن أيضا. فهذه القواعد لا تشارك فعلا في العدوان على إيران فقط، بل لا يمكن لأغلب العمليات العسكرية الأميركية أن تحصل في المنطقة وحتى خارجها بدون الدور المركزي لهذه القواعد. فقاعدة “العديد” ليس فقط جزء من البنية التحتية للعدوان على إيران واليمن ولبنان وغزة والمنطقة كلها، بل أن قطر هي التي دفعت وفق الاتفاقية وشروط تمديدها وتوسيعا مرتين (آخرها هي هذا العام ٢٠٢٦) حتى تكاليف تجهيز البنية التحتية المتخصصة (مثل حظائر الطائرات المحصنة ومستودعات الذخيرة الذكية). هذا يعني أن قطر كدولة مضيفة لا توفر الأرض فقط، بل توفر أدوات التمكين العسكرية التي لا يمكن للولايات المتحدة العمل بدونها في هذا النطاق الجغرافي.
الأخطر أنه منذ بداية العدوان الراهن على إيران، أتضح هذه القواعد لا تعتبر مجرد قواعد انطلاق للعدوان على إيران، بل هي منظومة حربية متكاملة وشبكة عملياتية واحدة ومتكاملة، تلعب فيها كل قاعدة دورا محددا في أي نشاط عسكري أميركي، ما يجعلها مشارك أصيل في الحروب، وليس مجرد دولة مستضيفة للقواعد.
فقاعدة العديد تمثل العقل المدبر لأي عدوان إقليمي، وحتى ما بعد الإقليم. فهي تحتوي على مركز العمليات الجوية المشتركة (سي أ أو سي). هذا يعني أن أي قنبلة أو صاروخ يسقط من طائرة انطلقت من الأردن أو من حاملة طائرات في بحر العرب، يتم توجيهها ومعالجة بياناتها عبر أنظمة الرادار والاتصالات في قطر. ويضم هذا المركز في قاعدة العديد قادة من ١٧ دولة وينسق كافة العمليات الجوية في ٢١ دولة. أي أن هجوم جوي على إيران يتم التخطيط له، وتوجيهه، ومراقبته عبر الرادارات وأنظمة القيادة من داخل هذه القاعدة.
وقبل العدوان الراهن على إيران، ويمكن القول الآن أنه كان بالتأكيد تمهيدا له، وافقت ومولت قطر أيضا تأسيس ما يسمى “خلية الدفاع الجوي الجديدة”، وهي خلية تنسيق جديدة للدفاع الجوي والصاروخي في قاعدة العديد، وهو ما يجعلها المسؤولة الاولى عن إحباط أي رد فعل إيراني وتوفير الحماية للطائرات المهاجمة أثناء عودتها، وهو ما يُعرف في القانون العسكري بـ “توفير الملاذ الآمن للمعتدي”. وهذا يعني أن القطريين يساهمون في الدفاع عن الكيان الصهيوني والمشاركة في اعتراض الصواريخ الإيرانية المتجهة لفلسطين. إضافة لذلك، تستضيف قاعدة العديد أسراب من طائرات التزويد بالوقود (مثل كاي سي ١٣٥)، وبدون هذه الطائرات المنطلقة من قطر، لا يمكن مطلقا للمقاتلات الأمريكية استكمال مهامها الهجومية بعيدة المدى داخل العمق الإيراني.
وفي الأردن، تمثل قاعدة موفق السلطي أيضا جزء من مركز العمليات المشتركة، وتسمى “قبضة اليد”. فهي تُستخدم كقاعدة أمامية للطائرات المقاتلة مثل اف ١٥ واف ١٦ واف ٣٥، لتقليل زمن الاستجابة والوصول السريع للأهداف الإيرانية الغربية. اما في الكويت، فتمثل قاعدة علي السالم، وفق تقارير أميركية، الشريان اللوجستي للعمليات العسكرية في المنطقة، حيث تعمل كمركز رئيسي للنقل الجوي والدعم الفني للمعدات الثقيلة. وتشكل قاعدة الظفرة، في الامارات مركز دعم أساسي للطائرات المقاتلة وعمليات الاستطلاع الجوي، وهي أساسية أيضا في إمكانية القيام بأي عدوان في المنطقة. وفي البحرين توجد قاعدة الاسطول الخامس الأميركي الذي لا يمكن الاستغناء عن دورها في دعم حاملات الطائرات العاملة في المنطقة.
ليست القضية إذن مجرد استضافة قواعد عسكرية أميركية، بل تمويلها وتشكيلها شبكة واحدة مترابطة لا يمكن للعمليات العسكرية الأميركية أن تحدث بدونها. فنحن أمام شبكة عدوان خليجية وعربية متكاملة على ايران، حيث تذوب الحدود السياسية لتصبح المنطقة كلها منصة عسكرية واحدة وشبكة عمليات واحدة لخدمة الأهداف الأمريكية-الإسرائيلية.
وخلال السنوات الأخيرة، لم تلتزم قطر مثلا في تجديد الاتفاقية مع الولايات المتحدة بتمديد استضافة القوات الأمريكية في قاعدة العديد لمدة عشر سنوات إضافية، بل ووافقت على توسيع المرافق لتشغيل أحدث المنظومات القتالية، وهو ما ينقل المسؤولية من خطأ عابر إلى سياسة دولة ممهدة ومشاركة أصيلة في العدوان على إيران.
لكن الجوهر الحقيقي لهذا الصراع ليس دفاعاً عن سيادة الخليج، كما يحاول الاعلام الخليجي والكتبة المأجورين تصويره، بل هي حرب إسرائيلية بامتياز تستهدف تقويض القوة الوحيدة التي تدعم المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني. لذلك، فهذا الانخراط العسكري الشامل يجعل من الأنظمة المضيفة لهذه القواعد، من الخليج إلى الأردن، شركاء فعليين ليس فقط في العدوان على إيران، بل في الحرب على الشعب الفلسطيني.
2026-03-11