العراق امام منعطف جديد.3 !
ابو زيزوم .
المظاهرات..
المظاهرات في بُعدها الاجتماعي صرخة شعب ساخط على الفساد والفقر وتدهور الوضع العام . شعب سئم الانتظار والوعود الكاذبة والتلاعب بمقدراته من قبل الأحزاب الحاكمة ومافيات السياسة والمال . لا اعتقد ان هناك من يجادل بهذه الحقيقة الساطعة كقرص الشمس . حتى السياسيون الذين يلعنهم المتظاهرون بالاسم ويهاجمون مقراتهم يقولون ان مطالب المتظاهرين مشروعة . اما سياسياً فإن المشهد العراقي متشابك ولا يمكن فصل عناصر تكوينه عن بعضها وخصوصا العنصر الأبرز وهو الصراع الامريكي الإيراني داخل العراق . ولا نذيع سراً اذا قلنا ان اوضاع ما بعد داعش رجّحت الكفة الإيرانية بقوة ، وباتت الولايات المتحدة على شفا الاعتراف بهزيمة نكراء لا تقل عن هزيمة 2011 ، فجاءتها المظاهرات مثل طوق النجاة .
آية الانتصار الإيراني بعد داعش ان مجاميع من عتاة الخط الامريكي الخليجي في العراق انضموا الى تحالف الفتح وباتوا أقرب لإيران من الصدر والعبادي والحكيم . فشعر حلفاء ايران ، وهم اصحاب القرار في البلاد ، شعروا بثقة زائدة ان لا منغص ينغص عليهم التحكم بالبلاد وفقا لحساباتهم التي ليس بينها إنصاف الشرائح الفقيرة والمعدمة والمنهكة . ما يؤكد ذلك ان الطبقة السياسية برمتها ارتبكت عندما قامت المظاهرات ، ووقفت عاجزة عن فعل شيء مما يشير بوضوح الى انهم لا يتوقعون من هذا الشعب الا الاستكانة والخنوع .
لم يكن الساسة العراقيون معدومي الحيلة ازاء مطالب شعبهم لو توفرت الإرادة السياسية للإصلاح . فالمال متوفر بغزارة تكفي لإدامة الكهرباء والخدمات البلدية الاخرى ، وخطة تقليدية من الخطط المجربة رأسماليا لإنعاش الاقتصاد تكفي لإستيعاب جميع العاطلين عن العمل وأكثر . لكن الدولة لم تكن بصدد شيء من ذلك ، وترسخ الاقتناع بأن الأمور قابلة للاستمرار هكذا . لقد اثبت الحاكمون عزلتهم عن الناس على غرار ماري أنطوانيت زوجة ملك فرنسا ايّام الثورة . سألت عن سبب الضوضاء فقيل ان الشعب ينتفض . استفسرت عن السبب فقيل يريدون خبزاً لأنهم بلا خبز . قالت : فليأكلوا كعكاً اذا كان الخبز غير متوفر . تعال وأقنع سياسيا فاسداً ينهب مليار دينار شهريا بأن عدم حصول عائلة من العوائل على كيلو طماطة يعتبر قضية تستحق الاهتمام والتفكير والبحث لها عن حلول . للبشر مفاهيم ومقاييس في الوعي والإدراك ، ومن الصعب إقناع الناس بمفاهيم غيرهم . على سبيل المثال ينظر الحضري الى حياة الصحراء بطريقة حالمة … نباتات برية وحيوانات مختلفة وطيور وغدران ماء وفلوات ممتدة لا تحدها حدود ونيران توقد ليشوى عليها الصيد .. الخ . واذا لم يذهب ابن المدينة الى هناك ويعايش تلك البيئة لن يقتنع بأنها الشقاء مجسداً بأبلغ صوره وان الناس فيها يتحسرون على جرعة الماء العذب .
بعض السياسيين حصلوا على احترام واسع في الرأي العام لمواكبتهم عمليات التحرير وانتشرت صورهم كأبطال . وكان بوسعهم أيضا ان يصبحوا بعد ذلك ابطال نزاهة لو تصدوا للفساد بنفس الطريقة ، وهم قادرون على ذلك لأن قرار الدولة بأيديهم ، فلم يفعلوا شيئا بهذا الاتجاه لسبب بسيط وهو عزلتهم عن الشعب وهمومه . لم يتحسسوا مدى المعاناة التي يكابدها الناس العاديون تحت نير دولة فاسدة حتى النخاع . لا نستطيع تفسير الأمور بشكل آخر . لذلك عندما انطلقت المظاهرات جوبهت كما تجابه في اي بلد عربي آخر . وهنا تبرز العوامل السياسية المضغوطة . السياسيون الرئيسيون محسوبون على ايران ، والولايات المتحدة تبحث عن اي منفذ يقيها من الإقرار بالهزيمة امام ايران في العراق . وأتتها المظاهرات على طبق من ذهب . فوضعت كل قدراتها للعب هذه الورقة . امريكا غير ملومة ، فهي طرف سياسي يعمل لتحقيق أهدافه . اما العراقيون فأين المصيب والمخطىء بينهم ؟ او بتعبير آخر : هل نلوم الانسان البسيط لأنه تظاهر فاستفادت امريكا وجيرت مظاهراته لحسابها ام نلوم السياسيين الذين حرموه لقمة العيش وأرغموه على التظاهر ؟. الجواب على هذا التساؤل ليس هو موضوعنا فمن الطبيعي ان نجد مؤيدا للمظاهرات ومعترضا عليها . موضوعنا هو استقراء الواقع المضطرب لمعرفة أين تتجه الأمور .
____ يتبع
( ابو زيزوم _ 859 )
2020-05-14