الطابور الخامس!
كفى الزعبي*
بداية تسعينيات القرن الماضي: كان اسم مدينة لينينغراد الروسية قد تغيّر للتو إلى «بطرسبورغ»، وكانوا قبل ذلك بوقت قصير قد استبدلوا، في مقدمة قاعة الانتظار الواسعة في محطة القطارات المتجهة إلى موسكو، تمثال بطرس الأول بتمثال لينين، ومتشرّدين رثين ومعدمين بأزهار القرنفل التي كانت ملقاة على الدوام عند أسفل التمثال.
في واحدٍ من تلك الأيام، وبينما كنّا – أنا وزوجي – نعبر تلك القاعة، رأينا من بعيد رجلاً يقف وحيداً، منعزلاً. كان فالنتين راسبوتين (1937 – 2015)، واحداً من أهم وأشهر الروائيين الروس في الحقبة السوفياتية، ثمّ في روسيا. فضلاً عن خجلنا، فقد كنّا شاباً وشابّة لا تزال اللغة الروسية متعثّرة على ألسنتنا، ولم يكن بحوزتنا سوى دقائق معدودة كي نصل إلى القطار، لهذا واصلنا ركضنا، ولهذا وُلِدَت ميتةً الرغبة في التوقّف ولو لمجرّد إلقاء تحيّة على راسبوتين.
الآن لم يبقَ ما يذكّرنا بتلك الرحلة، سوى أننا صادفنا في طريقنا راسبوتين. أقصد أننا ضحّينا بحدثٍ مهم لمصلحة حدثٍ غير مهم أبداً. فلو توقّفنا وألقينا التحية على راسبوتين وأجرينا حديثاً ما معه، وإن بلغةٍ متعثرة، لكان ذلك المساء انطوى على ذكرى فارقة، بيد أن المرء لا يدرك في كثير من الأحيان أهمّية المصادفات التي تهبها له الحياة إلا بعد فوات الأوان. لست أقول ذلك الآن لأن راسبوتين من مشاهير الأدباء الروس، بل تحديداً لأنه كان حينذاك واحداً من مجموعة صغيرة (ضمّت اثنتي عشرة شخصية من الكتّاب والأدباء والفنانين الروس، ذوي المكانة والأسماء المعروفة)، وقّع أفرادها على رسالة موجّهة إلى شعوب الاتحاد السوفياتي، عشية انهياره، جاء فيها:
«الوطن، بلدنا، الدولة العظيمة التي سلّمها لنا التاريخ والطبيعة والأسلاف المجيدون، تتهاوى وتتكسّر وتغرق في الظلام والعدم. وهذا الدمار يحدث في ظل صمتنا وتخاذلنا وموافقتنا.
ما الذي حدث لنا أيّها الإخوة؟ لماذا استولى على السلطة حكّام مخادعون، أثرياء جشعون، يسخرون منّا ويستغلّون سذاجتنا. ينهبون الثروات، ويفتّتون البلاد، ويفرضون علينا العيش في عبودية وخضوع لجيران أقوياء؟ إخوتنا! إننا نستيقظ متأخرين، وندرك المصيبة متأخرين، بعد أن احترق بيتنا من جميع الجهات، وصار يتوجّب علينا الآن إخماد نيرانه، ليس بالماء، بل بدموعنا ودمائنا».
بعد صدور هذه الرسالة، هدّد يلتسين الموقّعين عليها بالسجن. وفي عام 1994، كان هؤلاء الموقّعون من ضمن الذين حوكموا في قضية محاولة الانقلاب على سلطة غورباتشوف في آب 1991، بتهمة خيانة الوطن!
فقط اثنتا عشرة شخصية من بين آلاف الكتّاب والأدباء والفنانين والمثقفين، خرجت عن السرب، عن أفواج نخب ثقافية كانت تتهافت للالتحاق بالطابور الخامس، كي تكرّس الدمار والرضوخ والهزيمة، مقابل أمجاد كانت تعدهم بها شمس راحت في تلك السنين تشرق على روسيا من الغرب.
في تلك العشرية السوداء التي عاشتها روسيا في تسعينيات القرن الماضي، كانت الغالبية العظمى من النخب الثقافية والإبداعية في روسيا قد تحوّلت فعلاً إلى طابور خامس، ولم يعد البؤس الإنساني مادّةً للإبداع، بقدر ما أصبح هؤلاء «المبدعون» ذاتهم تجسيداً للبؤس والوضاعة الإنسانيين. صارت الأنا الفردية لكل منهم هي المبتدأ وهي المنتهى. ولم يعد المنتج الأدبي وحده السلعة، بل صار «مبدعه» ذاته سلعة، يعرض نفسه للبيع مقابل الدخول إلى محفل العطايا والجوائز والاعتراف والشهرة.
مجد يعِدُ به المجرم نفسه، الذي يفتّت البلاد، يحرقها ويغرقها في الظلام والعدم. سوق أو بورصة تقوم على الدمار والأنقاض والدماء والجوع، بينما «المبدع» يروّج لعالم زائف تُجعل الهزيمة فيه انتصاراً، ويلعلع صوته من خلف المنابر حول «الديموقراطية والحرية والإنسان»، بينما هذا «الإنسان» بات حافياً وعارياً يبحث «بحرية وديموقراطية» عن حاوية نفايات علّه يعثر فيها على لقمة، أو يختبئ خلفها من طلقة طائشة في معارك تصفية حسابات لا تكف رحاها تدور بين العصابات.
في ذلك الزمن الأسود الذي كانت فيه روسيا تغرق في العماء وتصبح، من حيث تدري أو لا تدري، ألدّ أعداء نفسها، امتلك هؤلاء القلّة، المعدودون على الأصابع، من أدبائها وكتّابها وفنانيها، شجاعة إطلاق صرخة؛ نداء استغاثة من قلب كائن، وطن، يحتضر. امتلكوا جرأة التمرّد على محفل الشيطان.
لست أدري متى، في أي عام، اختفى المتشردون والمعدمون من عند قاعدة تمثال بطرس الأول، وبدلاً منهم عادت تتزاحم باقات من ورود القرنفل الحمراء. هذه لحظة يصعب التقاطها لأنها حدثت شيئاً فشيئاً، فيما روسيا تنهض من حضيضها وتعود للوقوف على قدميها، وتصل إلى لحظةٍ تسجّل فيها لراسبوتين، ومَن كان معه من كتّاب مبدعين آخرين، أنهم رفضوا أن تُطبع على جباههم وصمة عار «الطابور الخامس».
ولستُ أدري أيضاً إن كنتُ أتحدّث الآن عن روسيا في تسعينيات القرن الماضي، أم عن عالمنا العربي، الغارق في حضيضه منذ عقود، فالمشهد ذاته، الخراب ذاته، والهزيمة والاستسلام ذاتهما، والطابور الخامس ذاته: «مبدعون» يتهافتون على عواصم مصطنعة بلا أي إرثٍ ثقافي، حيث محفل الشيطان يزدهر بالمال وحده على أنقاض عواصم ثقافية عربية عمل حثيثاً على تحطيمها، ليعلن وصايته وإحكام قبضته على الثقافة والفكر والإبداع، بعد أن استطاع تحويل كل ذلك إلى سلع، ومنتجيه إلى سلع أخرى تبيع أنفسها بأنفسها. ربما الفرق يكمن في غياب اثنتي عشرة شخصية من «مبدعين» عرب يجرؤون على إطلاق نداء، صرخة يعلنون فيها الحقيقة، ويتمرّدون على الشيطان، فيقاطعون جوائزه وأضواءه وينحازون إلى إنسان تُسحب الأرض يوماً بعد يوم من تحت قدميه. هل ثمّة مَن يجرؤ؟
* روائية أردنية
2026-02-14