الضربة التي لم تصل: واشنطن تقصف وإيران تخصب!
عبدالرزاق علي
في تحليل دقيق وموسّع، شككت صحيفة الغارديان البريطانية بفاعلية الهجوم الأميركي الأخير على المنشآت النووية الإيرانية، ووصفت الضربات الجوية التي استهدفت مواقع في فوردو وناتانز وأصفهان بأنها “سطحية التأثير” ولم تُحدث أي تحوّل جوهري في بنية البرنامج النووي الإيراني كما روّجت بعض الجهات الرسمية في واشنطن.
التقرير الذي نُشر الإثنين (23 يونيو 2025)، استند إلى تحليل مرئي لصور أقمار صناعية التقطت بعد ساعات من الضربة، وقد أظهرت أن القصف لم يتجاوز الهياكل العلوية للمواقع، بينما ظلت المنشآت العميقة تحت الأرض – وهي الأهم – بمنأى عن أي ضرر مباشر. ووفقًا لمحللي الصحيفة، لم يُسجَّل أي تدمير لأجهزة الطرد المركزي، والتي تُعد القلب النابض لأي مشروع لتخصيب اليورانيوم.
وترى الغارديان أن هذه النتيجة تؤكد مرة أخرى مدى صعوبة الوصول الحقيقي إلى البنية النووية الإيرانية، إذ أن أغلب المنشآت الحساسة – بما فيها المفاعلات ومخازن اليورانيوم – تم تصميمها خصيصًا لمقاومة الهجمات الجوية والاختراقات الصاروخية، حيث تقع على أعماق كبيرة وتخضع لتحصينات متعددة الطبقات.
وتساءل التقرير صراحة: “إذا كانت هذه الضربات لم تطل جوهر المشروع النووي الإيراني، فهل كانت تستحق كل هذا التصعيد؟”، معتبرًا أن واشنطن قد تكون وقعت في فخّ استعراض القوة، دون أن تحقق فائدة ملموسة على الأرض.
بل أكثر من ذلك، ترى الصحيفة أن هذه الخطوة قد تُفاقم التوتر الإقليمي بدلًا من أن تردع إيران، خاصة بعد اللهجة الحادة التي صدرت عن طهران وردود الفعل من حلفائها الإقليميين، ما يجعل الباب مفتوحًا أمام موجة تصعيد سياسي وربما عسكري يصعب التحكم في مسارها لاحقًا.
ومن أبرز ما ورد في التقرير، تأكيده على أن غياب أي دليل على تضرر أجهزة الطرد المركزي يُضعف كثيرًا من رواية النصر الأميركي، بل يمنح إيران فرصة لتعزيز خطابها أمام الداخل والخارج بأنها لا تزال تُمسك بزمام مشروعها النووي، وأنها لن تُجبر على التراجع من خلال القوة العسكرية.
وختمت الغارديان تقريرها بالتأكيد على أن المواجهة مع إيران لا يمكن كسبها بالضربات “العرضية”، في إشارة إلى أن الحلول الحقيقية، إن وُجدت، تكمن في القنوات الدبلوماسية وليس عبر الضربات الجوية التي لا تبلغ العمق النووي الإيراني، بحسب تعبير الصحيفة.
أخيرا:
رغم الضجيج الإعلامي الذي رافق الضربات الأميركية الأخيرة، فإن ما كشفته “الغارديان” يُعيد تسليط الضوء على الحدود الفعلية للقوة العسكرية عندما تُستخدم ضد مشروع نووي مصمم للبقاء في عمق الأرض وتحت طبقات من السرية والتأمين. فغياب أي ضرر على أجهزة الطرد المركزي لا يشير فقط إلى فشل جزئي للضربة، بل يكشف عن تعقيد بالغ في استهداف المنشآت النووية الإيرانية حتى بالنسبة لأقوى الجيوش في العالم.
في المقابل، تبدو إيران أمام فرصة دعائية لتعزيز موقفها بأنها لم تُهزم، وبأنها قادرة على مواصلة تخصيب اليورانيوم بلا توقف. أما الولايات المتحدة، فقد تجد نفسها الآن مطالبة بتفسير دوافع هذه الضربة وتبرير نتائجها الهزيلة، في وقت يُخشى فيه من أن تتحوّل محاولة الضغط المحدود إلى تصعيد شامل في منطقة لا تحتمل المزيد من الانفجار.
2025-06-25