الصفحات الأخيرة (981) .. المسيح المخلص!
د. عمر ظاهر
تخيلت أن صاحبي يتأمل عنوان المقالة، ويسألني: ما معنى هذا الرقم؟ فهززت رأسي رافضا الإجابة، واستفز ذلك عناده وإصراره على معرفة المقصود، فزم شفتيه، ثم سأل: هل سيذهب الرقم تصاعديا أم تنازليا في المقالات التالية؟ فقلت بأمانة: تنازليا لو كانت هناك مقالات تالية، فأطلق العنان لقهقهة عالية، وقال: خمنت.
قلت: هات ما عندك، فسألني بعد قهقهات طويلة: ماذا؟ هل قررنا الانتقال من التحليل إلى التنجيم؟ فقلت، ولم أعد قادرا على إمساك ضحكتي:
ربما هي آخر ما لدي لأقوله، فحرية التعبير لم تكن في يوم من الأيام في خطر كما هي اليوم. ثم إني لم أصدق أبدا بحرية التعبير. إنها أكذوبة. لكنْ دعنا نقول، نعم شيء من هذا القبيل. ألا ترى عالمنا وقد أصبح التنجيم فيه موضة العصر، تحت مسميات ما أنزل الله بها من سلطان؟ الكل يتنبأ بالحرب العالمية الثالثة، وبظهور هذا أو ذاك، وباقتراب يوم القيامة.
قال: ولكنْ، نحن لنا منطق علمي صلب، ولا نحيد عنه. قلت: أنا قررت أنا أحيد عنه. ودعني أصارحك بأني صرت أؤمن بوجود عالم مواز للعالم المادي، ربما هو عالم الوعي حيث تتوقف قوانين الفيزياء، ويصبح كل شيء ممكنا. مثلا، يمكنك أن تغمض عينيك وترى نفسك بين الحاضرين مع السيد المسيح في العشاء الأخير.
أنت، يا صديقي، تسمي الأشياء كما يحلو لك، لكنك تعرف أن أديانا مهمة في العالم تعتقد بتناسخ الأرواح، أي أن الواحد منا عاش قبل هذا، ومات ثم عاد إلى الحياة بعد أن اكتسب، نتيجة حيوات عديدة، خبرة، وحكمة، ووعيا يمكنه اختراق حواجز الزمن. وأنا أعرف أن أتباع ديانة صغيرة في العراق يعتقدون أن الكون كله يمر بدورة تتكرر كل مئة ألف سنة، حتى أننا من كثرة ما شهدنا تلك الدورة صرنا نتذكر مراحلها، وأحداثها، ويبدو لنا أو لغيرنا هنا وكأننا نتنبأ بها، بينما في الحقيقة نحن نتذكرها وحسب.
قال صاحبي، وهو يرفع حاجبيه من شدة الاستغراب: لكننا نعرف أن الكون لا يعيد أية دورة، ولا حتى كل أربعة عشر مليار سنة.
قلت: لا تكن واثقا مما يقول “العلماء”، فأكثرهم منجمون أيضا، ويلبسون قناع العلم، لكن قل لي كم عمرك؟ قال: خمسون سنة، فقلت: لا. إنك ولدتَ، جسديا، قبل خمسين سنة، أما عمر وعيك فهو عمر تاريخك. العراقي، مثلا، عمره خمسة آلاف سنة، وولد في أيام حامورابي، وكذلك المصري، فعمره عمره الأهرامات، وكذلك السوري فعمره هو عمر أوغاريت، والفلسطيني يسبق وجوده أقدم الكنعانيين، واليمني بدؤه سابق على سبأ. لذلك نحن أصحاب خبرات طولها آلاف السنوات، وهذا يعني أننا أولو حكمة، ومعرفة، ويمكننا أن نتنبأ، فنحن نعرف دورات التاريخ، ودرنا معها مرارا، ونكاد نعرف، بل قل نتذكر، التالي والآتي منها. ولذلك أيضا فإن الأمريكي سمج، وساذج، وطائش، فعمر تاريخه لا يزيد عن مئتي سنة، أو ثلاثمئة قضاها بالعبث، والقتل، والإفساد في الأرض.
قال صاحبي، وهو يكتم شعوره إزاء ما أقول: وكيف ترى الآن أزمة أوكرانيا؟
قلت: إنها ليست أزمة، بل هي لعبة، أو قل هي بداية لعبة كبيرة، أو، إذا شئت، هي مجرد التباشير الأولى لحدث سيشكل بداية جديدة للتاريخ. ذات يوم لن نعود نؤرخ بميلاد المسيح، بل بتاريخ الحدث المقبل. لن يقولوا، مثلا، سنة 2025 (ب. م.)، أي بعد الميلاد، ولا سنة عشرين (ق. م.)، أي قبل الميلاد، سيقولون: السنة كذا (ب. ح.)، أي بعد “ذلك” الحدث، ويقولون السنة كذا (ق. ح.)، أي قبل “ذلك” الحدث.
وقلت: هل تعرف أن الدول الاستعمارية فرضت على روسيا أثناء الثورة البلشفية عام 1917 مثل هذه العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الآن؟ ما القاسم المشترك؟ إنه الشعور بأن روسيا في طريقها لتصبح قوة تحسم الأمور. وتعرف أن عقوبات عام 1917 فشلت فشلا ذريعا، وروسيا تطورت بعدها إلى تشكيل الاتحاد السوفيتي، ثم حلف وارشو.
وهل تعرف أن ماو تسي تونغ أطلق على الولايات المتحدة عبارة “نمر من ورق”؟ هذا النمر لم يتنمر إلا على الضعفاء، وقد بلغ سن الفناء، وآن لجوفه أن ينفجر، فيخلص الضعفاء من شره. لكنْ، يبدو أنه يتكابر، ويفضل أن يبقى، ويصبح أضحوكة التاريخ.
سأل صاحبي: وبوتين؟
قلت: أنا لست من السذاجة بمكان حتى أعوّل على فلاديمير بوتين مثلما كنت أعوّل على فلاديمير لينين في خلاص المظلومين والمضطهدين في العالم، ولن أسامحه أبدا على ما فعل بمدينة غروني. ولا أريد أصلا أن أتدخل في السياسة فهي ممارسة قذرة. تريد دليلا؟ أنا لا أنسى مأساة غروزني، لكن انظر من هم أشد مناصري بوتين اليوم؟ إنهم الشيشان، وكأن القدر يستهزئ بي.
ثم قلت: على أية حال، أنت تعرف رواية “الإخوة الأعداء” لكازانتزاكيس. أنا قرأتها قبل ولادتك الجسدية. وربما تكون في هذه الرواية، وليس في غيرها، شخصية قسيس كان يريد أن يفهم لينين، فتوصل إلى أن لينين هو المسيح المخلّص.
أنا تتلبسني روح ذلك القس، وأراني أطلق نفس العبارة على فلاديمير بوتين، رغم أني لا أؤمن لا بالمسيح المخلص، ولا بالدجال، ولا بغيرهما. قلت لك إن أوكرانيا ليست أزمة، بل لعبة كبيرة، وفي هذه اللعبة فإن بوتين هو من ضغط على الزناد في أكبر انهيار سيشهده تاريخ البشرية. بوتين أثبت للعالم بأسره أن ماو كان محقا، فأمريكا ليست إلا نمرا من ورق.
المشكلة ناجمة عن حقيقة لا ينبغي لأحد إخفاءها: هناك مصيبة داخلية في أمريكا. جوف أمريكا ممتلئ بالأمراض والقيح، وهي تريد إخراج القيح في أماكن أخرى في العالم.
قال صاحبي متسائلا: إذن، إنه الانهيار الكبير بعد عدد من الأيام؟ قلت نعم، فقال بقدر ما في عنوان مقالتك؟ صمتُ، فاستطرد صاحبي: في أواسط نوفمبر 2024. ترى ماذا سيحصل هناك؟
أجبت: أنا لست منجما. أنا وسيط لصوت التاريخ.
قال: حقا، أنت لستَ منجما، لكنك واقع تحت تأثير الأدب اليساري. لا بد أنك قرأتَ أيضا روايات جاك لِندن. تنبأ هو أيضا، قبل مئة سنة، بذلك الانهيار، ووصفه وصفا مروعا يبعث القشعريرة في الأبدان، وكأنه يصف يوم القيامة. أنت تعطي حتى تاريخ ذلك الانهيار الكبير. نعم، هناك من يرون المستقبل دون أن يكونوا منجمين!
وصمت صاحبي طويلا قبل أن يعود مجددا إلى الحديث، فقال: لا أؤمن بالتنبؤات، فكلنا نعرف أنه ستكون هناك دائما زلازل، وبراكين، وكوارث طبيعية، وثورات، وانهيارات لامبراطوريات أو عروش طالما هناك ظلم، وظالمون، ومظلومون. سأحتفظ بحقي في أن أعتبر كل حديث عن الانهيارات الكبرى مجرد أمنيات مبعثها ما ارتكبتها الولايات الغبية المتحدة من موبقات بحق الشعوب، فصارت هذه تتمنى هلاكها، بل وتعتبره حتميا. ولكنْ، علينا أن نستمتع بكل عشاء فقد يكون فعلا العشاء الأخير.
قلت: مهلا. سيكون هناك دائما نور، ودفء، وأمل، وحياة تولد من جديد.
قد يتبع ..
2022-03-16