الشعر والهزات الكبرى!
الاديب الشاعر/علي الامارة
تنبه النقد العربي القديم مبكرا على حقيقة ان الشعر هو ابن الهزات الكبرى التي تمر بها المجتمعات اوالشعوب كالحروب والصراعات او الانتقالات في الاحوال السياسية او الفكرية او النفسية الطارئة . وقد دلهم على هذه المعرفة النقدية المهمة رصدهم التغيير الفني الذي يطرا على الشعر استجابة الى التغيرات في المجرى التاريخي حيث كان الشعر احد العلامات المهمة التي تشير الى هذه التغيرات وتنسجم معها .
فقد ذكر ابن سلام الجمحي 231 هـ في كتابه ( طبقات فحول الشعراء ) هذا الامر بقوله ( وبالطائف شعر وليس بالكثير وانما يكثر الشعر بالحروب التي تكون بين الاحياء نحو حرب الاوس والخزرج او قوم يغيرون ويغار عليهم ، والذي قلل من شعر قريش انه لم تكن بينهم نائرة ولم يحاربوا وذلك الذي قتل شعر عمان واهل الطائف … ) ام ضياء الدين بن الاثير637 هـ في كتابه ( المثل السائر ) فيوسع من هذا المعنى ويعطيه بعدا فنيا بقوله ( المعاني على ضربين احدهما يبتدعه مؤلف الكلام من غير ان يقتدي فيه بمن سبقه وهذا الضرب ربما يعثر عليه عند الحوادث المتجددة وينتبه عليه عند الامور الطارئة ) أي ان ابن الاثير لم يقف عند الحرب فقط بل ذكر الحوادث المتجددة التي تدعو الشعر الى المعاني الجديدة كالتي انبثقت في شعر عصر الرسالة او في العصر العباسي ..
وفي العصر الحديث حصل التغير الكبير في الشعر العربي بعد الحرب العالمية الثانية حيث كسر عمود الشعر العربي الذي ساد اكثر من 1500 سنة بظهور قصيدة الشعر الحر في نهاية الاربعينات من القرن العشرين .. ثم ما لبثت ان ظهرت قصيدة النثر الثمانينية في اثناء الحرب او بعدها بقليل في العراق ..
وحتى على الصعيد العالمي فقد حدثت الانعطافات الشعرية المهمة بين الحربين العالميتين .. حيث انتجت تلك المرحلة كبار الشعراء سواء في اوربا او في العالم بشكل عام مثل اليوت وبابلو نيرودا وبول فاليري وجاك بيرفير وغيرهم كثير ..
ويبدو لي ان الهزات التي تؤثر في التجربة الشعرية وتدفعها باتجاه التغيير او الاختلاف عن النمط السائد .. نوعان : –
الهزات الجماعية .. وهي التي تهز المجتمع بعنف فتشمل كل مفاصل الحياة وتضرب على جميع الاوتار الانسانية .. وبما ان الشعر هو فن التعبير عن ردة الفعل الانسانية او فن الاستجابة للالم الانساني ونقل العمق الشعوري للمجتمع لان الشاعر هو الذات التي تمثل الضمير الجمعي فهو لسان القبيلة في الماضي وهو فم العالم في الحاضر .. اذن فلا بد ان يتغير تبعا للهزة الجماعية خطابه الشعري على على المستويين الفني والمضموني ولا بد من ان ينقل الخرق الذي يحصل في استقرار الحياة الى خرق في استقرار نمط الكتابة الشعرية و لابد من ان يفعل ادواته الشعرية ليستوعب الحدث الكبير بل ان كلمة حداثة نفسها اضافة الى كونها تعني الجدة فانها تشير لغويا في الاقل الى الحوادث .. او احيانا الى التمرد فمثلا يذكر التاريخ ( ان بني كلاب حين احدثوا حدثا في نواحي بالس سار اليهم سيف الدولة بجيش .. الخ ) فهنا يعني الحدث التمرد فلو نقلنا هذا المفهوم اللغوي الى الشعر لوجدنا ان الحداثة الشعرية تعني التمرد على نمط سائد في الكتابة الشعرية .. وبالتالي نستطيع القول ان التغير – التمرد الشعري الذي يحصل استجابة للهزات الكبرى هو فحوى الحداثة في الشعر فان الخطاب الشعري هو ابرز الخطابات في المنعطفات التاريخية واكثرها تحسسا للمتغيرات العامة ..
2 – الهزات الذاتية .. عندما يهتز الكيان الانساني للشاعر فتدخل ذاته في فضاء اللااستقرار تبعا لتجربة حياتية خاصة او تجربة فكرية او شعور بالاغتراب تجاه الزمان او المكان او الناس فيركب الشاعر مركب القلق كما يقول المتنبي :
على قلق كان الريح تحتي
اوجهها جنوبا او شمالا
حيث يستجيب الشاعر لصوت ذاته غير المستقرة وهذه الاستجابة تنعكس فنيا وموضوعيا على خطابه الشعري فتؤدي الى الاختلاف عن النمط السائد ..
وهذه الهزات – الذاتية التي قد تكون عاطفية او اجتماعية او فكرية .. كلها هزات نفسية يعيشها الشاعر ويتمثلها فنيا .. وقد تكون هزة جسدية – نفسية مثل هزة العمى عند ابي العلاء المعري التي فعّـلت الهاجس الفلسفي والتاملي والتشاؤمي عنده فاستدعت طرحا مغايرا في شعره وخاصة في اللزوميات التي قد تكون انعكاسا للزوم البيت وفقدان النظر وكونه رهين المحبسين او الثلاثة كما يقول :
اراني في الثلاثة من سجوني
فلا تسال عن الخبر النبيث
لفقدي ناظري ولزوم بيتي
وكون النفس في الجسم الخبيث
فهذا الخطاب الشعري المختلف نوعا ما جاء صدى للهزة الكبرى التي هي العمى ..
وحين يقول غوتة ( لا شيء يجعلنا عظماء مثل الم عظيم ) يعني ان عطمة الفن تاتي من هزة الالم الذاتية التي يعيشها المبدع .. في حالة الهوة الذاتية يجب ان تكون صرخة الشاعر بحجم جرحه ، اما في حالة الهزة الجماعية فبما ان الشاعر هو فم العالم فعليه ان تكون صرخته بحجم جرح العالم .. !
2023-08-17